أحدها : أن يكون التخيير شرعيّا كالتخيير بين الخبرين المتعارضين عند فقد المرجّحات ، ولا يلزم من استعمال أدلّة الاصول في التعيين والتخيير استعمال في معنيين ، إذ دليل الأصل يتبع موضوعه وهذا مفقود بالوجدان لعدم التخيير الشرعي في أدلّة الاصول.
الثاني : أن يكون التخيير عقليّا كالتخيير بين المتزاحمين كالغريقين في آن واحد فالعقل يخيّر مع فرض عدم المرجّح ، وهذا أيضا مفقود في المقام ؛ لأنّ حكم العقل بالتخيير هناك لعدم القدرة على إتيان كلا المتعلّقين وكلّ وجوب لا بدّ معه من قدرة ، ففقد القدرة كاشف عن فقد الوجوب عن أحدهما ، بخلافه في المقام لإمكان تركهما معا ، فلا معنى للتخيير العقلي في جريان الأصل لإمكان أن لا يجريان معا أصلا.
الثالث : حكم العقلاء بالتخيير في جريان الأصل بالنسبة إلى كلّ منهما عند ترك الآخر ، بتقريب أنّ جريانهما معا في المقام مستحيل للمانع الثبوتي ، فيدور الأمر بين سقوط كلّ منهما أو سقوط إطلاق كلّ منهما بأن نقيّده في صورة ترك الآخر ، وبهذا يرتفع المحذور ، والضرورات تقدّر بقدرها فلا يسقط إلّا إطلاقهما ، نظير ما إذا ورد «أكرم العلماء» الموجب لانحلال التكليف إلى تكاليف متعدّدة بتعدّد العلماء الموجب للمثوبات المتعدّدة على إكرامهم والعقوبات المتعدّدة على ترك إكرامهم ، والثواب على إكرام بعض والعقاب على ترك إكرام البعض الآخر عند التبعيض ، وظاهر هذا الوجوب هو الوجوب التعييني.
فلو ورد خبر يدلّ على عدم وجوب إكرام زيد العالم وعمرو العالم معا فيدور الأمر بين ارتفاع الوجوب عن هذين الفردين فيكون تخصيصا وبين ارتفاع ظهورهما في الإطلاق بأن نقيّد وجوب كلّ منهما بترك الآخر ، وهذا أولى لارتفاع المحذور به والضرورة تقدّر بقدرها.
ونظير ذلك ما لو دار أمر المكلّف بين الصلاة قائما بلا ركوع أو جالسا بالركوع فقد حكم الفقهاء في مثلها بالتخيير ، لكون أدلّة القيام والركوع لا يمكن جريانهما
![غاية المأمول من علم الأصول [ ج ٢ ] غاية المأمول من علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4437_ghayat-almamul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
