وكذلك فعل كل واحدة من تلك الفرق تستمسك ببعض تلك الأدلة وترد ما سواها إليها ، أو تهمل اعتبارها بالترجيح ، إن كان الموضع من الظنيات التي يسوغ فيها الترجيح ، أو تدعي أن أصلها الذي ترجع إليه قطعي والمعارض له ظنّي فلا يتعارضان.
وإنما كانت طريقة الصحابة ظاهرة في الأزمنة المتقدمة ، أما وقد استقرت مآخذ الخلاف فمحال ، وهذا الموضع مما يتضمنه قول الله تعالى : (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) (١).
فتأملوا ـ رحمكم الله ـ كيف صار الاتفاق محالا في العادة ليصدّق العقل بصحة ما أخبر الله به.
والحاصل : أن تعيين الفرقة الناجية في مثل زماننا صعب ، ومع ذلك فلا بدّ من النظر فيه ، وهو نكتة هذا الكتاب ، فليقع به فضل اعتناء بحسب ما هيأه الله ، وبالله التوفيق.
ولما كان ذلك يقتضي كلاما كثيرا أرجأنا القول فيه إلى باب آخر ، وذكره فيه على حدته إذ ليس هذا موضع ذكره ، والله المستعان.
المسألة الخامسة عشرة :
أنه قال عليه الصلاة والسلام : «كلّها في النار إلا واحدة» (٢) وختم ذلك. وقد تقدم أنه لا يعد من الفرق إلا المخالف في أمر كلي وقاعدة عامة ، ولم ينتظم الحديث ـ على الخصوص ـ إلا أهل البدع المخالفين للقواعد ، وأما من ابتدع في الدين لكنه لم يبتدع ما ينقض أمرا كليّا ، أو يخرم أصلا من الشرع عامّا ، فلا دخول له في النص المذكور ، فينظر في حكمه ، هل يلحق بمن ذكر أو لا؟
والذي يظهر في المسألة أحد أمرين : إما أن نقول : إن الحديث لم يتعرض لتلك الواسطة بلفظ ولا معنى ، إلا أن ذلك يؤخذ من عموم الأدلة المتقدمة ، كقوله : «كل بدعة
__________________
(١) سورة : هود ، الآيتان : ١١٨ ـ ١١٩.
(٢) تقدم تخريجه ص : ٣٤٩ ، الحاشية : ١.
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)