ذلك من أحكامها ، فهذا النظر ليس ببدعة ، كما أنه ليس ببدعة النظر في المعجزات وشروطها ، والفرق بين النبي والمتنبي ، وهو من علم الأصول فحكمه حكمه.
والضرب الثالث : ما يرجع إلى النظر في مدركات النفوس من العالم الغائب ، وأحكام التجريد النفسي ، والعلوم المتعلقة بعالم الأرواح ، وذوات الملائكة والشياطين والنفوس الإنسانية والحيوانية ، وما أشبه ذلك ، وهو بلا شك بدعة مذمومة إن وقع النظر فيه ، والكلام عليه بقصد جعله علما ينظر فيه ، وفنّا يشتغل بتحصيله بتعليم أو رياضة ، فإنه لم يعهد مثله في السلف الصالح ، وهو في الحقيقة نظر فلسفي إنما يشتغل باستجلابه والرياضة لاستفادته أهل الفلسفة ، الخارجون عن السنّة ، المعدودون في الفرق الضالة ، فلا يكون الكلام فيه مباحا فضلا عن أن يكون مندوبا إليه.
نعم قد يعرض للسالك فيتكلم فيه مع المربي حتى يخرجه عن طريقه ، ويبعد بينه وبين فريقه ، لما فيه من إمالة مقصد السالك إلى أن يعبد الله على حرف ، زيادة إلى الخروج عن الطريق المستقيم بتتبعه والالتفات إليه ، إذ الطريق مبني على الإخلاص التام بالتوجه الصادق ، وتجريد التوحيد عن الالتفات إلى الأغيار ، وفتح باب الكلام في هذا الضرب مضاد لذلك كله.
والضرب الرابع : يرجع إلى النظر في حقيقة الفناء من حيث الدخول فيه ، والاتصاف بأوصافه ، وقطع أطماع النفس عن كل جهة توصل إلى غير المطلوب ، وإن دقت ، فإن أهواء النفوس تدق وتسري مع السالك في المقامات ، فلا يقطعها إلا من حسم مادتها وبتّ طلاقها ، وهو باب الفناء المذكور.
وهذا نوع من أنواع الفقه المتعلق بأهواء النفوس ، ولا يعد ممن البدع لدخوله تحت جنس الفقه ، لأنه وإن دق راجع إلى ما جل من الفقه ، ودقته وجلّته إضافيان والحقيقة واحدة.
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)