عليه ، فاستمر الأمر على ذلك إلى زمان هشام ، فنقل الأذان الذي كان بالزوراء إلى المشرفة ونقل الأذان الذي بالمشرفة بين يديه ، وأمرهم أن يؤذنوا صفا ، وتلاه على ذلك من بعده من الخلفاء إلى زماننا هذا. قال ابن رشد : وهو بدعة ، قال : والذي فعله رسول الله صلىاللهعليهوسلم والخلفاء الراشدون بعده هو السنة.
وذكر ابن حبيب ما كان فعله عليهالسلام وفعل الخلفاء بعده كما ذكر ابن رشد وكأنه نقله من كتابه ، وذكر قصة هشام ، ثم قال : والذي كان فعل رسول الله صلىاللهعليهوسلم هي السنّة. وقد حدثني أسد بن موسى ، عن يحيى بن سليم ، عن جعفر بن محمد بن جابر بن عبيد الله أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال في خطبته : «أفضل الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة» (١).
وما قاله ابن حبيب من أن الأذان عند صعود الإمام على المنبر كان باقيا في زمان عثمان رضي الله عنه موافق لما نقله أرباب النقل الصحيح ، وأن عثمان لم يزد على ما كان قبله إلا الأذان على الزوراء ، فصار إذا نقل هشام الأذان المشروع في المنار إلى ما بين يديه بدعة في ذلك المشروع.
فإن قيل : فكذلك أذان الزوراء محدث أيضا ، بل هو محدث من أصله غير منقول من موضعه ، فالذي يقال هنا يقال مثله في أذان هشام ، بل هو أخف منه.
فالجواب : أن أذان الزوراء وضع هنالك على أصله من الإعلام بوقت الصلاة وجعله بذلك الموضع لأنه لم يكن ليسمع إذا وضع بالمسجد كما كان في زمان من قبله ، فصارت كائنة أخرى لم تكن فيما تقدم ، فاجتهد لها كسائر مسائل الاجتهاد ، وحين كان مقصود الأذان الإعلام فهو باق كما كان ، فليس وضعه هنالك بمناف ، إذ لم تخترع فيه أقاويل محدثة ؛ ولا ثبت أن الأذان بالمنار أو في سطح المسجد تعبد غير معقول المعنى ، فهو الملائم من أقسام المناسب ، بخلاف نقله من المنار إلى ما بين يدي الإمام ، فإنه قد أخرج بذلك أولا عن أصله من الإعلام ، إذ لم يشرع لأهل المسجد إعلام بالصلاة إلا بالإقامة ، وأذان جمع الصلاتين موقوف على محله ، ثم أذانهم على صوت واحد زيادة في الكيفية.
__________________
(١) أخرج نحوه النسائي في كتاب : السهو ، باب : نوع آخر من الذكر بعد التشهد (الحديث : ٣ / ٥٨).
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)