يأوي إليها ، فصار الضيف مضطرّا وإن كان ذا مال فوجب على أهل الموضع ضيافته وإيواؤه حتى يرتحل ، فإن كان لا مال له فذلك أحرى ، فكذلك أهل الصّفّة لما لم يجدوا منزلا آواهم النبي صلىاللهعليهوسلم إلى المسجد حتى يجدوا ، كما أنهم حين لم يجدوا ما يقوتهم ندب النبي صلىاللهعليهوسلم إلى إعانتهم.
وفيهم نزل قول الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) إلى قوله : (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) (١) الآية. فوصفهم الله تعالى بأوصاف منها أنهم أحصروا في سبيل الله ، أي منعوا وحبسوا حين قصدوا الجهاد مع نبيه صلىاللهعليهوسلم ، كأن العدو أحصرهم فلا يستطيعون ضربا في الأرض ، لا لاتخاذ المسكن ولا للمعاش ، كأن العدو قد أحاط بالمدينة فلا هم يقدرون على الجهاد حتى يكسبوا من غنائمه ، ولا هم يتفرغون للتجارة أو غيرها لخوفهم من الكفار ، ولضعفهم في أول الأمر ، فلم يجدوا سبيلا للكسب أصلا. وقد قيل : إن قوله تعالى : (لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ) (٢) ، أنهم قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم فصاروا زمنى.
وفيهم أيضا نزل : (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ) (٣) ، ألا ترى كيف قال : (أُخْرِجُوا) ولم يقل : خرجوا ، فإنه قد كان يحتمل أن يخرجوا اختيارا فبان أنهم إنما خرجوا منها اضطرارا ، ولو وجدوا سبيلا أن لا يخرجوا لفعلوا ، ففيه دليل على أن الخروج من المال اختيارا ليس بمقصود للشارع ، وهو الذي تدل عليه أدلة الشريعة ، فلأجل ذلك بوّأهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم الصّفة.
فكانوا في أثناء ذلك ما بين طالب للقرآن والسنّة ، كأبي هريرة ، فإنه قصر نفسه على ذلك. ألا ترى إلى قوله في الحديث : وكنت ألزم رسول الله صلىاللهعليهوسلم على ملء بطني ، فأشهد إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا. وكان منهم من يتفرغ إلى ذكر الله وعبادته وقراءة القرآن ، فإذا غزا رسول الله صلىاللهعليهوسلم غزا معه ، وإذا أقام أقام معه ، حتى فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين ، فصاروا إلى ما صار الناس إليه غيرهم ممن كان ذا أهل ومال وطلب للمعاش واتخاذ
__________________
(١) سورة : البقرة ، الآية : ٢٦٧ ـ ٢٧٣.
(٢) سورة : البقرة ، الآية : ٢٧٣.
(٣) سورة : الحشر ، الآية : ٨.
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)