أمّا أدلّة البراءة العقليّة وهي قبح العقاب بلا بيان فلا ريب في عدم شمولها للمقام وأشباهه ، إذ المفروض تماميّة البيان من قبل المولى وانطباقه على صغراه لكن اشتبه المصداق الخارجي مع إمكان تركهما معا ، فلو ارتكب أحدهما فصادف كونه النجس مثلا كان مستحقّا للعقاب قطعا.
وأمّا أدلّة البراءة الشرعيّة مثل حديث الرفع فجريانه في خصوص أحد الأطراف بعينه مع عدم خصوصيّة له ترجيح من غير مرجّح ، وجريانه في أحدهما لا بعينه ممتنع للاستغناء عنه ، إذ لو كان الإناءان أحدهما نجس والآخر طاهر فجريان أصالة الطهارة في أحدهما لا بعينه لا يجدي شيئا ، للعلم به من أوّل الأمر قبل جريان الأصل ، وفيما لو علم نجاسة أحد الإناءين واحتمل أيضا نجاسة الثاني فجريان أصل الطهارة فيه أيضا لا يجدي من الناحية المقصودة ، إذ حينئذ يكون كما لو علم نجاسة أحدهما ، وطهارة الآخر لا يجدي بالنسبة إلى ارتكابه لعدم تشخّصه فافهم. مضافا إلى أنّ أدلّة الاصول إنّما تجري في الفرد المشكوك وأحدهما لا بعينه ليس فردا من الأفراد المشكوكة حتّى يجري فيه حديث الرفع أو غيره. والظاهر أنّ هذا هو مراد الشيخ الأنصاري بقوله ما مضمونه : وأحدهما ليس فردا في قبالهما حتّى يجري فيه الأصل (١).
فتلخّص أنّ جريان الأصل في كليهما غير ممكن ثبوتا عقلا لقبح الترخيص في المعصية القطعيّة ، وفي أحدهما بخصوصه غير ممكن إثباتا لقبح الترجيح من غير مرجّح ، وفي أحدهما المفهومي غير ممكن إثباتا أيضا ؛ لأنّه ليس فردا في قبالهما حتّى تجري فيه الاصول.
بقي هنا شيء آخر يحتمل في المقام ، وهو أن يجري الأصل في أحدهما تخييرا ، وهو يتصوّر بثلاث صور :
__________________
(١) انظر فرائد الاصول ٢ : ٢٠٤.
![غاية المأمول من علم الأصول [ ج ٢ ] غاية المأمول من علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4437_ghayat-almamul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
