ومما حكى بعض هذه المتصوفة عن بعض علماء الخلف قال : العلوم تسعة : أربعة منها سنّة معروفة من الصحابة والتابعين ، وخمسة محدثة لم تكن تعرف فيما سلف ، فأما الأربعة المعروفة : فعلم الإيمان ، وعلم القرآن ، وعلم الآثار ، والفتاوى ، وأما الخمسة المحدثة : فالنحو ، والعروض ، وعلم المقاييس ، والجدل في الفقه ، وعلم المعقول بالنظر.
وهذا ـ إن صح نقله ـ فليس أولا كما قال فإن أهل العربية يحكون عن أبي الأسود الدؤلي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي أشار عليه بوضع شيء في النحو حين سمع أعرابيا قارئا : (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) (١) ـ بالجر ـ وقد روي عن ابن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة ، وأمر أبا الأسود فوضع النحو ، والعروض من جنس النحو ، وإذا كانت الإشارة من واحد من الخلفاء الراشدين صار النحو والنظر في الكلام العربي من سنة الخلفاء الراشدين ، وإن سلم أنه ليس كذلك ، فقاعدة المصالح تعم علوم العربية ، أي تكون من قبيل المشروع ، فهي من جنس كتب المصحف وتدوين الشرائع ، وما ذكر عن القاسم بن مخيمرة قد رجع عنه.
قال أحمد بن يحيى ثعلبا (؟) قال كان أحد الأئمة في الدين يعيب النحو ويقول : أول تعلمه شغل ، وآخره يزدري العالم به الناس ؛ فقرأ يوما : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) (٢) ، برفع الله ونصب العلماء فقيل له : كفرت من حيث لا تعلم ، تجعل الله يخشى العلماء؟ فقال : لا طعنت (؟) عن علم يدل إلى معرفة هذا أبدا.
قال عثمان بن سعيد الداني : الإمام الذي ذكره أحمد بن يحيى هو القاسم بن مخيمرة ، قال : وقد جرى لعبد الله بن أبي إسحاق مع محمد بن سيرين كلام ، وكان ابن سيرين ينتقص النحويين ، فاجتمعا في جنازة فقرأ ابن سيرين : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) برفع اسم الله ؛ فقال له ابن أبي إسحاق : كفرت يا أبا بكر ، تعيب على هؤلاء الذين يقيمون كتاب الله؟ فقال ابن سيرين : إن كنت أخطأت فأستغفر الله.
__________________
(١) سورة : التوبة ، الآية : ٣.
(٢) سورة : فاطر ، الآية : ٢٨.
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)