وأما علم المقاييس : فأصله في السنّة ، ثم في علم السلف بالقياس ، ثم قد جاء في ذم القياس أشياء حملوها على القياس الفاسد ، فذلك من قبيل النظر في الأدلة. وقد كان السلف الصالح يجتمعون للنظر في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها للتعاون على استخراج الحق ، فهو من قبيل التعاون على البر والتقوى ، ومن قبيل المشاورة المأمور به ، فكلاهما مأمور به.
وأما علم المعقول بالنظر : فأصل ذلك في الكتاب والسنّة ، لأن الله تعالى احتج في القرآن على المخالفين لدينه بالأدلة العقلية ، كقوله : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) (١) ، وقوله : (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) (٢) ، وقوله : (أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ) (٣) ، وحكى عن إبراهيم عليهالسلام محاجته للكفار بقوله : (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي) (٤) ، الخ. وفي الحديث حين ذكرت العدوى : «فمن أعدى الأول؟» (٥) إلى غير ذلك من الأدلة ، فكيف يقال : إنه من البدع؟
وقول عز الدين : إن الرد على القدرية وكذا (غيرهم) من أهل البدع ، من البدع الواجبة ، غير جار على الطريق الواضح ، ولم سلم فهو من المصالح المرسلة.
وأما أمثلة البدع المحرمة فظاهرة.
وأما أمثلة المندوبة : فذكر منها إحداث الربط والمدارس ، فإن عنى بالربط ما بني من الحصون والقصور قصدا للرباط فيها ، فلا شك أن ذلك مشروع بشرعية الرباط ولا بدعة فيه وإن عنى بالربط ما بني لالتزام سكناها قصد الانقطاع إلى العبادة ـ لأن إحداث الربط التي شأنها أن تبنى تدينا للمنقطعين للعبادة في زعم المحدثين ، ويوقف عليها أوقاف يجرى منها
__________________
(١) سورة : الأنبياء ، الآية : ٢٢.
(٢) سورة : الروم ، الآية : ٤٠.
(٣) سورة : فاطر ، الآية : ٤٠.
(٤) سورة : الأنعام ، الآية : ٧٦.
(٥) أخرجه في جمع الفوائد (٢ / ٣٢٤) (الحديث : ٧٦٠٦). وأخرجه البخاري في كتاب : الطب ، باب : لا هامة ولا صفر (الحديث : ١٠ / ٢٠٦). وأخرجه مسلم في كتاب : السلام ، باب : لا عدوى ولا طيرة (الحديث : ٢٢٢٠). وأخرجه أبو داود في كتاب : الطب ، باب : في الطيرة (الأحاديث : ٣٩١١ ، ٣٩١٢).
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)