على الملازمين لها ما يقوم بهم في معاشهم من طعام ولباس وغيرهما ـ لا يخلو أن يكون لها أصل في الشريعة أم لا ، فإن لم يكن أصل ، دخلت في الحكم تحت قاعدة البدع التي هي ضلالات ، فضلا عن أن تكون مباحة ، فضلا عن أن تكون مندوبا إليها وإن كان لها أصل فليست ببدعة ، فإدخالها تحت جنس البدع غير صحيح.
ثم إن كثيرا ممن تكلم على هذه المسألة من المصنفين في التصوف تعلقوا بالصّفّة التي كانت في مسجد رسول الله صلىاللهعليهوسلم يجتمع فيها فقراء المهاجرين ، وهم الذين نزل فيهم : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (١) ، الآية ، وقوله تعالى : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ) (٢) ، الآية ، فوصفهم الله بالتعبد والانقطاع إلى الله بدعائه قصدا لله خالصا فدل على أنهم انقطعوا لعبادة الله بدعائه قصدا لله لا يشغلهم عن ذلك شاغل ، فنحن إنما صنعنا صفة مثلها أو تقاربها يجتمع فيها من أراد الانقطاع إلى الله ، ويلتزم العبادة ويتجرد عن الدنيا والشغل بها ، وذلك كان شأن الأولياء ينقطعون عن الناس ، ويشتغلون بإصلاح بواطنهم ، ويولون وجوههم شطر الحق ، فهم على سيرة من تقدم.
وإنما يسمى ذلك بدعة باعتبار ما ، بل هي سنة ، وأهلها متبعون للسنّة فهي طريقة خاصة لأناس ، ولذلك لما قيل لبعضهم : في كم تجب الزكاة؟ قال : على مذهبنا أم على مذهبكم؟ ثم قال : أما على مذهبنا فالكل لله ، وأما على مذهبكم فكذا وكذا ـ أو كما قال ـ وهذا كله من الأمور التي جرت عند كثير من الناس هكذا غير محققة ، ولا منزّلة على الدليل الشرعي ، ولا على أحوال الصحابة والتابعين.
ولا بدّ من بسط طرف من الكلام في هذه المسألة ـ بحول الله ـ حتى يتبين الحق فيها لمن أنصف ولم يغالط نفسه وبالله التوفيق ، وذلك أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما هاجر إلى المدينة كانت الهجرة واجبة على كل مؤمن ممن كان بمكة أو غيرها. فكان منهم من احتال على نفسه فهاجر بماله أو شيء منه ، فاستعان به لما قدم المدينة في حرفته التي كان يحترف من تجارة أو غيرها ، كأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فإنه هاجر بجميع ماله ؛ وكان خمسة آلاف.
__________________
(١) سورة : الأنعام ، الآية : ٥٢.
(٢) سورة : الكهف ، الآية : ٢٨.
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)