والخامس : إن عامة الناس لا علم لهم باللسان العربي ، فربما لحن فيكون اللحن سبب عدم الإجابة ، وحكي عن الأصمعي في ذلك حكاية شعرية لا فقهية ، وهذا الاجتماع إلى اللعب أقرب منه إلى الجد ، وأقرب ما فيه أن أحدا من العلماء لا يشترط في الدعاء أن لا يلحن كما يشترط الإخلاص وصدق التوجيه وعزم المسألة ، وغير ذلك من الشروط ، وتعلم اللسان العربي لإصلاح الألفاظ في الدعاء ، وإن كان الإمام أعرف به هو كسائر ما يحتاج إليه الإنسان من أمر دينه ، فإن كان الدعاء مستحبّا فالقراءة واجبة ، والفقه في الصلاة كذلك ، فإن كان تعليم الدعاء إثر الصلاة مطلوبا ، فتعليم فقه الصلاة آكد ، فكان من حقه أن يجعل ذلك من وظائف آثار الصلاة.
فإن قيل بموجبه في المحرف المتعارف ، فهذه القاعدة تجتث أصله ، لأن السلف الصالح كانوا أحق بالسبق إلى فضله لجميع ما ذكر فيه من الفوائد ، ولذلك قال مالك فيها : أترى الناس اليوم كانوا أرغب في الخير ممن مضى؟ وهو إشارة إلى الأصل المذكور ، وهو أن المعنى المتقضى للإحداث ـ وهو الرغبة في الخير ـ كان أتم في السلف الصالح وهو لم يفعلوه ، فدل على أنه لا يفعل.
وأما ما ذكر من آداب الدعاء فكله لا يتعين له إثر الصلاة. بدليل أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم علم منها جملة كافية ولم يعلم منها شيئا إثر الصلاة ، ولا تركهم دون تعليم ليأخذوا ذلك منه في آخر الصلاة ، أو ليستغنوا بدعائه عن تعليم ذلك ، ومع أن الحاضرين للدعاء لا يحصل لهم في الإمام في ذلك كبير شيء ، وإن حصل فلمن كان قريبا منه دون من بعد.
فصل
ثم استدل المستنصر بالقياس فقال : وإن صح أن السلف لم يعملوا به فقد عمل السلف بما لم يعمل به من قبلهم مما هو خير ـ ثم قال بعد ـ قد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : «تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور» فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما أحدثوا من الفتور.
وهذا الاستدلال غير جار على الأصول :
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)