إلى النسل المطلوب في الملة ، فكأن محرّم ما يحصل به الانتشار ساع في التشبه بالرهبانية ، وكان ذلك منتفيا عن الإسلام كسائر ما ذكر في الآية.
والمسألة الثالثة : أن هذه الآية يشكل معناها مع قوله تعالى : (كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ) (١) الآية ، فإن الله أخبر عن نبي من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام أنه حرم على نفسه حلالا ، ففيه دليل لجواز مثله.
والجواب : أنه لا دليل في الآية ، لأن ما تقدم يقرر أن لا تحريم في الإسلام ، فيبقى ما كان شرعا لغيرنا منفيا عن شرعنا كما تقرر في الأصول.
خرّج القاضي إسماعيل وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إسرائيل النبي يعقوب عليهالسلام أخذه عرق النسا ، فكان يبيت وعليه زقاء ، فجعل عليه إن شفاه الله ليحرّمنّ عليه العروق ، وذلك قبل نزول التوراة.
قالوا : فلذلك نسل اليهود لا يأكلونها ، وفي رواية : جعل على نفسه أن لا يأكل لحوم الإبل ـ قال ـ فحرمته اليهود.
وعن الكلبي أن يعقوب عليهالسلام قال : إن الله شفاني لأحرّمنّ أطيب الطعام والشراب ـ أو قال : ـ أحب الطعام أو الشراب إليّ ، فحرم لحوم الإبل وألبانها.
قال القاضي : الذي نحسب ـ والله أعلم ـ أن إسرائيل حين حرّم على نفسه من الحلال ما حرم لم يكن في ذلك الوقت منهيا عن ذلك ، وأنهم كانوا إذا حرموا على أنفسهم شيئا من الحلال لم يجز لهم أن يفعلوه حتى نزلت كفارة اليمين ، قال الله تعالى : (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) (٢) والحالف إذا حلف على شيء ولم يقل إن شاء الله كان بالخيار ، إن شاء فعل وكفّر ، وإن شاء لم يفعل. قال : وهذه الأشياء وما أشبهها من الشرائع يكون فيها الناسخ
__________________
(١) سورة : آل عمران ، الآية : ٩٣.
(٢) سورة : التحريم ، الآية : ٢.
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)