يعني : وإن شئت رفعت كلا بالابتداء ، وجعلت الجملة في موضع الخبر ، وأضمرت الهاء في" عارف" على لغة بني تميم كما قلت : " كلّه لم أصنع" فرفعت" كلّ" بالابتداء ، وأضمرت في" أصنع" هاء تعود إلى" كلّ" ، ومعنى قوله : " وهذا أبعد الوجهين".
يعنى : رفع كل بالابتداء أبعد الوجهين ؛ وذلك لأن من يرفعه بالابتداء لا يعمل" ما" ؛ فإذا لم يعملها أمكنه أن يعمل" عارف" في" كل" ، فإذا لم يعمل فقد قبح ؛ إذ قد وجد السبيل إلى الكلام المختار ، ولا ضرورة تدعو إلى غيره ، ومن رفع" كلّ"" بما" فهو لا يجد السبيل إلى إعمال" عارف" في" كل" إلا بحذف" ما" ، وحذفها يغير المعنى.
قال : (وقد زعم بعضهم أنّ" ليس" تجعل ك" ما" وذلك قليل لا يكاد يعرف ، فهذا يجوز أن يكون منه : " ليس خلق الله مثله" و" ليس قالها زيد").
يعني أن بعضهم يجعل" ليس" محمولة على" ما" فيلغي عملها ، ولا يجوز أن يكون الذي يفعل هذا من العرب ، إلا من كانت من لغته في" ما" إلغاؤها ، فتحمل" ليس" على" ما" ، وتجعلها حرفا لا تعمل في اللفظ شيئا ، كما لم تعمل" ما" ، وليس على هذه اللغة دليل قاطع ، ولا حجّة تقطع العذر ؛ لأن كل ما يستشهد به يحتمل التأويل ؛ لأنه إذا احتجّ محتج بقولهم : " ليس خلق الله مثله" فقال : " خلق" فعل ، ولو كانت" ليس" فعلا لما وليها الفعل ، فللقائل أن يقول في : " ليس" ضمير الأمر والشأن و" خلق" وما بعده جملة في موضع الخبر ؛ فلذلك قال سيبويه : " فهذا يجوز أن يكون منه" لهذا المعنى الذي ذكرناه.
وقد احتجوا بشيء آخر ـ وهو أقوى من الأول ـ وهو قول بعض العرب : " ليس الطيب إلا المسك" فقالوا : هذا بمنزلة : ما الطيب إلا المسك ، قالوا : ولو كان في" ليس" ضمير الأمر والشأن ، لكانت الجملة التي في موضع الخبر قائمة بنفسها ، وفي موضع خبرها ، ونحن لا نقول : " الطيب إلا المسك" بغير تقديم حرف النفي ، وليس الأمر على ما ظنوا ؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم قد وقع عليه حرف النفي فقد لحقها في المعنى ، ألا ترى أنك إذا قلت : " ما زيد أبوه قائم" فقد نفيت قيام أبيه كما لو قلت : " ما أبو زيد قائم" وعلى هذا يجوز أن تقول : " ما زيد أبوه إلا قائم" ، كأنك قلت : " ما أبو زيد إلا قائم".
![شرح كتاب سيبويه [ ج ٢ ] شرح كتاب سيبويه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2787_sharh-kitab-sibeveih-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
