قال :
ولقوله تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) (١) تمدّح بعدمها (٢) فتمتنع.
أقول :
لمّا فرغ من الأدلّة العقليّة شرع في الأدلّة النقليّة وهي ثلاثة :
الأوّل : قوله تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) (٣) و (٤) وجه الاستدلال فيه (٥) أنّه نفى الإدراك المقرون بالبصر ، وهو معنى الرؤية ، وإلّا لجاز إثبات الرؤية مع عدمه ، وهو باطل بالضرورة ، فيستحيل ثبوته في حقّه لأنّه جعل ذلك النفي مدحا له ، ضرورة توسّطه بين مدحين ، ويمتنع من الحكيم أن يأتي بكلام ليس فيه مدح متوسّط بين مدحين ، وإذا تمدّح بنفي الرؤية كان إثباتها نقصا فيمتنع تحقّقه في حقّ الله (٦) تعالى.
لا يقال : التمدّح إنّما يكون لو كان الله تعالى يمكن رؤيته ثمّ يحجب الأبصار عن رؤيته ، أمّا إذا كان ممتنع الرؤية استحال أن يتمدّح بنفيها وإلّا لجاز أن يمدح المعدوم بكونه غير مريء.
لأنّا نقول : هذا أبلغ ما يكون من التمدّح ، فإنّ الموجود يصحّ رؤيته وإدراكه ، والله تعالى موجود لا يصحّ رؤيته ويمتنع لكونه في نهاية الكمال وغاية الجلال ،
__________________
(١) الأنعام : ١٠٣.
(٢) في «ف» : (بها).
(٣) الأنعام : ١٠٣.
(٤) الواو سقطت من «أ» «ب» «ج».
(٥) في «ب» «ف» : (منه).
(٦) في «ف» : (حقّه) بدل من : (حقّ الله).
