الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الصلاة في السمور والسنجاب والثعالب فقال : « لا خير في ذا كلّه ما خلا السنجاب فإنه دابّة لا تأكل اللحم » ـ فقد يتوهّم أنّ مقتضى ما هو المتسالم عليه في العلّة المنصوصة من كونها في قوّة الكبرى الكلّية هو تعميم الرخصة المعلّلة بهذه العلّة لكلّ محرم لا يأكل اللحم (١) ، وتخصيص ما يدلّ على عموم المانعيّة (٢) بذلك. وحكى في الجواهر (٣) عن بعض عكس ذلك وسقوط الروايتين الشريفتين عن صلاحيّة التعويل عليهما حتى في السنجاب لمكان الاشتمال على تلك العلّة المجمع على خلافها.

وأنت خبير بابتناء كلّ من الإفراط والتفريط المذكورين (٤) على توهّم اندراج المقام فيما يكون من العلّة المنصوصة في قوّة الكبرى الكليّة لعدم تحرّر ضابطه ، وهو وإن كان خارجا عمّا نحن فيه ، لكن حيث إنّه من المهمّات التي لم تحرّر فينبغي أن لا يفوتنا توضيحه.

ومحصّل ذلك هو : أنّ ما ورد من علل الأحكام يكون تارة بيانا‌

__________________

(١) وإن لم يكن سنجابا.

(٢) يعني عمومها لكل محرّم الأكل ، والعلّة كما تعمّم فهي تخصّص أيضا ، والنتيجة ثبوت المانعيّة لمحرم الأكل الذي يأكل اللحم.

(٣) الجواهر ( ٨ : ٩٩ ).

(٤) الإفراط هو الأخذ بالتعليل بجميع مقتضياته من التعميم والتخصيص ، والتفريط هو الإعراض عن الروايتين بالكلّية لاشتمالهما على التعليل الذي لا يمكن الالتزام بمقتضياته.

٢١

لحكمة تشريعها فلا تكون مطّردة ولا منعكسة ، وقد تقدّم تنقيحه ، واخرى يكون تعليلا للحكم بمناطه ، وهذا أيضا يتصوّر على وجهين :

فتارة يكون ما ورد عليه الحكم في لسان الدليل هو موضوع الحكم في نفس الأمر بنفس عنوانه ، واشتماله على العلّة المنصوصة هو الجهة المقتضية لذلك (١) ، فتكون هي حينئذ من قبيل الواسطة في الثبوت (٢). واخرى يكون ما علّل الحكم به بعنوانه الشامل للمورد وغيره هو موضوع الحكم النفس الأمريّ ، ويكون وروده على المورد بتوسّط انطباقه على ذلك العنوان (٣) والتعليل به للدلالة على ذلك (٤) ، فيكون من قبيل وسائط العروض (٥).

وغير خفيّ أنّ العلّة المنصوصة إنّما تكون في قوّة الكبرى الكلّية الشاملة للمورد وغيره بجامع واحد إذا كانت من قبيل الثاني ، وكان التعليل بها من قبيل الاحتجاج بالأوسط في ثبوت الأكبر للأصغر ومنحلاّ إلى قياس بصورة الشكل الأوّل ، وكان الحكم المعلّل جاريا من القياس المذكور مجرى النتيجة كما في مثل‌

__________________

(١) أي لموضوعيّته للحكم.

(٢) لأنّها العلّة لورود الحكم على موضوعه.

(٣) في التعبير مسامحة ، والمقصود ( بتوسط انطباق ذلك العنوان عليه ) ، ويأتي أيضا نظائره.

(٤) يعني ويكون التعليل بهذا العنوان العام في لسان الدليل لأجل الدلالة على ما ذكر من كون ورود الحكم على المورد بالتوسط المزبور ، وأنّه ليس هو موضوعا للحكم في نفس الأمر بل العنوان ، والمورد أحد مصاديقه.

(٥) فإنّ الحكم إنّما يرد على العنوان أوّلا وبالذات وبتوسطه يرد على المورد.

٢٢

( العالم حادث لأنّه متغيّر ) ونحو ذلك ، فيدور الحكم المذكور مدار علّته وجودا وعدما ، وتكون مطّردة بعمومها ومنعكسة بمفهوم التعليل (١). بخلاف ما إذا كانت من قبيل الأوّل ، لما عرفت من أنّ مرجع التوسّط في الثبوت إلى كون الواسطة هي الجهة المقتضية لموضوعيّة الموضوع لحكمه ، وقضيّة ذلك هي دخل خصوصيّة المورد إمّا في علّية العلّة أو في معلولها أو فيهما جميعا (٢) ، فلا مجال لأن تطّرد وتكون واسطة للثبوت في غير المورد أيضا إلاّ بدليل آخر يدلّ على ذلك ، لا بنفس هذا التعليل وإلاّ لزم الخلف (٣) ، وأمّا انعكاسها فيدور مدار أن يكون شمول الحكم لآحاد وجودات موضوعه تابعا للاشتمال على علّته (٤) ، أو يكون اشتمال‌

__________________

(١) أي تكون العلّة مطّردة أينما وجدت وجد الحكم وإن لم يوجد معها المورد ، وذلك بمقتضى عمومها في القضيّة الكبرويّة المقدّرة وهي ( كلّ مسكر حرام ) في مثل قولنا ( الخمر حرام لأنّه مسكر ) أي إسكارا فعليّا ، وتكون منعكسة يعني متى انتفت انتفى الحكم وإن وجد المورد كالخمر غير المسكر بالفعل ، وذلك بمقتضى مفهوم التعليل ودلالته على انتفاء الحرمة عند انتفاء الإسكار.

(٢) وبعبارة أخرى : دخلها في فاعلية الفاعل أو في قابلية القابل أو فيهما جميعا.

(٣) إذ المفروض أنّ العلّة إنما اقتضت ثبوت الحكم لخصوص المورد ولم تقتض ثبوته لغيره أيضا ، فلو اقتضت الثبوت للغير أيضا كان خلفا واضحا.

(٤) فيكون الحكم واردا على الموضوع المشتمل على العلّة والمقيّد بها لا مطلقا ، فإذا انتفت في مورد انتفى فيه الحكم.

٢٣

الموضوع في نوعه عليها (١) مناطا لورود الحكم على ذلك النوع ، فتنعكس في الصورة الأولى دون الثانية ، ويكون سبيلها حينئذ سبيل حكمة التشريع (٢) ـ كما تقدّم.

وحيث إنّ أغلب العلل الشرعيّة الراجعة إلى باب الوسائط الثبوتيّة بل كلّها من هذا القبيل (٣) ولا يكاد يظفر بما يكون شمول الحكم لآحاد وجودات الموضوع دائرا مدار الاشتمال على علّته ، فمن هنا لم يجعل التعليل بما هو من قبيل واسطة الثبوت قسما ثالثا (٤)

__________________

(١) كما مرّ في مثال النبيذ إذا فرض أنّ إسكاره في نوعه أوجب تحريمه ، فإنّه إذا انتفى في مورد لم ينتف عنه التحريم.

(٢) يعني يكون سبيل العلّة الراجعة إلى الواسطة الثبوتيّة في الصورة الثانية سبيل حكمة التشريع وتكون ملحقة بها في عدم الاطّراد والانعكاس ، وإن كانت خارجة عن هذا الاصطلاح موضوعا ـ حسبما تقدّم.

(٣) أي من الصورة الثانية.

(٤) محصّل مرامه قدس‌سره أنّ العلل الشرعيّة بحسب التقسيمات المتقدّمة على أربعة أقسام :

الأول : ما اصطلح عليه بحكمة التشريع كما في مثال تداخل الأنساب ، وهذا لا يكون مطّردا ولا منعكسا.

والثاني : ما هو من قبيل الواسطة الثبوتيّة ويكون ملحقا بالأوّل في عدم الاطّراد والانعكاس كما في مثال إسكار النبيذ.

والثالث : ما هو من قبيل الواسطة الثبوتيّة ولا يكون مطّردا لكنّه منعكس.

والرابع : ما هو من قبيل وسائط العروض وفي قوة الكبرى الكلّية فيكون مطّردا ومنعكسا معا.

٢٤

وعدّ ما لا يكون في قوّة الكبرى الكلّية من حكمة التشريع ، إذ الكلّ في عدم الاطّراد والانعكاس من واد واحد.

وكيف كان فما كان تعليلا للحكم بمناطه يصلح للوجهين (١) ، وإنّما يكون في قوّة الكبرى الكلّية إذا كان من قبيل واسطة العروض دون الثبوت. هذا كلّه في مرحلة الثبوت.

وأمّا في مرحلة الإثبات فلا يخفى أنّ كون العلّة من قبيل واسطة الثبوت هو الذي يقتضيه ظهور أدلّة الأحكام في كون العنوان الوارد عليه الحكم في لسان دليله هو موضوعه النفس الأمري (٢) بنفس عنوانه ، لا بتوسط انطباقه على عنوان آخر (٣) ، وظهور تعليلاتها أيضا في كونها بيانا للجهة المقتضية لذلك * (٤) ، وهو الأصل‌

__________________

وحيث إنّ القسم الثالث لا يكاد يظفر به في العلل الشرعيّة وكان القسم الثاني ملحقا بحكمة التشريع ، فلذا لم يجعل التعليل بما هو من قبيل واسطة الثبوت قسما ثالثا في قبال حكمة التشريع وما هو في قوّة الكبرى الكلّية ، فانحصر الأقسام في الاثنين وعدّ كلّ ما لا يكون في قوّة الكبرى الكليّة من قبيل حكمة التشريع إمّا حقيقة أو حكما ، إذ الكلّ ـ أي كلّ ما لا يكون في قوّة الكبرى الكلّية ـ مشترك في عدم الاطّراد والانعكاس فناسب أن يسمّى بحكمة التشريع توسعة في الاصطلاح.

(١) أي لأن يكون من قبيل واسطة الثبوت ، وأن يكون من قبيل واسطة العروض.

(٢) لظهور الموضوع الوارد عليه الحكم في الموضوعيّة له.

(٣) ليكون من قبيل واسطة العروض.

(٤) أي لورود الحكم على عنوان الموضوع.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الأولى ( كذلك ) والصحيح ما أثبتناه.

٢٥

فيها (١) ، ولا سبيل إلى الخروج عن هذا الأصل إلاّ إذا كانت هي بنفس عنوانها صالحة لأن تكون في قوّة الكبرى الكلّية الشاملة للمورد وغيره بجامع واحد ، وتوقّفت صحّة التعليل بها أيضا (٢) على ذلك (٣) ، فيدلّ بدلالة الاقتضاء (٤) حينئذ على تلك الكليّة ويكون من المداليل الالتزامية اللفظيّة.

وأمّا لو لم تكن لها تلك الصلاحية ، أو لم تتوقّف صحة التعليل بها للمورد على تلك الكلّية وصحّ كونها واسطة ثبوتية له ، كان هو بمعزل عن الدلالة على كونها كذلك في غير مورده (٥). ولم يكن إلى استقلال العقل بعدم دخله في ملاكيّتها للحكم سبيل ، ضرورة أنّها ليست من مدركاته (٦).

__________________

(١) يعني أنه الأصل الأولي فيما ورد تعليلا للحكم بمناطه ، اقتضاه ظهور الكلام ، ولا يخرج عنه إلاّ بدليل ـ كما ستعرف.

(٢) إذ مجرد الصلاحيّة لذلك لا تكفي في الخروج عن الأصل ورفع اليد عن الظهور ، وعلى هذين الركنين ـ أعني الصلاحيّة والتوقّف المزبورين ـ تبتني تماميّة دلالة العلّة المنصوصة على الكبرى الكلّية ـ كما سيتضح لك.

(٣) أي على كونها في قوّة الكبرى الكلّية.

(٤) لأنّ كلّ ما توقّف صحّة الكلام عليه فالكلام دالّ عليه بدلالة الاقتضاء.

(٥) أي كان التعليل بمعزل عن الدلالة على كون العلة واسطة ثبوتية لغير المورد أيضا.

(٦) يعني لا سبيل إلى حكم العقل بعدم دخل خصوصية المورد في ملاكيّة العلّة للحكم لأنّ ملاكات الأحكام ليست ممّا يدركه ليدرك أنّ الملاك‌

٢٦

وضابط ما ذكر من الصلاحية والتوقف المقتضي لتلك الدلالة هو كون العلّة (١) المنصوصة عنوانا كلّيا (٢) منطبقا على المورد وغيره بجامع واحد ، قابلا لأن يحمل بنفس عنوانه على كلّ منهما بالحمل الشائع الصناعي (٣) ، ويكون الحكم المعلّل خبريّا كان أو بصيغة الطلب (٤) أيضا كذلك (٥) ولا يكون لشي‌ء منهما (٦) تخصّص بالمورد أصلا كما في مثل ( الخمر حرام لأنّه مسكر ) أو ( لا تشرب النبيذ لأنّه مسكر ) ونحو ذلك ، فمن كونهما (٧) عنوانين قابلين للحمل أو‌

__________________

الكذائي يختص بالمورد أو يعمّ غيره ، والمقصود من هذا الكلام نفي الدلالة العقلية أيضا على الكبرى الكلّية كما بيّن انتفاء الدلالة اللفظية.

(١) بيان لضابط الصلاحية.

(٢) كعنوان المسكر.

(٣) فيقال : الخمر مسكر والنبيذ مسكر وهكذا ، كل ذلك بالحمل الشائع.

(٤) الأوّل كقولنا الخمر حرام ، والثاني كقولنا لا تشرب الخمر.

(٥) أي عنوانا كليّا قابلا لأن يحمل على المورد وغيره بجامع واحد وبالحمل الشائع نحو الخمر حرام والنبيذ حرام ، أو قابلا لأن يرد على كلّ منهما بجامع واحد نحو لا تشرب الخمر ولا تشرب النبيذ.

(٦) أي من العلّة المنصوصة والحكم المعلّل بها.

(٧) أي يستكشف من إطلاق العلّة والمعلّل وكونهما عنوانين قابلين للحمل على المورد وغيره بجامع واحد ـ بالنسبة إلى العلّة وإلى المعلّل الخبري نحو حرام ـ ، أو للورود على المورد وغيره كذلك ـ بالنسبة إلى المعلّل الطلبي نحو لا تشرب ـ ، عدم دخل المورد لا في علّية العلّة لأنّ العلّة هي المسكريّة المطلقة لا مسكريّة الخمر ، ولا في معلولها لأنّ المعلول هو الحرمة المطلقة لا حرمة خصوص‌

٢٧

الورود على المورد وغيره بجامع واحد وعدم تخصّص شي‌ء منهما به يستكشف عدم دخله لا في علّية العلّة ولا في معلولها ، وتخرج هي عن باب الواسطة في الثبوت بذلك. ولكون الجملة المعلّلة (*) بمنزلة النتيجة وما علّلت به بمنزلة الصغرى (١) فلو لا كلّية الكبرى لم يصحّ التعليل (٢) ،

__________________

الخمر ، إذن فيستفاد من الإطلاقين أنّ الإسكار علّة للحرمة لا أنّ إسكار الخمر علّة لحرمتها خاصّة ليكون من الواسطة في الثبوت ، هذا. وبهذا البيان يثبت الركن الأوّل أعني الصلاحيّة المتقدّم ذكرها ، وحيث إنّه بمجرده لا يثبت به سوى عدم دخالة المورد وعدم اختصاص شي‌ء من العلّة والمعلّل به ولا يكاد يثبت به عموم الحرمة لكلّ مسكر وكون الإسكار تمام العلة لها ـ وهو المطلوب إثباته ـ إذ لعلّ هناك أمرا آخر سوى الإسكار له دخل في الحرمة كدخل الميعان في نجاسة المسكر ، فلذا أضاف قدس‌سره إليها البيان الآتي فقال ( ولكون الجملة.

إلخ ) وبه يثبت الركن الثاني أعني التوقّف السابق الذكر ونصل إلى المطلوب.

(١) الاولى هي ( الخمر حرام ) والثانية هي ( لأنه مسكر ) ، وقد مرّ منه قدس‌سره أنّ ما كان من التعليل من هذا القبيل فهو منحلّ إلى قياس بصورة الشكل الأول والاحتجاج بالأوسط في ثبوت الأكبر للأصغر.

(٢) فإنّه يشترط في إنتاج الشكل الأوّل كلّية الكبرى ، فلو كانت جزئية كقولنا ( الخمر مسكر وبعض المسكر حرام ) لم ينتج أنّ الخمر حرام ، إذ لعلّه من البعض الآخر غير الحرام ، وحينئذ لم يصحّ التعليل بأنه مسكر بل لا بدّ من ذكر عنوان ذلك البعض الحرام في التعليل ، مثلا إذا كان موضوع النجاسة هو المسكر المائع وقيل ( الخمر نجس ) فالصحيح تعليله بأنّه مسكر مائع ليدلّ على أنّ كلّ مسكر مائع نجس ، لا بأنه مسكر وإلاّ لدلّ على أنّ كلّ مسكر نجس وإن كان جامدا ، وهو خلاف المقصود.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( المعلّلة لها ) والصحيح ما أثبتناه.

٢٨

ويدلّ هو (١) حينئذ على تلك الكلّية بذلك (٢) ، حذو دلالة قوله سبحانه ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) على أنّ المسؤول هو أهلها ونحو ذلك.

وبالجملة فمن صلاحيّة العلّة المنصوصة لأن تكون موضوعا للكبرى الكلّية وبمعونة إطلاقها وإطلاق ما علّل بها تخرج هي عن باب الواسطة في الثبوت ، ويتحصّل موضوع الكبرى من أحد الإطلاقين ومحمولها من الآخر وكلّيّتها من توقّف صحّة التعليل بها على تلك الكلّية.

ولو انتفى أحد هذه الأمور انهدم أساس الكبرى الكلّية من أصله ، إذ مع عدم صلاحيّتها لأن تكون موضوعا لها (٣) بنفس عنوانها ـ كما إذا كانت من جهات المصالح أو المفاسد (٤) التي هي مناط موضوعيّة الموضوعات لأحكامها ـ كانت من الوسائط الثبوتيّة ـ لا محالة ـ ، ويكون التعليل بها بمعزل عن الدلالة على كونها كذلك (٥) في غير مورده ـ كما قد عرفت ـ ، وكذا لو انتفى أحد‌

__________________

(١) أي التعليل.

(٢) أي بعدم صحته لو لا الكلّية ، ويكون من دلالة الاقتضاء حذو الدلالة في الآية الكريمة.

(٣) أي للكبرى الكلية.

(٤) أي من علل التشريع كما إذا قيل ( الصلاة واجبة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ) إذ لا يصحّ أن يقال ( كلّ ما ينهى عن الفحشاء والمنكر واجب ) لانتفاء التمييز والانضباط ، وقد مرّ بحثه سابقا.

(٥) أي واسطة ثبوتية.

٢٩

الإطلاقين وقيّدت هي أو ما علّل بها بمورده ، كما لو علّلت حرمة النبيذ ـ مثلا ـ بإسكار نفسه (١) لا بانطباق عنوان المسكر عليه ، أو‌

__________________

(١) هذا مثال لتقييد العلّة بالمورد ، وقد يناقش في جعل المثال المزبور من قبيل الواسطة في الثبوت بتقريبين :

أحدهما : ما في نهاية الدراية للمحقّق الأصفهاني قدس‌سره ( ١ : ٢٠٥ ) من أنّ العلّة الغائية إذا فرض ترتّبها على مورد آخر فلا محالة يترتب عليها معلولها ، بداهة أنّ المعلول لا ينفك عن علته التامة ، والمفروض أن الإسكار ـ بما هو ـ علة غائية أو لازم مساو لها لا هو بضميمة شي‌ء آخر ، وفرض الضميمة للغاية ـ ولو أضافها إلى الخمر ـ خلف ، إذ الظاهر أن غير الخمر مسكر أيضا ، وإضافة الغاية إلى ذيها لا تقتضي أن تكون الغاية لازما مساويا لذيها بحيث لا تتعدّاه.

أقول : غير خفيّ أنّه لو فرض ـ كما فرضه قدس‌سره ـ أنه استفيد من الدليل أن الإسكار بما هو ومن دون أيّ ضميمة علة غائية للحكم أو لازم مساو لها فلا كلام ـ على هذا التقدير ـ في كونه من الواسطة في العروض وكونه بعنوانه هو الموضوع للحكم فيسري الحكم إلى جميع أفراده كما ذكره قدس‌سره ، لكن الكلام في تحقق الفرض المذكور بالنسبة إلى المثال المتقدم واستظهار ذلك منه ، وقد ادّعاه قدس‌سره نظرا إلى أنّه لا دلالة لإضافة الإسكار إلى الخمر في لسان الدليل على كون العلة الغائية هو الإسكار الموجود فيه خاصة بحيث لا تتعدّاه ، فيتعين كون العلّة هو طبيعي الإسكار. لكن يظهر الجواب عنه من مطاوي ما أفاده المصنف الجدّ قدس‌سره من أن مقتضى ظهور دليل الحكم المعلل هو وساطة الثبوت وكون ما ورد عليه الحكم في لسانه هو موضوعه النفس الأمري بنفسه لا بتوسط شي‌ء‌

٣٠

__________________

آخر ، وأن هذا هو الأصل الأولي لا يخرج عنه إلاّ إذا كانت العلّة عنوانا كليّا منضبطا قابلا للانطباق على المورد وغيره ولم تتقيد هي ولا ما علّل بها بالمورد كما في ( فإنه مسكر ) ، فيستفاد حينئذ أن الإسكار المطلق هو علّة الحكم وموضوعه ـ على وجه الكبرى الكليّة ـ وأن وروده على الخمر إنّما هو بتوسطه ويرفع اليد عن الظهور الأولي في موضوعية المورد بعنوانه للحكم لضعفه عن المقاومة إزاء ما ذكر. أمّا إذا قيّدت بالمورد ـ كما في المثال ـ حال ذلك دون استظهار موضوعيتها بعنوانها الكلي ، لأنّ مقتضى التقييد دخالة القيد فلم ينعقد ظهور أقوى من ذلك الظهور الأولي ليهدمه ، بل ولا مساو له ليعارضه فيبقى على حاله ويؤخذ بمقتضاه من وساطة الثبوت واختصاص الحكم بمورده ، اللهمّ إلاّ إذا فرض القطع بعدم دخل القيد المذكور في العلّة فيخرج حينئذ عن باب منصوص العلّة ويندرج في تنقيح المناط ـ كما أفاده قدس‌سره في المتن.

التقريب الثاني : ما أفاده السيّد الأستاذ ـ دام ظله ـ في تعليقته على أجود التقريرات ( ١ : ٤٩٩ ) من أن احتمال دخل خصوصية المورد في العلّة في المثال المتقدّم وإن كان قائما ، لكنّه مخالف لما هو المرتكز في أذهان العرف من أن العلة المذكورة في الكلام هي بنفسها علة الحكم من دون دخل قيامها بالموضوع المذكور فيه ، وأن الحكم يدور مدار علته ، وأنه لا شكّ في أن المستفاد من قوله عليه‌السلام : « إن الله لم يحرّم الخمر لاسمه وإنما حرّمه لإسكاره » إنّما هو حرمة كلّ مسكر ، وأنّه لو كان الاحتمال المذكور مانعا عن انعقاد الظهور في المثال لكان مانعا في مثل ( لا تشرب الخمر لأنّه مسكر ) لقيام الاحتمال فيه أيضا.

٣١

كان الحكم المعلّل استثناء لمعيّن (١) ، ونحو ذلك ممّا لا يمكن أن‌

__________________

أقول : من الواضح أنّه قدس‌سره لا يعتدّ بمجرد الاحتمال مع انعقاد الظهور الدافع له وإلاّ لانسدّ باب العمل بالظواهر رأسا ، وإنّما يدّعي ـ حسبما أشرنا إليه آنفا ـ أن الظهور الأولي المنعقد لدليل الحكم المعلل في موضوعية المورد للحكم لا سبيل إلى إنكاره فلا بد من الأخذ به ، ولا يرفع اليد عنه إلاّ بظهور أقوى كما إذا كان معللا بتعليل مطلق صالح لأن يكون في قوّة الكبرى الكلية ـ حذو ما سمعت ـ ، أما إذا كان معللا بعلة مقيدة بالمورد ـ كالمثال ـ فبما أن التقييد بطبعه يقتضي الدخالة فلا مجال لرفع اليد عن الظهور الأولي المذكور وإلغائه بلا موجب ، إذ لا ظهور للتعليل مخالف له ، اللهمّ إلاّ إذا اقترن التعليل ـ المضاف إلى المورد ـ بما يدل ـ بوضوح ـ على عدم الخصوصية للمورد في الحكم ولا في علّية العلّة رأسا وأن العلة هو طبيعي الإسكار ، وعبارة الرواية التي أوردها ـ دام ظله ـ من هذا القبيل فإنّ ظهورها في أن مبغوضية الخمر ليست لاسمه وعنوانه بل للإسكار المترتب عليه غير قابل للإنكار ومقتضاه التعميم ، لكنّه أجنبيّ عن محل الكلام وقد صرّح المصنف الجدّ قدس‌سره ـ فيما سلف ـ بأنه لا مجال فيما هو من قبيل الواسطة في الثبوت لأن يطّرد ويكون واسطة للثبوت في غير المورد أيضا إلاّ بدليل آخر يدل على ذلك لا بنفس هذا التعليل ، فهو قدس‌سره يسلّم الاطراد بدليل آخر يدل عليه وإنما ينكره في مورد الاقتصار على التعليل المزبور في نحو قولنا : يحرم الخمر لإسكاره ، فلاحظ.

(١) هذا مثال لتقييد الحكم المعلّل بالمورد كما إذا قيل ( يجوز شرب كلّ مائع إلاّ الخمر لأنّه مسكر ) فإنّ المعلّل إنّما هو حرمة خصوص الخمر ، لأنّه المستثنى الخارج عن عموم الجواز في المستثنى منه ، لا مطلق الحرمة ، فالتعليل راجع إلى هذا الحكم الخاص بمورده.

٣٢

يطّرد بنفس مدلوله في غير المورد إلاّ بتجريده عمّا يوجب التخصّص به ، إذ مقتضى التقيّد المذكور هو دخل خصوصيّة المورد إمّا في علّية العلّة أو في معلولها ، فينتفي موضوع الكبرى (١) في إحدى الصورتين ومحمولها في الأخرى ويتعيّن كون العلّة المنصوصة من باب الوسائط الثبوتية على كلّ تقدير ، ولا سبيل إلى التعدي عن المورد إلاّ بدعوى القطع بعدم دخل التخصّص به في شي‌ء من الأمرين ، فيخرج عن باب منصوص العلّة ويرجع إلى تنقيح المناط (٢) ونحوه ، فاحفظ ذلك كي لا تختلط عليك التعليلات الشرعية وتعرف كلا من أنواعه الثلاثة بضابطه (٣).

وإذ قد تبيّن ذلك اتّضح (٤) أنّ التعليل الوارد في السنجاب بأنّه لا‌

__________________

(١) وهي في المثال ( كلّ مسكر حرام ) فإنّه إذا قيّدت العلّة بالمورد أصبح الموضوع الخمر المسكر لا مطلق المسكر ، وإذ قيّد المعلّل به أصبح المحمول حرمة الخمر لا مطلق الحرمة ، فتسقط القضية عن كونها كبرى كليّة على كل من التقديرين.

(٢) وهو أن يحصل القطع بالمناط الكلي المطّرد وعدم دخل خصوصية المورد في الحكم ـ وإن كان هو مقتضى ظاهر الدليل ـ فيرتكب التجريد ويتعدى الى كلّ مورد اشتمل على ذلك المناط.

(٣) الأنواع الثلاثة للتعليل الشرعي ـ كما مرّ ـ هي : حكمة التشريع ، وما هو من قبيل الواسطة الثبوتيّة الملحقة بحكمة التشريع في عدم دوران الحكم مداره وجودا وعدما ، وما هو من قبيل الواسطة العروضيّة يدور الحكم مداره وجودا وعدما.

(٤) لمّا فرغ قدس‌سره من بيان الضابطة لما يكون من العلّة المنصوصة في قوّة‌

٣٣

يأكل اللحم أجنبيّ عمّا هو في قوّة الكبرى الكلّية.

أمّا في رواية مقاتل فلعدم كون المعلّل بتلك العلّة ترخيصا مرسلا (١) يصلح لأن يرد حكما كلّيا على كلّ محرم لا يأكل اللحم كي يكون في قوّة الكبرى الكلّية ، وإنما هو استثناء للسنجاب عمّا حكم عليه بأنّه لا خير فيه ، وقد ورد التعليل بيانا لجهة امتيازه عنهما (٢) وأين هذا عن صلاحيّة كونه بنفسه في قوّة الكبرى الكلّية؟

والذي يظهر من مجموع ما يدلّ على حرمة أكل السنجاب وجواز الصلاة في جلده : أنّ السرّ في تعليل الرخصة فيها بأنّه لا يأكل اللحم وليس من ذوات المخالب والأنياب هو أنّه وإن لم يكن من الأنواع *

__________________

الكبرى الكلّية في كلتا مرحلتي الثبوت والإثبات ، تصدّى لبيان عدم اندراج المقام فيها ، وحيث إن ما توهّم اشتماله على العلّة المذكورة روايتان :

رواية مقاتل ( لا خير في ذا كلّه ما خلا السنجاب فإنّه دابّة لا تأكل اللحم ) ، ورواية عليّ بن أبي حمزة ( قلت وما يؤكل لحمه من غير الغنم ، فقال عليه‌السلام لا بأس بالسنجاب فإنّه دابّة لا تأكل اللحم ) والتعبير في كلّ منهما يختلف عنه في الأخرى ، أفرد قدس‌سره كلاّ منهما بجواب يخصّه ـ كما ستسمع.

(١) يعني أنّه مرّ في بيان الضابط لمرحلة الإثبات اعتبار إطلاق الحكم المعلّل وهذا غير متحقّق في المقام ، إذ الحكم المعلّل فيه مقيّد بمورده ، لأنّ السنجاب هو المرخّص فيه بخصوصه بمقتضى الاستثناء ، والتعليل راجع إلى هذا الترخيص الخاص وبيان للمائز بينه وبين السمور والثعالب المذكورين في كلام السائل ، فليس هو تعليلا للترخيص المرسل صالحا لكونه في قوّة الكبرى الكلّية ليدلّ على عموم الحكم لكلّ محرّم لا يأكل اللحم.

(٢) أي عن السمور والثعالب.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( أنواع ) والصحيح ما أثبتناه.

٣٤

الثلاثة التي تقدّم أنّ حرمة أكل الحيوان بحسب أصول أنواعه تدور مدارها ، لكن لمّا كان ذا سبلة كسبلة السنّور والفأر فهذا أوجب لحوقه الحكمي بالسباع في حرمة أكله دون عدم الصلاة في أجزائه (١) ، وهذا هو مفاد استثنائه من المذكورات في الرواية ، وقد ورد‌

__________________

(١) فهو ليس من السباع حقيقة لتحرم الصلاة في أجزائه إذ ليس ممّا يأكل اللحم ـ كما في الروايتين ـ ولا من ذوات المخالب والأنياب ـ كما في رواية ابن أبي حمزة ـ ، كما وليس من المسوخ والحشرات فلا موجب لحرمة الصلاة فيه ، لكن لمّا كان يشبه بعض السباع والمسوخ كالقط والفأر في أنّ له سبلة كسبلتهما لحق بهما في حرمة الأكل فقط ، وهذا ما يستفاد من رواية أبي حمزة قال : سأل أبو خالد الكابلي عليّ بن الحسين عليهما‌السلام عن أكل لحم السنجاب والفنك والصلاة فيهما ، فقال أبو خالد : إن السنجاب يأوي الأشجار فقال عليه‌السلام : « إن كان له سبلة كسبلة السنور والفأر فلا يؤكل لحمه ولا تجوز الصلاة فيه » ، ثم قال عليه‌السلام : « أما أنا فلا آكله ولا احرّمه ». راجع الباب الحادي والأربعين من الأطعمة المحرمة من الوسائل. ولا خلاف عندنا في حرمة أكله كما هو مقتضى قوله عليه‌السلام ( فلا يؤكل لحمه ) ، وأما قوله عليه‌السلام أخيرا ( ولا احرّمه ) ، فلعلّه من باب التقية ـ كما في الوسائل ـ ، ويؤيده نسبة التحريم إلى نفسه عليه‌السلام ، وأما قوله عليه‌السلام : ( ولا تجوز الصلاة فيه ) ، فمعارض بروايات أخر ترخص الصلاة فيه ، وسيأتي تفصيل البحث حوله ـ إن شاء الله تعالى.

أقول : يمكن أن يقرّر المقام ببيان آخر وهو أن قوله عليه‌السلام : ( فإنه دابة لا يأكل اللحم ) يراد به أنه ليس من السباع الآكلة للحم ذوات المخالب والأنياب التي نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أكلها ـ كما في رواية ابن أبي حمزة ـ

٣٥

التعليل بيانا لخروجه الموضوعي عن السباع وامتيازه عن السمور والثعالب بذلك ، إذ هو المعلّل بهذه العلّة دون الرخصة المرسلة ، وقد عرفت أنّه لا مساس لما كان من هذا القبيل بالكبرى الكلّية.

وأما في رواية ابن أبي حمزة فكونه تعليلا لجواز الصلاة في السنجاب مبنيّ على ما في بعض نسخ الوسائل من اشتمال ما سأله أخيرا ـ وهو قوله : قلت وما يؤكل من غير الغنم ـ على ( لا ) النافية (١).

__________________

وبما أن عدم كونه من الحشرات مفروغ عنه بل وكذا من المسوخ ـ ولو لمعهودية ذلك ومعلومية انحصاره في أنواع معينة ، وفي بعض الأخبار أنها ثلاثة عشر نوعا ، وعددها المتحصل من مجموع نصوص الباب نيف وعشرون وليس منها السنجاب ( الباب الثاني من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل ) ـ فهو إذن غير مندرج في شي‌ء من الأنواع الثلاثة فتصح الصلاة فيه.

وبالجملة ليس الغرض من إيراد هذا التعليل بيان علة عامة صالحة لكونها في قوة الكبرى الكلّية بل بيان لحال المورد وأنه ليس من قسم السباع كي يمنع عن الصلاة فيه من هذه الجهة ، وبعد المفروغيّة عن أنه ليس من القسمين الآخرين أيضا فلا مانع من الصلاة فيه. وهذا البيان يجري في رواية ابن أبي حمزة أيضا ، فلا حظ.

(١) إذ بناء عليه يكون سؤالا عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه ، فأجاب عليه‌السلام بعدم البأس بها في السنجاب منها معللا بما ذكر ، فيكون للبحث ـ عن أنّ العلّة المذكورة هل هي في قوة الكبرى الكلّية أو لا ـ مجال. أما بناء على الخلوّ عن تلك الزيادة فظاهره السؤال عما يحلّ أكله مما يصنع منه الفراء من غير الغنم ـ كما سيأتي ـ ، وقد أجاب عليه‌السلام بحلّية السنجاب ، وعليه فالتعليل تعليل لحلّه وأجنبيّ عن المقام.

٣٦

ونسخ الوسائل وإن اختلفت في ذلك (١) لكنّه ـ مضافا إلى فساد عبارة السؤال مع فرض هذه الزيادة من وجوه عديدة (٢) ، بل قوله ( من غير الغنم ) قرينة واضحة على عدمها وغلطيّة النسخة ـ فلا يخفى أن سند هذه الرواية ينتهي إلى الكافي حتى أن في التهذيب أيضا قد رواها عنه ، وقد روياها في الوسائل والوافي عنهما جميعا ، وقد راجعنا النسخ المصحّحة من الكافي والتهذيب فكانت خالية عن هذه الزيادة (٣) وقد ضبطها وفسّرها في الوافي أيضا بدونها (٤) ،

__________________

لكن سيأتي منه قدس‌سره تفسير آخر دقيق للرواية ، بمقتضاه يكون السؤال سؤالا عن الصلاة فيما يؤكل والتعليل تعليلا لجواز الصلاة في السنجاب دون حلّ أكله ، وعليه فيعود ـ لا محالة ـ البحث المشار إليه آنفا والمرتبط بالمقام.

(١) الزيادة موجودة في الطبعة القديمة من الوسائل وكذا في طبعتيها الحديثتين وقد قوبلت ثانيتهما على نسخة بخطّ المصنف رحمه‌الله ـ حسبما ذكر في مقدمتها.

(٢) منها ـ وهو عمدتها ـ عدم استقامة استثناء الغنم من ( ما لا يؤكل ) الظاهر في كونه منه وليس منه ، وقد أشار قدس‌سره إلى ذلك بقوله : بل قوله. إلخ ، ومنها أنه لا وقع للسؤال عن حكم ما لا يؤكل بعد ما فهم من قوله عليه‌السلام :

( إذا كان مما يؤكل لحمه ) أنه لا يجوز الصلاة في فراء ما لا يؤكل.

(٣) الأمر كذلك بالنسبة إلى الكافي بطبعتيه القديمة ( ١ : ١١٠ ) والحديثة ( ٣ : ٣٩٧ ) ، أما التهذيب فالزيادة موجودة في طبعته الحديثة ( ٢ : ٢٠٤ ) ويظهر من طبعته القديمة اختلاف نسخه ( ١ : ١٩٤ ) فراجع ، لكن العمدة ـ كما سمعت ـ هو الكافي.

(٤) قال رحمه‌الله في تفسيرها ( ٥ : ٤٠٢ ) : لعلّ ( ما ) في ( وما يؤكل لحمه من‌

٣٧

بل عدّ هذا الذيل في بعض كتب الاستدلال معارضا لما يدلّ (١) على حرمة السنجاب وساقطا عن الحجيّة وصلاحية المعارضة بإعراض الأصحاب ، فيكون ما اشتمل عليها من نسخ الوسائل من غلط الناسخ أو سهو القلم ـ لا محالة.

وظاهر الرواية حينئذ وإن كان في بادئ النظر هو حلّية السنجاب ـ المتسالم على خلافها ـ والتعليل أجنبيّا عمّا نحن فيه وغير معمول به حتى في مورده (٢) ، لكن يمكن أن يقال : إنّ سؤال الراوي لمّا كان عمّا تجوز الصلاة فيه من الفراء وكانت تصنع من الغنم ومن غيره أيضا من السنجاب والسمور والثعالب وغير ذلك ،

__________________

غير الغنم ) استفهامية ، يعني : أيّ شي‌ء يؤكل لحمه مما يلبس فرأوه من غير الغنم؟ انتهى ، والاحتمال الآخر أن تكون ( ما ) موصولة والمعنى : والذي يؤكل لحمه مما تصنع منه الفراء غير الغنم ما حكم الصلاة فيه؟ ويكون على الأول سؤالا عما يحل أكله مما سوى الغنم من تلك الأنواع ، وعلى الثاني سؤالا عما تصح الصلاة فيه منها ، والظاهر هو الأول بل لعله المتعيّن فإنه المناسب للسؤال عقيب قوله عليه‌السلام : ( إذا كان مما يؤكل لحمه ) ، أما الثاني فلا مناسبة له بوجه ، هذا ومقتضى عبائر المتن الآتية هو المفروغية عن ذلك.

(١) إذ لا تتمّ المعارضة إلاّ إذا كانت خالية عن هذه الزيادة.

(٢) يعني وكان التعليل في بادئ النظر تعليلا لحلية أكل السنجاب ، وهذا غير ما نحن فيه من التعليل لجواز الصلاة ، كما أنه لم يعمل به في مورده وهو السنجاب فضلا عن غيره ، إذ ليس كلّ ما لا يأكل اللحم من الحيوانات يحل لحمه بالضرورة.

٣٨

فبعد أن عرف من جوابه عليه‌السلام أنها لا تجوز إلاّ فيما كان ذكيّا وكان ممّا يؤكل لحمه (١) ، أراد من سؤاله الأخير أن يعرف ما يحلّ أكله (٢) من سائر ما كانت الفراء تصنع منه ليعرف أنّ أيا منها تجوز الصلاة فيه ، فالمسؤول عنه وإن كان هو ما يحلّ أكله من خصوص تلك الأنواع لا من مطلق الحيوان ، لكن المقصود بالسؤال هو معرفة ما تجوز الصلاة فيه دون أكل لحمه ، وتعبيره عليه‌السلام في الجواب بعدم البأس بالسنجاب (٣) لا بحلّ أكله أو كونه ممّا يؤكل ، ظاهر في كونه جوابا عمّا قصده بسؤاله لا عن نفس سؤاله ، والتعليل لذلك بأنّه لا يأكل اللحم ـ إلى آخره ـ بيان لما تقدّم من خروجه الموضوعي عن السباع (٤) وكون اللحوق بها حكميا (٥).

__________________

(١) يأتي ـ في الأمر الرابع ـ إمكان استظهار هذا المعنى وأن جملة ( إذا كان مما يؤكل لحمه ) من تتمة الجواب الأول وأن السؤال الثاني قد اعترض مع جوابه في البين لعجلة الراوي.

(٢) استظهار لما مرّ نقله آنفا عن الوافي.

(٣) فإن ظاهره إرادة عدم البأس بالصلاة فيه ، وإلاّ لقال : يحلّ أكل السنجاب ، أو إنّه ممّا يؤكل لحمه.

(٤) فإنّ ذكر السنجاب بالخصوص من بين سائر ما كانت تصنع منه الفراء قرينة على إرادة الخصوصية ، وبما أن مقتضى ما فهم من جوابه عليه‌السلام السابق اعتبار كون ما يصلى فيه مأكول اللحم فتجويز الصلاة في السنجاب وهو من محرم الأكل يبدو منافيا لذلك ، فبيّن عليه‌السلام وجهه وأنه ليس من السباع الآكلة اللحم موضوعا.

(٥) وذلك في الحكم بحرمة أكله للشبه المتقدّم بيانه ، ولا يخفى أن‌

٣٩

ولو سلّم ظهور لنفي البأس في جواز أكله أيضا ، كان ناشئا عن ظهور إطلاقه (١) في ذلك ، ويكون الدليل على حرمته تقييدا لذلك الإطلاق ، وعمل الأصحاب بذلك الدليل تحكيما للمقيّد على المطلق لا إعراضا موجبا لسقوطه عن الحجّية ، ويكون نفي البأس في هذه الرواية الشريفة أيضا ـ كالاستثناء الوارد في رواية مقاتل ـ حكما على السنجاب (٢) بالإضافة إلى سائر ما كانت الفراء تصنع منه ، والتعليل أيضا بيانا لجهة امتيازه عنه (٣) ويكون بمعزل عن صلاحية كونه في قوّة الكبرى الكلّية ـ كما تقدم.

ثمّ لو فرض كونه ترخيصا مرسلا (٤) يصلح للعموم على حسب عموم علّته ، فما تقدّم من التعليل بمسوخية الأكثر يهدم‌

__________________

التعليل لم يتكفل بيان اللحوق الحكمي المذكور ـ وإن أوهمته العبارة ـ ، بل مجرد خروجه الموضوعي.

(١) الشامل لجواز كلّ من أكله والصلاة فيه فيقيّد بما دلّ على حرمة أكله ، وليس هذا من الإعراض المسقط عن الحجية في شي‌ء.

(٢) أي حكما خاصا بالسنجاب اقتضاه تخصيصه عليه‌السلام إياه بالذكر من بين سائر ما تصنع منه الفراء ـ كما قد عرفت.

(٣) أي عن سائر ما تصنع منه الفراء ، والعبارة إعادة لما سبق آنفا لغرض التوضيح.

(٤) يعني لو سلّم ظهور الكلام في نفسه في الترخيص المرسل بحيث يعمّ كلّ دابة لا تأكل اللحم ـ أي غير السباع من سائر الحيوانات ـ نظرا لعموم علته ، كان ما تقدّم من التعليل بمسوخية الأكثر مانعا عن حجية هذا الظهور وقرينة منفصلة على خلافه.

٤٠