ومن ذلك الأذان والإقامة في العيدين ، فقد نقل ابن عبد البر اتفاق الفقهاء على أن لا أذان ولا إقامة فيهما ، ولا في شيء من الصلوات المسنونات والنوافل ، وإنما الأذان للمكتوبات ، وعلى هذا مضى عمل الخلفاء : أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ، وجماعة الصحابة رضي الله عنهم ، وعلماء التابعين ، وفقهاء الأمصار ، وأول من أحدث الأذان والإقامة في العيدين ـ فيما ذكر ابن حبيب ـ هشام بن عبد الملك أراد أن يؤذن الناس بالأذان بمجيء الإمام ، ثم بدأ بالخطبة قبل الصلاة كما بدأ بها مروان ، ثم أمر بالإقامة بعد فراغه من الخطبة ليؤذن الناس بفراغه من الخطبة ودخوله في الصلاة لبعدهم عنه. قال : ولم يرد مروان وهشام إلّا الاجتهاد فيما رأيا ، إلا أنه لا يجوز اجتهاد في خلاف رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : وقد حدثني ابن الماجشون أنه سمع مالكا يقول : من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها ، فقد زعم أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم خان الرسالة ، لأن الله يقول : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (١) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا.
وقد روي أن الذي أحدث الأذان معاوية ، وقيل : زياد ، وأن ابن الزبير فعله آخر إمارته ، والناس على خلاف هذا النقل.
ولقائل أن يقول : إن الأذان هنا نظير أذان الزوراء لعثمان رضي الله عنه ، فما تقدم فيه من التوجيه الاجتهادي جار هنا ، ولا يكون بسبب ذلك مخالفا للسنّة ، لأن قصة هشام نازلة لا عهد بها فيما تقدم ، لأن الأذان إعلام بمجيء الإمام لخفاء مجيئه عن الناس لبعدهم عنه ، ثم الإقامة للإعلام بالصلاة ، إذ لولاها لم يعرفوا دخوله في الصلاة ، فصار ذلك أمرا لا بدّ منه كأذان الزوراء.
والجواب : أن مجيء الإمام لم يشرع فيه الأذان وإن خفي على بعض الناس لبعده بكثرة الناس ، فكذلك لا يشرع فيما بعد ، لأن العلة كانت موجودة ثم لم تشرع ، إذ لا يصح أن تكون العلة غير مؤثرة في زمان النبي صلىاللهعليهوسلم والخلفاء بعده ثم تصير مؤثرة ، وأيضا فإحداث الأذان والإقامة انبنى على إحداث تقديم الخطبة على الصلاة ، وما انبنى على المحدث
__________________
(١) سورة : المائدة ، الآية : ٣.
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)