الصّلاة في المشكوك

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني

الصّلاة في المشكوك

المؤلف:

الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-319-053-6
الصفحات: ٥٥١
  نسخة غير مصححة

في استناد الفساد إلى تلك الخصوصيّة ـ خصوصا مع التفريع في صدرها (١) ـ من أقوى مراتبه (٢).

وقد ظهر الوجه في دلالة ما تضمّن الحكم بعدم جوازها (٣) على المانعيّة أيضا من ذلك ، لما عرفت ـ فيما تقدّم ـ من أنّ (٤) عدم جواز العبادة ـ مثلا ـ أو المعاملة يساوق فسادها بالمعنى الثاني ، ويكون كاشفا إنيّا عن المانعيّة (٥).

وأمّا النواهي الغيريّة (٦) فكونها في جميع أبوابها بيانا‌

__________________

(١) وهو قوله عليه‌السلام ( فالصلاة في وبره. فاسدة ) تفريعا على قوله ( الصلاة في وبر كلّ شي‌ء ـ إلخ ـ) ، فإنّ دلالته على استناد الفساد إلى الخصوصية المذكورة واضحة جليّة.

(٢) أي مراتب الظهور.

(٣) هذه هي الطائفة الثانية.

(٤) عرفت ذلك في الأمر الأول المتقدّم في أوائل الكتاب ، فقد أفاد قدس‌سره هناك أن الجواز الشرعي الشائع استعماله في أبواب العبادات والمعاملات يراد به الصحة الشرعية والنفوذ الوضعي ، لا ما يقابل الحرمة التكليفية ، إذن فعدم جواز العبادة يساوق فسادها الشرعي ووجوب إعادتها ، فيدل في المقام على لازم المانعيّة ـ حسبما مرّ.

(٥) حيث إنّه يستكشف الملزوم من لازمه والعلّة من معلولها.

(٦) وهي الطائفة الثالثة ، وغيريّتها إنما هي باعتبار أنه نهي لأجل الفرد ـ وهو الصلاة الواجبة نفسيّا ـ ومترشّح من الأمر بها وقد يعبّر عنها بالإرشادية ـ ، والغرض من سوقه ـ كما أفاده قدس‌سره ـ بيان قيديّة متعلّقه العدمي ـ وهو في المقام عدم الوقوع في غير المأكول ـ للصلاة ، وقد مرّ‌

١٤١

لما ينتزع عنه المانعيّة هو الذي يقتضيه كون الطلب فيها غيريّا قد سيق بيانا لقيديّة متعلّقه العدمي لمثل الصلاة من المركّبات الاعتباريّة ، كما أنّ الأوامر الغيريّة (١) أيضا إنما تدلّ على جزئيّة‌

__________________

أن المانعية تنتزع من هذا التقييد ، كما أن الغرض من سوق الأوامر المتعلقة بالأجزاء والشرائط هو بيان قيديّتها للواجب على نحو دخول ذات القيد أيضا فينتزع منها الجزئية ، أو بدونه فينتزع منها الشرطية.

(١) الوجه في توصيف الأوامر المتعلّقة بالشرائط بالغيريّة واضح ، فإن الشرط يغاير المشروط ذاتا ، غايته أن المشروط متقيّد به ، فيكون مقدّمة للغير وقد أمر به لأجل الغير ، أما توصيف الأوامر المتعلقة بالأجزاء بها ـ مع أنه لا تغاير بينها وبين المركب ذاتا ـ فإنما هو بلحاظ التغاير الاعتباري بينهما ، فإن الركوع ـ مثلا ـ إذا لوحظ بذاته لا بشرط الانضمام إلى غيره ركوع وجزء وإذا لوحظ بشرط الانضمام صلاة ومركّب.

فان قلت : التغاير الاعتباري المذكور لا يصحّح مقدّميّة الجزء للكلّ ليتعلّق به الأمر الغيري ، فإن الجزء الملحوظ لا بشرط في ذاته هو عين الملحوظ بشرط شي‌ء لا غيره ، ولا تقدّم للأوّل على الثاني ـ حتى لحاظا ـ فأين المقدّمية.

قلت : نعم ، لكن لمّا كان يعتبر في المركّبات لحاظ الوحدة واعتبار الأمور المتباينة أمرا واحدا ، وهذا النحو من اللحاظ متأخر رتبة عن لحاظ ذوات الأجزاء لا بشرط فبهذا الاعتبار يتمّ تقدّم الأجزاء على المركّب ومقدّميتها له ، هذا. لكنّه مع ذلك تقدّم باللحاظ لا بالذات وتغاير كذلك ، وهذا لا يكفي في الوجوب المقدّمي ، إذ يعتبر فيه التغاير الذاتي والتقدّم الواقعي ، فالتعبير عن الأوامر المتعلّقة بالأجزاء بالغيرية مسامحة‌

١٤٢

متعلقها * أو شرطيّته بهذه العناية ، هذا. مضافا إلى أنّ التعليل بمسوخيّة الأكثر (١) في قوّة التنصيص بعدم صلاحيّة المسوخ من حيث نفسه لوقوع الصلاة فيه ، ويستفاد نظيره بالنسبة إلى السباع أيضا من التعليل المتقدّم للرخصة في السنجاب (٢).

وأمّا الثاني (٣) : فلانحصار ما توهّم ظهوره في الشرطيّة بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذيل الموثّقة « لا يقبل الله تلك الصلاة حتّى يصلّيها في غيره ممّا أحلّ الله أكله » ، وقوله عليه‌السلام في رواية ابن أبي حمزة المتقدمة ، قال : قلت أو ليس الذكيّ ما ذكّي بالحديد قال « بلى إذا كان ممّا يؤكل لحمه » ، ولا يصلح شي‌ء منهما لذلك.

__________________

واضحة ، والأولى التعبير عنها بالضمنية ، نظرا إلى أنّها كأنّها قطعات من الأمر النفسيّ الواحد المنبسط على المركب ، هذا. وفي مبحث المقدّمة من تقريرات دروس المحقق الجدّ قدس‌سره تحقيقات قيّمة حول ما ذكرناه آنفا وغيره ، حريّة بالمراجعة.

(١) الوارد في مرفوعة العلل المتقدمة ، فيستفاد منها مانعيّة الخصوصيّة الوجوديّة المسوخيّة للصلاة.

(٢) وهو التعليل الوارد في رواية ابن أبي حمزة المتقدّمة في قوله عليه‌السلام ( لا بأس بالسنجاب فإنه دابة لا يأكل اللحم وليس هو مما نهى عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ نهى عن كلّ ذي ناب ومخلب ) ، فإنه يستفاد منه عدم صلاحية السبع الذي يأكل ـ اللحم وله ناب ومخلب لوقوع الصلاة فيه ، ومانعيته عنها.

(٣) وهو كون ما توهّم ظهوره في الشرطية غير ظاهر فيها.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( متعلقة ) والصحيح ما أثبتناه.

١٤٣

أمّا الشرطيّة في هذه الرواية فلأنّها ظاهرة في حدّ نفسها في الرجوع إلى متلوّها (١) وكون المأكوليّة شرطا لقابليّة الحيوان للتذكية ، ويعارضها ما يدلّ على قابليّة السباع والمسوخ أيضا لها ، فيمكن الجمع بينهما بحمل ذلك الدليل على تأثيرها في طهارة ما تحلّه الحياة منهما ، وجواز الانتفاع به ، وحمل هذه الرواية على توقّفها من جهة جواز الصلاة فيه على المأكوليّة.

ويمكن أن يستظهر (٢) من تتمّة الرواية أنّ هذه الشرطيّة من‌

__________________

(١) أي المتصل بها ، فكأنّه قيل ( بلى الذكيّ ما ذكّي بالحديد وكان مما يؤكل لحمه ) ، فيكون ظاهرا في اعتبار المأكولية في تذكية الحيوان ، وأن غير المأكول لا يقبل التذكية ، وهذا يعارض ما دلّ على قابلية بعض ما لا يؤكل لحمه كالسباع والمسوخ للتذكية ، وقد جمع قدس‌سره بينهما بحمل ما دلّ على قابليّة النوعين للتذكية ، على تأثير التذكية في طهارة ما تحلّه الحياة منهما ـ كالجلد ـ وجواز الانتفاع به فلا تعرضه النجاسة الموتية ، ولا نظر فيه إلى التذكية المعتبرة في الصلاة ، وحمل هذه الرواية ـ بقرينة وقوع السؤال فيها عن الصلاة في الفراء ـ على توقف التذكية المعتبرة في الصلاة على المأكولية ، والمعنى ( لا تصلّ إلاّ فيما كان ذكيّا والذكيّ الذي تجوز الصلاة فيه هو ما ذكّي بالحديد وكان مأكول اللحم ) ، ومقتضاه ـ كما ترى ـ اعتبار المأكولية شرطا في الصلاة.

(٢) هذا احتمال آخر في الرواية ، محصّله أنّ قوله عليه‌السلام ( إذا كان ممّا يؤكل لحمه ) من تتمّة الجواب الأوّل وهو ( لا تصلّ إلاّ فيما كان ذكيّا ) ، وقد وقع السؤال الثاني مع جوابه ـ أعني : أوليس الذكيّ ما ذكّي بالحديد ،

١٤٤

تتمّة الجواب الأوّل ، وأنّ السؤال الثاني قد اعترض مع جوابه في البين لعجلة الراوي ، وقد اتّفق في الروايات الأخر أيضا نظيره ، وظاهر الشرطيّة وإن كان هو اعتبار المأكوليّة في جواز الصلاة في الجلود على كلّ منهما (١) ، إلاّ أن تعليله للرخصة (٢) في السنجاب بأنّه ( لا يأكل اللحم وليس هو ممّا نهى عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) يدلّ على أنّ ما نهى عن أكله هو الذي لا تجوز الصلاة فيه ، وأنّ المأكوليّة إنّما اعتبرت في جواز الصلاة في الفراء لمكان المضادّة لما نهى عنه ، لا لتقوّم المطلوبيّة بالوقوع في المأكول ، فيتّحد مآل هذه الرواية حينئذ مع ما تقدّم من أدلّة المانعيّة.

__________________

وقوله عليه‌السلام : بلى ـ كجملة معترضة في الوسط نشأ من عجلة الراوي ، فلم يمهل الإمام عليه‌السلام ليتمّ كلامه فسأله في الأثناء وأجابه عليه‌السلام ثم أتمّ عليه‌السلام كلامه الأوّل ، فكأنّه عليه‌السلام قال ( لا تصلّ إلاّ فيما كان ذكيّا وكان ممّا يؤكل لحمه ) ، ومفاد الرواية ـ على هذا ـ أنه يعتبر في الصلاة في الفراء التذكية والمأكولية ، ومقتضاه كالمعنى الأوّل اعتبار المأكولية شرطا في الصلاة ، ويفترق عنه في أنه لا يرد عليه ما ورد على الأوّل من إشكال المعارضة.

(١) أي من الاحتمالين ـ كما بيّناه آنفا.

(٢) حاصله أنّ التعليل المذكور في ذيل الرواية يفيد أنّ حكم الصلاة جوازا ومنعا يدور مدار نهي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أكل كلّ ذي ناب ومخلب ، فإذا كان الشي‌ء ممّا نهى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أكله لم تصح الصلاة في أجزائه ، وإلاّ صحت ، وهذا يدلّ على مانعيّة محرّم الأكل في الصلاة ، ويقتضي كون المأكولية المذكورة في صدر الرواية غير معتبرة من حيث هي ، بل باعتبار مضادّتها لما اعتبر عدمه فيها.

١٤٥

وأمّا ذيل الموثّقة فلأنّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « لا يقبل » لم يورد جملة ابتدائيّة (١) مسوقة لبيان ما اعتبر فيما يصلّى فيه ، كي تستظهر شرطيّة الوقوع في المأكول من إناطة القبول به ، وإنّما هو من تتمّة الحكم السابق ، وخبر آخر عن المبتدإ الأول ، وحكم عليه بعدم القبول أيضا بعد الحكم عليه بالفساد للاشتمال على تلك الخصوصيّة ، إمّا تأكيدا لذلك الحكم ، أو تأسيسا (٢) لنفي الإجزاء الثانويّ المجعول للناسي ونحوه ـ كما سيأتي تنقيحه إن شاء الله تعالى (٣) ـ ، وعلى كلّ منهما فدلالته على استناد عدم القبول أيضا‌

__________________

(١) الجملة الابتدائية هي المستأنفة التي يفتتح بها الكلام أو المعترضة المنقطعة عما قبلها ، فلو كانت الجملة المذكورة كذلك بأن قيل ابتداء ( لا يقبل الله الصلاة إلاّ إذا صلّيت فيما أحلّ الله أكله ) فلا ريب في ظهورها في الشرطية ، لكنها ليست كذلك ، بل هي متصلة بما قبلها مرتبطة به ، وخبر ثان للمبتدإ ( الصلاة في وبره. ) بعد خبره الأوّل ( فاسدة ) ، وظاهرها حينئذ المانعيّة ، لوضوح دلالتها على أن الصلاة المذكورة لاشتمالها على خصوصية الوقوع في غير المأكول محكومة بالفساد وبعدم القبول ، وأن الأمرين مستندان إلى وجود تلك الخصوصية المانعة.

(٢) يعني أن الحكم على الصلاة ثانيا بعدم القبول إما تأكيد للحكم الأوّل بالفساد ، أو تأسيس لحكم آخر هو نفي الإجزاء الثانوي المجعول للناسي ونحوه ـ بمثل صحيحة لا تعاد ـ عن المقام.

(٣) لم يأت منه قدس‌سره في هذه الرسالة تنقيح ذلك ، وقد اختار قدس‌سره في تعليقته‌

١٤٦

ـ كالفساد ـ إلى تلك الخصوصيّة ظاهرة ، وتؤكّده الإشارة (١) التي‌

__________________

على العروة ـ في المسألة ١٩ من شرائط لباس المصلّي ـ بطلان الصلاة الواقعة في غير المأكول نسيانا ، وكذلك أفتى في وسيلة النجاة ، وهذا هو المنسوب إلى المشهور مع أن مقتضى عموم صحيحة لا تعاد هو الصحة ، والظاهر ـ كما عن غير واحد ـ أن مستند البطلان هو ذيل الموثقة المذكور بناء على أولوية التأسيس من التأكيد ، وظهور كونه في مقام بيان حكم الصلاة الواقعة من المكلّف ، كأنّه قيل ( إذا صلّى فعليه الإعادة ) ، وإطلاقه وإن شمل الجاهل والناسي ، والنسبة بينه وبين الصحيحة عموم من وجه ، لاختصاصها ـ على المختار ـ بغير الجاهل وعمومها لسائر الخلل ، إلاّ أنه لا بدّ من رفع اليد عن إطلاقه بالنسبة إلى الجاهل بمقتضى صحيحة عبد الرحمن الآتية في الأمر الرابع والظاهرة في صحة الصلاة الواقعة في غير المأكول جهلا ، فيختصّ بالناسي ، وتنقلب النسبة بينه وبين صحيحة لا تعاد ، ويكون أخصّ مطلقا منها فيتقدّم عليها ، على أنه قد يناقش في شمول الصحيحة للموانع حذو شمولها للأجزاء والشرائط ، وعليه فالبطلان أوضح ، كما أنه قد يقال بشمول الموثق للجاهل بالحكم أيضا ، وعليه فلا انقلاب ويؤخذ في مورد الناسي بالصحيحة الحاكمة بالصحة لأقوائيتها دلالة ، أما بناء على عموم الصحيحة للجاهل ـ كما عليه جماعة ـ فالموثق في نفسه أخصّ مطلقا منها فتخصّص به ، كما يخصّص هو بصحيحة عبد الرحمن ، والنتيجة على هذا أيضا هو التفصيل المتقدم بين الجهل والنسيان.

(١) وهي كلمة ( تلك ) الواقعة في هذه الجملة ، والرابطة لها بالمبتدأ ، ووجه التأكيد أنها إشارة إلى الصلاة المتخصّصة بتلك الخصوصيّة ، فتفيد أن عدم قبولها مستند إلى تخصّصها بها.

١٤٧

جي‌ء بها رابطا للجملة الخبريّة الثانية ، وسواء كانت راجعة (١) إلى شخص تلك الصلاة ، والضمير إلى نوعها ـ وهو الظهر مثلا أو العصر أو غيرهما ـ بالاستخدام ، والغاية تأكيدا لعدم القبول ، لا غاية حقيقيّة ، أو كانا راجعين جميعا إلى ذلك النوع ، وكانت الغاية حقيقية ، فالصلاة في غيره (٢) إنّما تكون غاية لعدم القبول ـ بأحد‌

__________________

(١) احتمل قدس‌سره في مرجع الإشارة أمرين ، على الأوّل منهما تكون الغاية المدلول عليها بقوله عليه‌السلام ( حتى يصلّيها في غيره ) غاية غير حقيقيّة ، وعلى الثاني غاية حقيقيّة ، أمّا الأوّل فهو أن ترجع الإشارة إلى شخص تلك الصلاة الواقعة فيما لا يؤكل ، ولأجل أن الضمير في ( يصلّيها ) لا بدّ أن يرجع إلى نوعها كالظهر ـ أي حتى يصلّي نوع تلك الصلاة ضمن شخص آخر في غير ما لا يؤكل ـ لا إلى شخصها ، إذ لا يعقل أن يصلّي شخصها في غيره ، فإن الشخص لا يتعدّد ، فيلزم الاستخدام في الضمير ـ لا محالة ـ ، وعلى هذا فالغاية ليست حقيقيّة ، إذ لا يمكن أن يكون الصلاة في غيره ضمن فرد آخر غاية لعدم قبول الفرد الأوّل بحيث إذا تحقّقت هذه الغاية أصبح الأوّل مقبولا ، فإن الشي‌ء لا ينقلب عمّا وقع عليه ، وإنما هي تأكيد لعدم قبول الأوّل جي‌ء بصورة الغاية ، والمقصود أن الله تعالى لا يقبل الصلاة المذكورة بوجه ، بل لا بدّ وأن يعيد صلاته في غيره. والثاني أن ترجع إلى نوع تلك الصلاة كرجوع الضمير إليه ، فلا استخدام ، والغاية ـ على هذا ـ حقيقية ، والمعنى أن الله تعالى لا يقبل الصلاة حتى تصلى في غير ما لا يؤكل ، فإذا تحقّقت الغاية وصلّيت كذلك قبلها.

(٢) يعني سواء كانت الغاية حقيقية أم صورية فالصلاة في غير ما لا يؤكل‌

١٤٨

الوجهين ـ لانتفاء تلك الخصوصيّة عنها وكونها في غيره ، ويدور الأمر في قوله « ممّا أحلّ الله أكله » (١) بين أن يكون بيانا لأحد أفراد ذلك الغير ، أو يكون تقييدا له ، ولا ريب في أظهريّة الأوّل ـ ولو بمعونة صدر الكلام ، وسوقه ، ومعهوديّة صحة الصلاة في القطن والكتان ونحوهما عند الراوي.

__________________

إنما تكون غاية لعدم القبول ومحكومة هي بالقبول فلمكان انتفاء خصوصية الوقوع فيما لا يؤكل عنها لفرض وقوعها في غيره ، إذ قد عرفت آنفا ظهور الرواية في أن الحكم بالفساد أولا وبعدم القبول ثانيا مستند إلى تلك الخصوصية المانعة ، ومقتضاه أن تكون غائيّة الصلاة في غيرها لعدم القبول واتصافها بالقبول مستندة إلى انتفاء تلك الخصوصيّة ، لا إلى تحقّق الخصوصيّة المضادّة ليفيد شرطيّتها ـ كما يظهر بالتدبر ـ ، إذن فالرواية بفقراتها المتتابعة حتّى قوله عليه‌السلام ( حتى يصلّيها في غيره ) ظاهرة الدلالة في المانعية من دون إشكال ، نعم قد يشكل الأمر في دلالة ما بعده وهو ( ممّا أحل الله أكله ) ، وقد عالجه قدس‌سره بما ستعرف.

(١) يعني أن هذه القطعة من الرواية يحتمل أن تكون بيانا لأحد أفراد الغير المذكور في قوله عليه‌السلام ( حتى يصلّيها في غيره ) ذكر مثالا ، وله أفراد أخر غير ذلك ـ كالقطن والكتان ونحوهما من غير الحيواني ـ تصح الصلاة في جميعها ، وعليه فلا دلالة لها على شرطيّة المأكوليّة ، ويحتمل أن تكون تقييدا لذلك الغير وأنه لا بدّ في القبول من أن يصلّي في غيره ممّا يحلّ أكله ، وعليه فتفيد الشرطية ، ورجّح قدس‌سره الأوّل بقرينة ظهور صدر الكلام وسياقه في المانعية ، وهي قرينة داخليّة ، وبمعونة معهوديّة صحة الصلاة في غير الحيواني عند الراوي بحيث لا ينسبق إلى ذهنه إرادة اعتبار المأكولية من هذه الفقرة ، وهذه قرينة خارجية.

١٤٩

وإن أبيت مع جميع ذلك إلاّ عن استقرار ظهور هذا الذيل في شرطيّة المأكوليّة ، فأقصى ما يقتضيه ذلك ـ بعد ما أوضحناه من امتناع الجمع بين شرطيّة أحد الضدّين ومانعيّة الآخر ـ هو سقوط الموثّقة (١) عن صلاحيّة التمسّك بها من هذه الجهة ، لتنافي جزئيها ، وتعارض صدرها بذيلها من سوء تعبير ابن بكير ، ونحن في غنى عنها بعد قوّة دلالة غيرها من أدلّة الباب على المانعيّة ، فلقد قلّ أن يظفر في أدلّة الأحكام بأظهر منها ، خصوصا مع اشتمالها على التعليل (٢) المخرج لها عن قبول تأويلها بما ينطبق على الشرطيّة ، ويبقى القول بها (٣) بلا دليل عليه في حدّ نفسه ، فضلا عمّا يصلح معارضا لهذه الأدلة.

بقي هنا شي‌ء : وهو أن عنوان ( ما لا يؤكل ) لكونه مصدّرا بأداة النفي فقد تشبّث بعض القائلين بالشرطيّة بذلك ، وادّعى أنّه من العناوين العدميّة التي لا تصلح * للمانعيّة (٤) ، ولكونه عبارة أخرى‌

__________________

(١) حاصله أنه لو سلّم ظهور هذا الذيل في الشرطية فأقصى ما يقتضيه هو تعارض صدر الموثقة وذيلها الناشئ من سوء تعبير الراوي ، لما مرّ من امتناع الجمع بين شرطيّة شي‌ء ومانعيّة ضدّه ، فيتساقطان ، وتسقط الموثقة عن صلاحية إثبات المانعية ، لكنّا في غنى عنها بعد قوّة دلالة غيرها من الأخبار على المانعية.

(٢) وهو التعليل بمسوخيّة الأكثر ، والتعليل في السنجاب بأنه ليس ممّا نهى عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد مرّ ذكرهما في عداد أدلّة المانعيّة.

(٣) أي بالشرطية.

(٤) إذ المانع لا بدّ أن يكون أمرا وجوديّا.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( يصلح ) والصحيح ما أثبتناه.

١٥٠

عن انتفاء حليّة الأكل حقيقة (١) فيرجع التقييد بعدمه إلى قيديّة المأكوليّة ، لأنّ نفي عدم الشي‌ء عبارة أخرى عن إثبات وجوده.

وأنت خبير بما فيه من الغرابة :

أمّا أوّلا فلأن (٢) ( ما يؤكل ) و ( ما لا يؤكل ) عنوانان للمحلّلات الشرعيّة ومحرّماتها ، وينتزع أحدهما عن حليّة الشي‌ء ، والآخر عن حرمته ، والنفي المصدّر به (٣) عنوان ( ما لا يؤكل ) تعبير عمّا يقتضيه‌

__________________

(١) فإنّ عدم المأكولية ، معناه ـ في الحقيقة ـ عدم حلّية الأكل ، فإذا قيّد متعلق التكليف بعدم هذا العنوان العدمي انقلب وجوديا وهو المأكولية أو محلّلية الأكل ، لأن عدم العدم يساوق الوجود ، إذن فثبت شرطية المأكوليّة.

(٢) ردّ على ما زعمه القائل من أن عنوان ( ما لا يؤكل ) عنوان عدميّ لا يصلح للمانعية ، ومحصّل الردّ أن العنوان المذكور ليس منتزعا من عدم حليّة الأكل بل من حرمته ، فمرجعه ـ لدى التحليل ـ إلى عنوان ( محرّم الأكل ) ومنتزع من تحريم الشارع أكل الشي‌ء في قبال ( ما يؤكل ) الراجع ـ في الحقيقة ـ إلى عنوان ( محلّل الأكل ) لانتزاعه من تحليل الشارع إيّاه ، فهو وإن كان في نفسه عنوانا عدميا إلاّ أنه بمنشإ انتزاعه عنوان وجودي ، بل من أظهر مصاديقه ، والأمر المنتزع لا حقيقة له إلاّ بمنشإ انتزاعه.

(٣) يعني أنّ تصدير العنوان المذكور بأداة النفي ليس لأجل كونه عبارة أخرى عن انتفاء الحليّة ، بل هو من مصاديق تصدير الجملة الخبرية ـ المستعملة في مقام إنشاء النهي التحريمي ـ بها ، وقد ذكر في محلّه أنّ المناسبة المصحّحة لهذا الاستعمال هو اقتضاء تحريم الشي‌ء انتفاءه خارجا ، وأنّه لحرمته ومنع الشارع عنه كأنه منفيّ الوجود رأسا.

١٥١

النهي من انتفاء متعلّقه ، فهو باعتبار منشأ انتزاعه من أظهر العناوين الوجوديّة ، ودعوى كونه عدميّا راجعا إلى انتفاء حليّة الأكل ساقطة.

وأمّا ثانيا فلأنّ مأكوليّة المأكول وعدم مأكوليّة غيره لكونهما عنوانين لاحقين للحيوان ، ولا مساس لهما بالصلاة أصلا ، فلا يعقل تقييدها بشي‌ء منهما وجودا وعدما ، كي تنتزع شرطيّة أحدهما أو مانعيّة الآخر من ذلك ، وإنّما الإضافة التي تلحق الصلاة (١) ـ باعتبار الوقوع في أحدهما ونحو ذلك (٢) ـ هي الصالحة لأن تؤخذ قيدا وجوديّا أو عدميّا ، وتنتزع شرطيّة تلك الإضافة أو مانعيّتها عن التقيّد بها ، وظاهر أنّ وقوعها فيما لا يؤكل هو الذي‌

__________________

(١) محصّله أن مبنى مقالة القائل على أن تكون الصلاة مقيّدة بعدم عدم المأكوليّة ـ الراجع إلى المأكولية ـ ، وليس الأمر كذلك ، ضرورة أنّ المأكوليّة وعدمها عنوانان لاحقان للحيوان المتّصف بهذا تارة وبذاك اخرى ، ولا يعقل أن يلحقا الصلاة ، إذ لا معنى لتقييدها وتوصيفها بشي‌ء منهما وجودا ولا عدما بأن تتصف هي نفسها بالمأكولية أو عدمها أو عدم المأكوليّة ، كي تنتزع الشرطية أو المانعيّة من ذلك ، وإنما الذي يعقل تقيّدها به وجودا أو عدما هو الإضافة الخاصّة الحاصلة بين الصلاة وبين أحدهما كالظرفية المتحقّقة بوقوعها في أحدهما ، فينتزع من التقيّد بتلك الإضافة شرطيتها أو مانعيتها ، وروايات الباب ـ كما سمعت مفصّلا ـ ناطقة بتقيّدها بعدم الوقوع في غير المأكول لا بالوقوع في المأكول.

(٢) أي نحو الوقوع في أحدهما من سائر صور الإضافة المتصوّرة في المقام ، ككون المصلّي لابسا أو مصاحبا لأحدهما ، أو كون لباس المصلّي وغيره ممّا معه معمولا منه.

١٥٢

نطقت الأدلّة بمانعيّته وتقيّدها بعدمه ، وكونه (١) من العناوين الوجوديّة ـ الصالحة للمانعيّة ملاكا وخطابا ـ بمكان من البداهة ـ ولو فرض أنّ عنوان ( ما لا يؤكل ) (٢) بنفسه وبمنشإ انتزاعه من العناوين العدميّة المحضة.

وأمّا ما قرع سمعك (٣) من أنّ سلب عدم الشي‌ء عبارة أخرى عن إثبات وجوده ، فإنّما هو مع ورود السلب على نفس عدم ذلك الشي‌ء ـ كما في المعدولة السالبة مثل ( زيد ليس بلا قائم ) ونحو ذلك ـ ، إذ هو حينئذ نقيض نقيضه (٤) ، ونقيض نقيض الشي‌ء هو عينه ، وأين هذا عن وروده على عنوان آخر وجوديّ له تعلّق بعدم‌

__________________

(١) أي كون وقوعها فيما لا يؤكل.

(٢) المقصود أنّا ذكرنا أولا أنّ عنوان ما لا يؤكل وإن كان بنفسه عدميا ، إلاّ أنه بمنشإ انتزاعه وجوديّ ، ونقول هنا إنه لو لم سلّم كونه عدميّا حتى بمنشإ انتزاعه ، إلاّ أنّه ليس هو الذي قيّدت الصلاة بعدمه ليقال إنّ العنوان العدمي غير صالح للمانعيّة ، وإنما الذي قيّدت الصلاة بعدمه هو الوقوع فيه ، وهو أمر وجوديّ بالبداهة.

(٣) ردّ على ما ذكره القائل المتقدم من أنّ مرجع التقييد بعدم عدم المأكولية إلى التقييد بالمأكولية لأنّ سلب العدم يساوق الإيجاب ، وحاصل الردّ أنه إنّما يتمّ فيما إذا ورد السلب على نفس العدم ، وليس كذلك المقام ، فإنّ السلب فيه وارد على عنوان وجوديّ متعلق بذلك العدم ، وهو الوقوع في غير المأكول ـ كما عرفته آنفا.

(٤) الضمير البارز راجع إلى السلب ، يعني أن السلب الوارد على عدم الشي‌ء هو نقيض نقيضه.

١٥٣

ذلك الشي‌ء ـ كالمقام ونظائره ـ ، فهل يصغى إلى دعوى (١) أنّ النهي عن إكرام من ليس بعالم إيجاب لإكرامه؟ ، وهل يمكن أن يصرف عمدة أدلّة المانعيّة (٢) ـ حتّى النصّ المعلّل بالمسوخيّة ـ عن كونه كالنّص فيها ، ويجعل دليلا على شرطيّة المأكوليّة بأمثال هذه الأوهام؟.

هذا كلّه مضافا إلى أنّ قيام الإجماع القطعي (٣) ، بل الضرورة القاضية بصلاحيّة ما عدا غير المأكول والحرير والذهب (٤) للتستّر به ، ووقوع الصلاة فيه في عرض المأكول يهدم أساس الشرطيّة من أصله ، ولا ينطبق إلاّ على المانعيّة ـ ولو مع الغضّ عمّا تقدّم من الأدلة.

__________________

(١) فكما أنّ النهي عن إكرام غير العالم لا يساوق الأمر بإكرام العالم ، لأنّ السلب وارد على الإكرام المتعلّق بغير العالم لا على غير العالم نفسه ، كذلك النهي عن إيقاع الصلاة في غير المأكول لا يلازم الأمر بإيقاعها في المأكول.

(٢) أراد قدس‌سره بالعمدة الروايات التي أخذ فيها عنوان ما لا يؤكل لحمه ، ومنها الرواية المعلّلة بأن أكثرها مسوخ ـ التي هي كالنص في مانعيّة الخصوصيّة الوجوديّة حسبما مرّ.

(٣) دليل آخر على المانعيّة يضاف إلى ما تقدم من الأدلّة اللفظية ، محصّله أن مقتضى صحة الصلاة في غير الحيواني ـ إجماعا بل وضرورة ـ عدم شرطية المأكولية ، فيتعيّن مانعية غير المأكول.

(٤) كالمتّخذ من النبات مثل القطن والكتان ، أو من الموادّ النفطية وما يشبهها المتعارفة في هذه الأزمان ، والجامع ما ليس حيوانيا ولا ذهبا.

١٥٤

وقد يتكلّف في تطبيق الشرطيّة على ذلك (١) بجعل الإجماع والضرورة على ما ذكر دليلا على أحد الأمرين : إمّا على تخصيص الاشتراط بالمأكوليّة بما إذا كان اللباس من أجزاء الحيوان ـ كما سلكه غير واحد (٢) ـ ، أو على تعميم (٣) موضوع الشرط لجميع ما تجوز الصلاة فيه من قطن أو كتّان أو غيرهما ـ كما في مفتاح الكرامة (٤) ـ ، ومع أنّه تكلّف لا موجب له ، ولا محصّل لشي‌ء من الوجهين سوى عدم الوقوع في غير المأكول بتغيير في العبارة (٥) ،

__________________

(١) فيجمع بين الشرطية وبين الإجماع والضرورة المزبورين بأحد التصويرين.

(٢) يظهر ذلك من الجواهر حيث ادعى في ( ٨ : ٨١ ) ظهور قوله عليه‌السلام ( لا يقبل الله تلك الصلاة ـ إلخ ) في اشتراط المأكولية في الساتر إذا كان من حيوان.

(٣) فيكون الشرط وقوع الصلاة في أحد هذه الأمور : الحيوان المأكول أو القطن أو الكتّان أو نحوهما.

(٤) قال قدس‌سره فيه ( ٢ : ١٤٨ ـ ١٤٩ ) : « والحاصل أنّه لو صلى في جلد أو منسوج من صوف أو شعر أو ريش أو شي‌ء لم يعلم أنه من جنس ما يصلّى فيه. إلى أن قال : لم تكن مجزئة ، لإخلاله بالشرط عمدا ، وهو لبس النبات أو ما يحكم بذكاته شرعا من جلد ما يؤكل لحمه أو نحو الخزّ أو صوف ما يؤكل أو شعره أو ريشه أو نحو الخزّ » انتهى موضع الحاجة ، هذا لكن قد سبقه في ذلك ـ مطلبا وعبارة ـ الفاضل الأصبهاني قدس‌سره في كشفه ، ( راجع كشف اللثام ١ : ٢٧٢ ).

(٥) فإن اشتراط الوقوع في المأكول إن كان اللباس حيوانيا مرجعه في الحقيقة إلى اشتراط عدم الوقوع في غيره بقول مطلق ، كما أن اشتراط الوقوع في أحد الأمور المتقدّمة مما سوى غير المأكول أيضا راجع في الواقع إلى ما ذكر ، فكلّ من التصويرين تبعيد للمسافة وتكلف بلا جدوى ، لأوله إلى المانعية ـ كما ذكرنا.

١٥٥

فقد عرفت أنّ (١) مرجع ما قضت الضرورة به إلى عدم العبرة بخصوصيّة وجوديّة أخرى سوى التستّر وانتفاء تلك الأمور ، وأين هذا عمّا يصلح دليلا لذلك التخصيص أو التعميم؟ وهل هو إلاّ هادم * أساسه (٢) ، هذا.

مع ما في جعل الحيوانيّة شرطا لقيديّة المأكول من الرجوع إلى ترتّب الطلب بالفصل على وجود جنسه (٣) ، وحيث إنّ الجنس‌

__________________

(١) هذا هو العمدة في ردّ التكلّف المزبور ، محصله أن الضرورة الآنفة الذكر القاضية بصحة الصلاة في كلّ شي‌ء سوى غير المأكول والحرير والذهب مردّها في الحقيقة إلى أنه لا يعتبر فيما يرجع إلى لباس المصلّي ـ وراء التستّر ـ خصوصية وجودية أخرى ، وإنما المعتبر خصوصيّات عدميّة هي عدم الوقوع في غير المأكول والحرير والذهب ، ومعه كيف يصح جعل الضرورة دليلا على اعتبار خصوصيّة وجودية ـ على أحد التصويرين المتقدمين.

(٢) أي هل رجوع ما قضت به الضرورة إلى ما ذكر إلاّ هادم أساس ذلك التخصيص أو التعميم.

(٣) لأنّ مردّ ذلك إلى تعليق الأمر بالفصل على وجود الجنس ، وأنه إذا كان اللباس حيوانيا وجب كونه متفصّلا بأحد فصول الأنواع المأكولة ، والترتّب والتعليق لا يصح إلاّ مع تغاير وجودي المعلّق والمعلّق عليه ، ولا تغاير بين وجودي الجنس والفصل ، فإنّهما موجودان بوجود واحد هو وجود الماهية النوعية وإن انحلّت إليهما بالتحليل العقلي ، وإن شئت قلت : إنه إذا وجد الجنس فقد وجد ـ لا محالة ـ ضمن أحد فصوله ، فإن كان هو المأكول فطلبه تحصيل للحاصل ، وإن كان هو غير المأكول فطلب للمحال.

__________________

(*) الموجود في الطبعة الاولى ( هادما ) والصحيح ما أثبتناه.

١٥٦

ليس موجودا بوجود آخر مغاير لوجود فصله ، فلا يستقيم ذلك إلاّ بتكلّف آخر من إرجاع الشرط إلى التعقّب بوجوده (١) ، ونحو ذلك ممّا يرتفع به ذلك المحذور. ومع ذلك فعند انتفاء الحيوانيّة (٢) وإن‌

__________________

(١) فإنّه بفرض الشرط ـ الحيوانية ـ متأخرا ترتفع الطوليّة والترتّب الوجودي بينه وبين المأكولية ، وأمكن تقارنهما بل واتّحادهما في الوجود ، وإذ لا نقول بالشرط المتأخر فيلتزم بشرطية التعقّب به ، وهو مقارن ، ولا مانع من الالتزام بالشرط المقارن المذكور وإرجاع الشرط المتأخر إليه إن كان هناك ما يوجبه ويلجئ إليه ـ على تفصيل قرّر في محلّه ـ هذا ، ولا يخفى أنّ التكلّف المذكور فيه نوع خفاء.

(٢) هذا إشكال آخر على دعوى اختصاص شرطية المأكولية بما إذا كان اللباس حيوانيا ، حاصله أن مقتضى ذلك انتفاء شرطيتها لدى انتفاء الحيوانية بالضرورة ، لكنّه لا يمكن أن يثبت حينئذ الإطلاق المقابل للشرطية ـ مقابلة العدم والملكة ـ بأن يكون الحكم واردا على المقسم الشامل للمأكول وغيره ولا يقيّد بأحدهما ، وذلك لانتفاء المقسم المذكور حسب الفرض ، فينتفي بذلك موضوع الإطلاق الذي هو بعينه موضوع التقييد ، وبانتفائه ينتفي كلّ منهما ويتحقق الإهمال الثبوتي وهو ممتنع ، وكما يمتنع كلّ من الإطلاق والتقييد اللحاظيين كذلك يمتنع نتيجة الإطلاق ونتيجة التقييد بمعونة متمّم الجعل ، لما حقّقه قدس‌سره في الأصول من اختصاص ذلك بموارد الانقسامات الثانوية ـ لمتعلق التكليف أو موضوعه ـ المتأخّرة عن مرحلة جعل التكليف ، والمأكولية وعدمها ليست منها ، بل من الانقسامات الأوّلية التي لا بد أن يكون التكليف الواقعي بالإضافة إليها مطلقا أو مقيّدا ، ويستحيل الإهمال الثبوتي فيها بالنسبة إلى‌

١٥٧

كانت الشرطيّة منتفية ، ولكن لا بالإطلاق المقابل لها ، بل إنما ينتفي كلّ من الإطلاق والتقييد بانتفاء موضوعه ، وهذا أيضا محذور آخر لا مناص عن الالتزام به بناء على الشرطيّة وتقييد الاشتراط بالحيوانيّة.

وكيف كان فقد عرفت أنّ أصل القول بشرطيّة المأكوليّة لا يرجع إلى محصّل ـ فضلا عن تقييدها بالحيوانيّة. وأردأ منه تقييد المانعيّة بها ـ كما مال إليه بعض من عاصرناه قدس‌سره ـ بتوهّم أنّ ورود بعض أدلّة الباب في مورد السؤال عن الوبر ونحوه يقتضي ذلك (١) ،

__________________

الجاعل الملتفت ، وقد عرفت لزوم هذا المحال في المورد على المبنى المذكور. على أن نتيجة الإطلاق أو التقييد إنما يتوصل بها الجاعل إلى غرضه من إطلاق ملاك حكمه أو تقييده فيما امتنع لحاظ أيّ منهما في الجعل الأوّل ، وفي المقام يستحيل اختصاص الغرض بالمأكول أو عمومه لغيره في فرض انتفاء الحيوانية ـ كما هو واضح ـ ، فيتعيّن الإهمال الواقعي في متعلّق التكليف بالنسبة إلى المأكولية وعدمها ، وبما أنه أيضا محال فلا مناص من رفع اليد عن هذا التصوير والالتزام بالمانعية ، هذا.

وقد يجلو في الخاطر أنه عند انتفاء الحيوانيّة لا مناص من انتفاء كلّ من الإطلاق والتقييد بالنسبة إلى أقسامها ، والإهمال في هذا الحال ضروري ، وإنما المحال هو الإهمال بالنسبة إلى أقسام غير الحيوان من مثل القطن والكتان ونحوهما ، وإذ لا دليل على التقييد بأحدها فيثبت الإطلاق ، ونتيجة ذلك تعلّق الوجوب بالصلاة المقيّدة بالمأكول على تقدير كون اللباس حيوانيا ، وبالصلاة المطلقة على تقدير كونه غيره.

(١) بدعوى أنّ مرجعه إلى قولنا : إن كان ما تصلّي فيه وبرا ـ مثلا ـ فيعتبر أن لا يكون من غير المأكول.

١٥٨

وهو من وضوح الفساد بمكان (١) لا يهمّنا توضيحه.

الأمر الرابع : إنّه بعد ما اتضح أنّ مانعيّة غير المأكول هي التي نطقت به أدلّة الباب ، فلا يخفى أنّ مقتضى إطلاق تلك الأدلّة وانتفاء ما يوجب اختصاصها (٢) بصورة العلم بموضوعها هو كونها واقعيّة مترتّبة في نفس الأمر على موضوعها النفس الأمريّ ، لا علميّة متوقفة على العلم به (٣) ـ كما ادّعاه غير واحد من الأساطين (٤) ـ ، وفرّعوا جوازها في المشتبه على ذلك (٥).

__________________

(١) فإنّه ـ مضافا إلى ورود المحذورين الأخيرين عليه ـ مخدوش ثبوتا : بلغوية إناطة مانعية غير المأكول بالحيوانية ، ضرورة أن الحيوانية بمنزلة الجنس لغير المأكول فلا تحقّق ولا تحصّل له بدونها ، فموضوع المانعية لا محالة هو الحيوان غير المأكول ، ومقتضى إناطة الحكم بتحقق موضوعه إناطة المانعية بتحقق الحيوان المذكور ، لا إناطة مانعية غير المأكول بتحقّق الحيوانية ، وإثباتا : بأنّ وقوع السؤال في بعض النصوص عن الوبر ونحوه من الأجزاء الحيوانية ليس فيه أيّ إشعار ـ فضلا عن الدلالة ـ بكون المانعيّة المبيّنة في الجواب مقيّدة بذلك ، نعم موضوع المانعية هو وبر غير المأكول ، لكن أين هذا من تقييد مانعية غير المأكول بالربويّة.

(٢) أي اختصاص المانعية.

(٣) أي بموضوعها ، ليكون المانع هو المعلوم كونه غير مأكول.

(٤) أوّلهم ـ ظاهرا ـ السيّد في المدارك ، لقوله المتقدم نقله في أول الرسالة : ( والنهي إنما تعلق بالصلاة في غير المأكول فلا يثبت إلاّ مع العلم بكون الساتر كذلك ).

(٥) أي على كون المانعية علميّة ، فحكموا بالجواز الواقعي في المشتبه‌

١٥٩

وقد بناه بعضهم (١) على دعوى كون الألفاظ موضوعة للمعاني المعلومة أو منصرفة إليها (٢) ، لكن لم يظهر ممّن ادّعاه أنّ المدار على علم المتكلّم أو المخاطب (٣) ، وبأيّ عناية يمكنه أن يعتبر فيه علم الثالث الذي يلزمه العمل بمراد المتكلم (٤). وكيف كان فهذه الدعوى ممّا لا يليق بأن يلتفت إليها أصلا (٥).

وكذا دعوى قصور (٦) الأدلّة ـ بعدم ورودها في مقام البيان ـ

__________________

لانتفاء موضوع المانعية واقعا ، ومقتضاه أن لا يؤثّر فيه انكشاف عدم المأكولية إلاّ التبدّل من حينه ـ كما مرّ في أوائل الكتاب.

(١) أي بنى كون المانعيّة علميّة على الدعوى المذكورة ، ويظهر ذلك من الوحيد قدس‌سره في تعليقته على المدارك (٢٤٣) ، إذ صرّح بأن اللفظ اسم لما هو في نفس الأمر حرام من غير تقييد بالعلم وعدمه ، كما وترشيد إليه عبارة الغنائم الآتية.

(٢) فيكون معنى ما لا يؤكل لحمه ـ وضعا أو انصرافا ـ ( ما علم أنّه لا يؤكل لحمه ) ، فتصبح المانعيّة علميّة لا واقعيّة.

(٣) بل أو التفصيل بينهما فيكون المدار على علم المتكلم في الجمل الخبرية ، وعلى علم المخاطب المكلّف بالعمل في الجمل الطلبية.

(٤) كما هو الشأن في الأحكام الشرعية المجعولة على نحو القضايا الحقيقية ، فإنها واجبة العمل على كلّ مكلف وإن لم يكن مخاطبا ، وهذا كلّه شاهد على ضعف الدعوى في نفسها.

(٥) إذ هي دعوى لا بيّنة عليها ولا برهان من عقل أو نقل أو لغة أو عرف ، ومعذورية الجاهل بالحكم أو بموضوعه أمر آخر لا ربط له بمعاني الألفاظ وظواهرها ، ومقتضى

القاعدة وضعها لذوات المعاني بما هي.

(٦) يعني أن هذه الدعوى ـ كسابقتها ـ لا تليق بالالتفات ، ومحصّلها إنكار ثبوت الإطلاق لأدلة الباب لتشمل صورة الجهل.

١٦٠