محدث ، ولأنه لما لم يشرع في النوافل أذان ولا إقامة على حال فهمنا من الشرع التفرقة بين النفل والفرض لئلا تكون النوافل كالفرائض في الدعاء إليها ، فكان إحداث الدعاء إلى النوافل لم يصادف محلا ، وبهذه الأوجه الثلاثة يحصل الفرق بين أذان الزوراء وبين ما نحن فيه ، فلا يصح أن يقاس أحدهما على الآخر ، والأمثلة في هذا المعنى كثيرة.
ومن نوادرها التي لا ينبغي أن تغفل ما جرى به عمل جملة ممن ينتمي إلى طريقة الصوفية في تربصهم ببعض العبادات أوقاتا مخصوصة غير ما وقته الشرع فيها ، فيضعون نوعا من العبادات المشروعة في زمن الربيع ، ونوعا آخر في زمن الصيف ، ونوعا آخر في زمن الخريف ، ونوعا آخر في زمن الشتاء.
وربما وضعوا الأنواع من العبادات لباسا مخصوصا ، وأشباه ذلك من الأوضاع الفلسفية يضعونها شرعية ، أي متقربا بها إلى الحضرة الإلهية في زعمهم ، وربما وضعوها على مقاصد غير شرعية ، كأهل التصريف بالأذكار والدعوات ليستجلبوا بها الدنيا من المال والجاه والحظوة ورفعة المنزلة ، بل ليقتلوا بها إن شاءوا أو يمرضوا ، أو يتصرفوا وفق أغراضهم ، فهذه كلها بدع محدثات بعضها أشد من بعض ، لبعد هذه الأغراض عن مقاصد الشريعة الإسلامية الموضوعة مبرأة عن مقاصد المتخرصين (١) ، مطهرة لمن تمسك بها عن أوضار اتباع الهوى ، إذ كل متدين بها عارف بمقاصدها ، ينزهها عن أمثال هذه المقاصد الواهية ، فالاستدلال على بطلان دعاويهم فيها من باب شغل الزمان بغير ما هو أولى ، وقد تقرر ـ بحول الله ـ في أصل المقاصد من كتاب (الموافقات) (٢) ما يؤخذ منه حكم هذا النمط والبرهان على بطلانه ، لكن على وجه كلي مفيد وبالله التوفيق.
وهذا كله إن فرضنا أصل العبادة مشروعا ، فإن كان أصلها غير مشروع فهي بدعة حقيقية مركبة كالأذكار والأدعية بزعم العلماء أنها مبنية على علم الحروف ، وهو الذي اعتنى به البوني وغيره ممن حذا حذوه أو قاربه ، فإن ذلك العلم فلسفة ألطف من فلسفة معلمهم الأول وهو أرسطاطاليس ، فردوها إلى أوضاع الحروف ، وجعلوها هي الحاكمة في العالم ، وربما أشاروا عند العمل بمقتضى تلك الأذكار وما قصد بها إلى تحري الأوقات والأحوال
__________________
(١) تخرّص : تكذّب بالباطل.
(٢) الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي.
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)