كان الأول فلا بد أن يكون على خلاف ما ظهر لبادي الرأي ـ كما تقدم ـ إن كان الثاني فلا حجة فيه ، وإنما الحجة في المقتدين برسول الله صلىاللهعليهوسلم. فهذه خمسة في التشديد في سلوك طريق الآخرة يقاس عليها ما سواها.
فصل
قد يكون أصل العمل مشروعا ولكنه يصير جاريا مجرى البدعة من باب الذرائع ، ولكن على غير الوجه الذي فرغنا من ذكره. وبيانه أن العمل يكون مندوبا إليه ـ مثلا ـ فيعمل به العامل في خاصة نفسه على وضعه الأول من الندبية فلو اقتصر العامل على هذا المقدار لم يكن به بأس ، ويجري مجراه إذا دام عليه في خاصيته غير مظهر له دائما ، بل إذا أظهره لم يظهره على حكم الملتزمات من السنن الرواتب والفرائض اللوازم ، فهذا صحيح لا إشكال فيه ، وأصله ندب رسول الله صلىاللهعليهوسلم لإخفاء النوافل والعمل بها في البيوت ، وقوله : «أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة» (١) فاقتصر في الإظهار على المكتوبات ـ كما ترى ـ وإن كان ذلك في مسجده عليهالسلام أو في المسجد الحرام أو في مسجد بيت المقدس ، حتى قالوا : إن النافلة في البيت أفضل منها في أحد هذه المساجد الثلاثة بما اقتضاه ظاهر الحديث ، وجرى مجرى الفرائض في الإظهار السنن كالعيدين والخسوف والاستسقاء وشبه ذلك ، فبقي ما سوى ذلك حكمه الإخفاء ، ومن هنا ثابر السلف الصالح رضي الله عنهم على إخفاء الأعمال فيما استطاعوا أو خف عليهم الاقتداء بالحديث وبفعله عليه الصلاة والسلام ، لأنه القدوة والأسوة.
ومع ذلك فلم يثبت فيها إذا عمل بها في البيوت دائما أن يقام جماعة في المساجد البتة ، ما عدا رمضان ـ حسبما تقدم ـ ولا في البيوت دائما ، وإن وقع ذلك في الزمان الأول في الفرط كقيام ابن عباس رضي الله عنهما مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم عند ما بات عند خالته ميمونة ، وما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام : «قوموا فلأصلّ لكم».
__________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب : الصلاة ، باب : صلاة الرجل التطوع في بيته (الحديث : ١٠٤٤). وأخرجه الترمذي في كتاب : الصلاة ، باب : ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت (الحديث : ٤٥٠). وأخرجه مالك في الموطأ وقوفا في كتاب : صلاة الجماعة ، باب : فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ (الحديث : ١ / ١٣٠).
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)