المسكن ، لأن العذر الذي حبسهم في الصفّة قد زال ، فرجعوا إلى الأصل لما زال العارض.
فالذي تحصل أن القعود في الصّفة لم يكن مقصودا لنفسه ، ولا بناء الصّفة للفقراء مقصودا بحيث يقال : إن ذلك مندوب إليه ، لمن قدر عليه ، ولا هي شرعية تطلب بحيث يقال : إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصّفة ، وهي الرتبة العليا لأنها تشبّه بأهل صفّة رسول الله صلىاللهعليهوسلم الذين وصفهم الله تعالى في القرآن بقوله : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) (١) ، وقوله : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ) (٢) ، الآية ، فإن ذلك لم يكن على ما زعم هؤلاء ، بل كان على ما تقدم.
والدليل من العمل أن المقصود بالصفة لم يدم ، ولم يثابر أهلها ولا غيرهم على البقاء فيها ، ولا عمرت بعد النبي صلىاللهعليهوسلم. ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة لكانوا هم أحق بفهمها أولا ، ثم بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل ، وأولى بتجديد معاهدها ، لكنهم لم يفعلوا ذلك البتة ، فالتشبيه بأهل الصّفة إذا في إقامة ذلك المعنى واتخاذ الزوايا والرّبط لا يصح ، فليفهم الموفق هذا الموضع ، فإنه مزلة قدم لمن لم يأخذ دينه عن السلف الأقدمين والعلماء الراسخين.
ولا يظن العاقل أن القعود عن الكسب ولزوم الربط مباح أو مندوب إليه أفضل من غيره ، إذ ليس ذلك بصحيح ، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى ممن كان عليه أولها ، ولا كفى (؟) المسكين المغتر بعمل الشيوخ المتأخرين إلى صدور هذه الطائفة المتصفين بالصوفية لم يتخذوا رباطا ولا زاوية ، ولا بنوا بناء يضاهون به الصفة للاجتماع على التعبد والانقطاع عن أسباب الدنيا ، كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم والجنيد وإبراهيم الخواص والحارث المحاسبي والشبيلي ، وغيرهم ممن سابق في هذا الميدان ، وإنما محصول هؤلاء أنهم خالفوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وخالفوا السلف الصالح ، وخالفوا شيوخ الطريقة التي انتسبوا إليها ولا توفيق إلا بالله.
__________________
(١) سورة : الأنعام ، الآية : ٥٢.
(٢) سورة : الكهف ، الآية : ٢٨.
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)