وأما بالمعنى الثاني فهو على أضرب :
أحدها : يرجع إلى العوارض الطارئة على السالكين ، إذا دخل عليهم نور التوحيد الوجداني ، فيتكلم فيها بحسب الوقت والحال ، وما يحتاج إليه في النازلة الخاصة رجوعا إلى الشيخ المربي ، وما بين له في تحقيق مناطها بفراسته الصادقة في السالك بحسبه وبحسب العارض ، فيداويه بما يليق به من الوظائف الشرعية والأذكار الشرعية ، أو بإصلاح مقصده إن عرض فيه العارض ، فقلما يطرأ العامل بل العارض إلا عند الإخلال ببعض الأصول الشرعية التي بنى عليها في بدايته ، فقد قالوا : إنما حرموا الوصول ، بتضييعهم الأصول.
فمثل هذا لا بدعة فيه لرجوعه إلى أصل شرعي : ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم جاءه ناس من أصحابه رضي الله عنهم فقالوا : يا رسول الله ، إنا نجد في أنفسنا الشيء يعظم أن نتكلم به ـ أو الكلام به ـ ما نحب أن لنا وأنا تكلمنا به ، قال : «أوقد وجدتموه؟» قالوا : نعم ، قال : «ذلك صريح في الإيمان» (١).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله ، إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به ، قال : «الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة» (٢).
وفي حديث آخر : «من وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله».
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في مثله : إذا وجدت شيئا من ذلك فقل : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٣) ، إلى أشباه ذلك ، وهو صحيح مليح.
والثاني : يرجع إلى النظر في الكرامات ، وخوارق العادات ، وما يتعلق بها مما هو خارق في الحقيقة أو غير خارق ، وما هو منها يرجع إلى أمر نفسي أو شيطاني ، أو ما أشبه
__________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب : الإيمان ، باب : بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها (الحديث : ١٣٢). وأخرجه أبو داود في كتاب : الأدب ، باب : الوسوسة (الحديث : ٥١١١).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب : الأدب (الحديث : ٥١١٢). وأخرجه أحمد في المسند (الحديث : ٢٠٩٧).
(٣) سورة : الحديد ، الآية : ٣.
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)