ومنهم : من فرّ ولم يقدر على استخلاص شيء من ماله ، فقدم المدينة صفر اليدين.
وكان الغالب على أهل المدينة العمل في حوائطهم وأموالهم بأنفسهم فلم يكن لغيرهم معهم كبير فضل في العمل ، وكان من المهاجرين من أشركهم الأنصار في أموالهم وهم الأكثرون بدليل قصة بني النضير فإن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما افتتح رسول الله صلىاللهعليهوسلم بني النضير قال للأنصار : «إن شئتم قسمتها بين المهاجرين وتركتم نصيبكم فيها وخلى المهاجرون بينكم وبين دوركم وأموالكم فإنهم عيال عليكم» (١) ، فقالوا : نعم ففعل ذلك نبي الله صلىاللهعليهوسلم غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف وذكر أنهم فقراء وقد قال المهاجرون أيضا لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : يا رسول الله ما رأينا قوما أبذل من كثير ، ولا أحسن مواساة من قليل ، من قوم نزلنا بين أظهرهم ـ يعني الأنصار ـ لقد كفونا المئونة ، وأشركونا في المهنأ ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «لا! ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم» (٢).
ومنهم : من كان يلتقط نوى التمر فيرضّها ويبيعها علفا للإبل ، ويتقوت من ذلك الوجه.
ومنهم : من لم يجد وجها يكتسب به لقوت ولا لسكنى ، فجمعهم النبي صلىاللهعليهوسلم في صفّة كانت في مسجده ، وهي سقيفة كانت من جملته ، إليها يأوون وفيها يقعدون ، إذ لم يجدوا مالا ولا أهلا ، وكان النبي صلىاللهعليهوسلم يحض الناس على إعانتهم ، والإحسان إليهم ، وقد وصفهم أبو هريرة رضي الله عنه إذ كان من جملتهم ، وهو أعرف الناس بهم ، قال في الصحيح : وأهل الصفة أضياف الإسلام ، لا يأوون على أهل ولا مال ، ولا على أحد ، إذا أتته ـ يعني : النبي صلىاللهعليهوسلم ـ صدقة بعث بها إليهم ، ولا يتناول منها شيئا ، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها ، وأشركهم فيها فوصفهم بأنهم أضياف الإسلام وحكم لهم ـ كما ترى ـ بحكم الأضياف. وإنما وجبت الضيافة في الجملة لأن من نزل بالبادية لا يجد منزلا ولا طعاما لشراء ، إذ لم يكن لأهل الوبر أسواق ينال منها ما يحتاج إليه من طعام يشترى ، ولا خانات
__________________
(١) أخرج نحوه أبو داود في كتاب : الخراج والإمارة ، باب : في خبر بني النضير (الحديث : ٣٠٠٤). وأورده السيوطي في (الدر المنثور) ، والبيهقي في (دلائل النبوة).
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب : صفة القيامة ، باب : مواساة الأنصار والمهاجرين (الحديث : ٢٤٨٩). وأخرجه أبو داود في كتاب : الأدب ، باب : شكر المعروف (الحديث : ٤٨١٢).
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)