🚘

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

المؤلف:

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
ISBN الدورة:
2-7451-2221-5

الصفحات: ٥٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ(٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (٨)

قال ابن عباس : (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) أي تحركت من أسفلها (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها) يعني ألقت ما فيها من الموتى قاله غير واحد من السلف ، وهذه كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج : ١] وكقوله : (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ) [الانشقاق : ٣ ـ ٤].

وقال مسلم في صحيحه : حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة ، فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» (١).

وقوله عزوجل : (وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها) أي استنكر أمرها بعد ما كانت قارة ساكنة ثابتة وهو مستقر على ظهرها أي تقلبت الحال فصارت متحركة مضطربة قد جاءها من أمر الله تعالى ما قد أعده لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه ، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين ، وحينئذ استنكر الناس أمرها وتبدلت الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار.

وقوله تعالى : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها) أي تحدث بما عمل العاملون على ظهرها. قال الإمام أحمد (٢) : حدثنا إبراهيم حدثنا ابن المبارك وقال الترمذي وأبو عبد الرّحمن النسائي واللفظ له حدثنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى بن أبي سليمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : قرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذه الآية : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها) قال : «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها أن تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا فهذه أخبارها» (٣) ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب ، وفي معجم الطبراني من حديث ابن لهيعة حدثني الحارث بن يزيد سمع ربيعة الجرشي أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «تحفظوا

__________________

(١) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٢ ، ٦.

(٢) المسند ٢ / ٣٧٤.

(٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٩٩ ، باب ١.

٤٤١

من الأرض فإنها أمكم وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرا أو شرا إلا وهي مخبرة».

وقوله تعالى : (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) قال البخاري (١) : أوحى لها وأوحى إليها ووحى لها ووحى إليها واحد ، وكذا قال ابن عباس : (أَوْحى لَها) أي أوحى إليها ، والظاهر أن هذا مضمن بمعنى أذن لها. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها) قال : قال لها ربها قولي فقالت ، وقال مجاهد : (أَوْحى لَها) أي أمرها ، وقال القرظي : أمرها أن تنشق عنهم.

وقوله تعالى : (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً) أي يرجعون عن موقف الحساب (أَشْتاتاً) أي أنواعا وأصنافا ما بين شقي وسعيد مأمور به إلى الجنة ومأمور به إلى النار ، قال ابن جريج : يتصدعون أشتاتا فلا يجتمعون آخر ما عليهم ، وقال السدي : (أَشْتاتاً) فرقا. وقوله تعالى : (لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ) أي ليعلموا بما عملوه في الدنيا من خير وشر ، ولهذا قال : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).

قال البخاري (٢) : حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الخيل لثلاثة ، لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طيلها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تسقى به كان ذلك حسنات له ، وهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر ، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء فهي على ذلك وزر» فسئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الحمر فقال : «ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ورواه مسلم (٣) من حديث زيد بن أسلم به.

وقال الإمام أحمد (٤) : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا جرير بن حازم ، حدثنا الحسن عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقرأ عليه (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) قال : حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها. وهكذا رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم بن محمد بن يونس المؤدب عن أبيه ، عن جرير بن حازم عن الحسن البصري قال : حدثنا صعصعة عم الفرزدق فذكره.

__________________

(١) كتاب التفسير ، تفسير سورة ٩٩ ، باب ١.

(٢) كتاب التفسير ، تفسير سورة ٩٩ ، باب ١.

(٣) كتاب الزكاة حديث ٢٤.

(٤) المسند ٥ / ٥٩.

٤٤٢

وفي صحيح البخاري عن عدي مرفوعا «اتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة» (١) وله أيضا في الصحيح «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط» (٢) وفي الصحيح أيضا «يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (٣) يعني ظلفها ، وفي الحديث الآخر «ردوا السائل ولو بظلف محرق» (٤).

وقال الإمام أحمد (٥) : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله عن عائشة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان» تفرد به أحمد. وروي عن عائشة أنها تصدقت بعنبة وقالت : كم فيها من مثقال ذرة (٦).

وقال الإمام أحمد (٧) : حدثنا أبو عامر ، حدثنا سعيد بن مسلم ، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير ، حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل ، أن عائشة أخبرته أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقول : «يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا» (٨) ورواه النسائي وابن ماجة من حديث سعيد بن مسلم بن بانك به.

وقال ابن جرير (٩) : حدثني أبو الخطاب الحساني ، حدثنا الهيثم بن الربيع ، حدثنا سماك بن عطية ، عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال : كان أبو بكر يأكل مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزلت هذه الآية (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) فرفع أبو بكر يده وقال : يا رسول الله إنّي أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر فقال : «يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ، ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة» ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي الخطاب به ، ثم قال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب قال : في كتاب أبي قلابة عن أبي إدريس ، إن أبا

__________________

(١) أخرجه البخاري في الأدب باب ٣٤ ، والزكاة باب ١٠ ، والرقاق باب ٥١ ، والتوحيد باب ٣٦.

(٢) أخرجه أبو داود في اللباس باب ٢٤ ، وأحمد في المسند ٣ / ٤٨٢ ، ٤٨٣ ، ٥ / ٦٣ ، ٦٤.

(٣) أخرجه البخاري في الهبة باب ١ ، والأدب باب ٣٠ ، ومسلم في الزكاة حديث ٩١.

(٤) أخرجه أبو داود في الزكاة باب ٣٣ ، والترمذي في الزكاة باب ٢٩ ، والنسائي في الزكاة باب ٧٠ ، ومالك في صفة النبي حديث ١ ، وأحمد في المسند ٤ / ٧٠ ، ٥ / ٣٨١ ، ٦ / ٣٨٢ ، ٣٨٣ ، ٤٣٤ ، ٤٣٨.

(٥) المسند ٦ / ٧٩.

(٦) أخرجه مالك في الصدقة حديث ٦.

(٧) المسند ٦ / ١٥١.

(٨) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٢٩.

(٩) تفسير الطبري ١٢ / ٦٦٢.

٤٤٣

بكر كان يأكل مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فذكره ، ورواه أيضا عن يعقوب عن ابن علية عن أيوب عن قلابة أن أبا بكر وذكره.

[طريق أخرى] قال ابن جرير (١) : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرّحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال لما نزلت (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) وأبو بكر الصديق رضي الله عنه قاعد فبكى حين أنزلت ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما يبكيك يا أبا بكر» قال : يبكيني هذه السورة : فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لو لا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر الله لكم لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم».

[حديث آخر] قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرّحمن بن محمد بن المغيرة المعروف بعلان المصري قالا حدثنا عمرو بن خالد الحراني ، حدثنا ابن لهيعة أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : لما أنزلت (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) قلت : يا رسول الله إني لراء عملي؟ قال «نعم» قلت : تلك الكبار الكبار. قال «نعم» قلت : الصغار الصغار قال «نعم» قلت : وأثكل أمي! قال : «أبشر يا أبا سعيد فإن الحسنة بعشرة أمثالها ـ يعني إلى سبعمائة ضعف ـ ويضاعف الله لمن يشاء والسيئة بمثلها أو يعفو الله ولن ينجو أحد منكم بعمله» قلت : ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة» قال أبو زرعة : لم يرو هذا غير ابن لهيعة.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني ابن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) وذلك لما نزلت هذه الآية (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) [الإنسان : ٨] كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه ، فيجيء المسكين إلى أبوابهم ، فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة والجوزة ونحو ذلك فيردونه ، ويقولون : ما هذا بشيء ، إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه ، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير : الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك. يقولون : إنما وعد الله النار على الكبائر فرغبهم في القليل من الخير أن يعملوه ، فإنه يوشك أن يكثر ، وحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكثر ، فنزلت (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) يعني وزن أصغر النمل (خَيْراً يَرَهُ) يعني في كتابه ويسره ذلك ، قال : يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة ، وبكل حسنة عشر حسنات ، فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمنين أيضا بكل واحد عشر ويمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات فإذا زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة.

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٦٦٣ ، وفيه يحيى بن عبد الله بدل حيي بن عبد الله.

٤٤٤

وقال الإمام أحمد (١) : حدثنا سليمان بن داود حدثنا عمران عن قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهنّ يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» وإن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ضرب لهنّ مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها.

آخر تفسير سورة الزلزلة ولله الحمد والمنة.

تفسير سورة العاديات

وهي مكية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً(٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) (١١)

يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فعدت وضبحت وهو الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو (فَالْمُورِياتِ قَدْحاً) يعني اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار (فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً) يعني الإغارة وقت الصباح كما كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يغير صباحا ويستمع الأذان فإن سمع أذانا وإلا أغار. وقوله تعالى : (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) يعني غبارا في مكان معترك الخيول (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) أي توسطن ذلك المكان كلهن جمع. قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عبدة عن الأعمش ، عن إبراهيم عن عبد الله (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً) قال: الإبل ، وقال علي : هي الإبل. وقال ابن عباس : هي الخيل ، فبلغ عليا قول ابن عباس فقال : ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس : إنما كان في سرية بعثت.

قال ابن أبي حاتم وابن جرير (٢) : حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني أبو صخر عن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حدثه قال : بينا أنا في الحجر جالسا جاءني رجل فسألني عن (الْعادِياتِ ضَبْحاً) فقلت له : الخيل حين تغير في سبيل الله ، ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم فانفتل عني فذهب إلى علي رضي الله عنه وهو عند سقاية زمزم فسأله عن (الْعادِياتِ ضَبْحاً) فقال : سألت عنها أحدا قبلي؟ قال : نعم ، سألت

__________________

(١) المسند ١ / ٤٠٢ ، ٤٠٣.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٦٦٦.

٤٤٥

ابن عباس فقال الخيل حين تغير في سبيل الله ، قال : اذهب فادعه لي ، فلما وقف على رأسه قال : أتفتي الناس بما لا علم لك ، والله لئن كان أول غزوة في الإسلام بدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد ، فكيف تكون العاديات ضبحا؟ إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى ، قال ابن عباس : فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي رضي الله عنه ، وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال : قال علي : إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران ، وقال العوفي وغيره عن ابن عباس : هي الخيل.

وقد قال بقول علي إنها الإبل جماعة منهم إبراهيم وعبيد بن عمير ، وقال بقول ابن عباس آخرون منهم مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والضحاك واختاره ابن جرير ، وقال ابن عباس وعطاء : ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب. وقال ابن جريج عن عطاء : سمعت ابن عباس يصف الضبح أح أح ، وقال أكثر هؤلاء في قوله : (فَالْمُورِياتِ قَدْحاً) يعني بحوافرها ، وقيل أسعرن الحرب بين ركبانهن ، قاله قتادة وعن ابن عباس ومجاهد (فَالْمُورِياتِ قَدْحاً) يعني مكر الرجال وقيل هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل ، وقيل المراد بذلك نيران القبائل ، وقال : من فسرها بالخيل هو إيقاد النار بالمزدلفة. قال ابن جرير : والصواب الأول أنها الخيل حين تقدح بحوافرها.

وقوله تعالى : (فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : يعني إغارة الخيل صبحا في سبيل الله ، وقال من فسرها بالإبل هو الدفع صبحا من المزدلفة إلى منى. وقالوا كلهم في قوله : (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) هو المكان الذي إذا حلت فيه ، أثارت به الغبار إما في حج أو غزو وقوله تعالى : (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) قال العوفي عن ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة والضحاك : يعني جمع الكفار من العدو ، ويحتمل أن يكون فوسطن بذلك المكان جميعهن ويكون جمعا منصوبا على الحال المؤكدة ، وقد روى أبو بكر البزار هاهنا حديثا غريبا جدا ، فقال : حدثنا أحمد بن عبدة ، حدثنا حفص بن جميع ، حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خيلا فأشهرت شهرا لا يأتيه منها خبر ، فنزلت (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً) ضبحت بأرجلها (فَالْمُورِياتِ قَدْحاً) قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارا (فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً) صبحت القوم بغارة (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) أثارت بحوافرها التراب (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) قال : صبحت القوم جميعا.

وقوله تعالى : (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) هذا هو المقسم عليه بمعنى إنه بنعم ربه لكفور جحود قال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وأبو الجوزاء وأبو العالية وأبو الضحى وسعيد بن جبير ومحمد بن قيس ، والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد : الكنود الكفور ، قال الحسن : الكنود هو الذي يعد المصائب وينسى نعم الله عليه.

٤٤٦

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) ـ قال ـ الكنود الذي يأكل وحده ويضرب عبده ويمنع رفده» رواه ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن الزبير ، وهو متروك فهذا إسناد ضعيف ، وقد رواه ابن جرير أيضا من حديث جرير بن عثمان عن حمزة بن هانئ عن أبي أمامة موقوفا. وقوله تعالى : (وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ) قال قتادة وسفيان الثوري : وإن الله على ذلك لشهيد ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان ، قاله محمد بن كعب القرظي فيكون تقديره وإن الإنسان على كونه كنودا لشهيد أي بلسان حاله أي ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله كما قال تعالى : (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) [التوبة : ١٧].

قوله تعالى : (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) أي وإنه لحب الخير وهو المال لشديد ، وفيه مذهبان [أحدهما] أن المعنى وإنه لشديد المحبة للمال [والثاني] وإنه لحريص بخيل من محبة المال وكلاهما صحيح. ثم قال تبارك وتعالى مزهدا في الدنيا ومرغبا في الآخرة ومنبها على ما هو كائن بعد هذه الحال وما يستقبله الإنسان من الأهوال : (أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ) أي أخرج ما فيها من الأموات (وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ) قال ابن عباس وغيره : يعني أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) أي لعالم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون ومجازيهم عليه أوفر الجزاء ولا يظلم مثقال ذرة.

آخر تفسير سورة العاديات ، ولله الحمد والمنة.

تفسير سورة القارعة

وهي مكية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ)(١١)

القارعة من أسماء يوم القيامة كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية وغير ذلك. ثم قال تعالى معظما أمرها ومهولا لشأنها : (وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ) ثم فسر ذلك بقوله : (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) أي في انتشارهم وتفرقهم وذهابهم ومجيئهم من حيرتهم مما هم فيه كأنهم فراش مبثوث كما قال تعالى في الآية الأخرى : (كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ) [القمر : ٧].

٤٤٧

وقوله تعالى : (وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) يعني قد صارت كأنها الصوف المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والتمزق. قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك والسدي : العهن الصوف ثم أخبر تعالى عما يؤول إليه عمل العاملين وما يصيرون إليه من الكرامة والإهانة بحسب أعمالهم فقال : (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) أي رجحت حسناته على سيئاته (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) يعني في الجنة (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ) أي رجحت سيئاته على حسناته.

وقوله تعالى : (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) قيل معناه فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم وعبر عنه بأمه يعني دماغه ، روي نحو هذا عن ابن عباس وعكرمة وأبي صالح وقتادة ، وقال قتادة : يهوي في النار على رأسه وكذا قال أبو صالح يهوون في النار على رؤوسهم ، وقيل معناه (فَأُمُّهُ) التي يرجع إليها ويصير في المعاد إليها (هاوِيَةٌ) وهي اسم من أسماء النار ، قال ابن جرير (١) : وإنما قيل للهاوية أمه لأنه لا مأوى له غيرها ، وقال ابن زيد : الهاوية النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها وقرأ (وَمَأْواهُمُ النَّارُ) قال ابن أبي حاتم وروي عن قتادة أنه قال : هي النار وهي مأواهم ، ولهذا قال تعالى مفسرا للهاوية : (وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ).

قال ابن جرير (٢) : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال : إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين فيقولون روحوا أخاكم فإنه كان في غم الدنيا ، قال ويسألونه ما فعل فلان؟ فيقول : مات ، أو ما جاءكم فيقولون ذهب به إلى أمه الهاوية ، وقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعا بأبسط من هذا ، وقد أوردناه في كتاب صفة النار ـ أجارنا الله تعالى منها بمنه وكرمه ـ وقوله تعالى : (نارٌ حامِيَةٌ) أي حارة شديدة الحر قوية اللهب والسعير.

قال أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» قالوا : يا رسول الله إن كانت لكافية؟ فقال : «إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزاء» ورواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك ورواه مسلم عن قتيبة عن المغيرة بن عبد الرّحمن عن أبي الزناد به ، وفي بعض ألفاظه : «أنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» (٣).

وقال الإمام أحمد (٤) : حدثنا عبد الرّحمن ، حدثنا حماد وهو ابن سلمة عن محمد بن زياد

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٦٧٧.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٦٧٧.

(٣) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١٠ ، ومسلم في الجنة حديث ٣٠.

(٤) المسند ٢ / ٤٦٧.

٤٤٨

سمعت أبا هريرة يقول سمعت أبا القاسم صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» فقال رجل : إن كانت لكافية؟ فقال : «لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا حرا فحرا» تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم ، وروى الإمام أحمد (١) أيضا : حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعمرو عن يحيى بن جعدة : «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وضربت بالبحر مرتين ولو لا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه ، وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق (٢) ورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري : «ناركم هذه جزء من سبعين جزءا».

وقد قال الإمام أحمد (٣) : حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد العزيز هو ابن محمد الدراوردي عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم» تفرد به أيضا من هذا الوجه وهو على شرط مسلم أيضا.

وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا أحمد بن عمرو الخلال ، حدثنا إبراهيم بن المنذر الخزامي حدثنا معن بن عيسى القزاز عن مالك عن عمه أبي سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفا» وقد رواه أبو مصعب عن مالك ولم يرفعه.

وروى الترمذي وابن ماجة عن عباس الدوري عن يحيى بن بكير حدثنا شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أو قد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة» (٤) وقد روي هذا من حديث أنس وعمر بن الخطاب.

وجاء في الحديث عند الإمام أحمد (٥) من طريق أبي عثمان النهدي عن أنس وأبي نضرة العبدي عن ابن أبي سعيد وعجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان يغلي منهما دماغه».

وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، فأشد ما تجدون في الشتاء

__________________

(١) المسند ٢ / ٢٤٤.

(٢) بياض بالأصل.

(٣) المسند ٢ / ٣٧٩.

(٤) أخرجه الترمذي في جهنم باب ٨ ، وابن ماجة في الزهد باب ٣٨.

(٥) المسند ٢ / ٤٣٢ ، ٤٣٩ ، ٣ / ١٣ ، ٧٨.

٤٤٩

من بردها وأشد ما تجدون في الصيف من حرها» (١) وفي الصحيحين : «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم» (٢).

آخر تفسير سورة القارعة ، ولله الحمد والمنة.

تفسير سورة التكاثر

وهي مكية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (٨)

يقول تعالى : أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها ، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها.

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا زكريا بن يحيى الوقاد المصري حدثني خالد بن عبد الدائم عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) ـ عن الطاعة ـ (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) ـ حتى يأتيكم الموت» وقال الحسن البصري (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) في الأموال والأولاد.

وفي صحيح البخاري في الرقاق منه وقال أخبرنا أبو الوليد ، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك عن أبي بن كعب قال كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) يعني «لو كان لابن آدم واد من ذهب» (٣).

وقال الإمام أحمد (٤) : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت قتادة يحدث عن مطرف يعني ابن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال : انتهيت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يقول : (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟» (٥) ورواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق شعبة به.

__________________

(١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١٠ ، ومسلم في المساجد حديث ١٨٥ ، ١٨٧.

(٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١٠ ، ومسلم في المساجد حديث ١٨٠ ، ١٨٤.

(٣) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٠.

(٤) المسند ٤ / ٢٤.

(٥) أخرجه مسلم في الزهد حديث ٣ ، والترمذي في تفسير سورة ١٠٢ ، باب ١ ، والنسائي في الوصايا باب ١.

٤٥٠

وقال مسلم في صحيحه : حدثنا سويد بن سعيد حدثنا حفص بن ميسرة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يقول العبد مالي مالي ، وإنما له من ماله ثلاث : ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فأمضى ، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» تفرد به مسلم (١).

وقال البخاري : حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، سمع أنس بن مالك يقول : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد : يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» (٢) وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به.

وقال الإمام أحمد (٣) : حدثنا يحيى عن شعبة حدثنا قتادة عن أنس أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنتان الحرص والأمل» (٤) أخرجاه في الصحيحين وذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس واسمه الضحاك أنه رأى في يد رجل درهما فقال : لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل : لي ، فقال : إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر ، ثم أنشد الأحنف متمثلا قول الشاعر :

أنت للمال إذا أمسكته

فإذا أنفقته فالمال لك (٥)

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة قال صالح بن حبان حدثني عن ابن بريدة في قوله : (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) قال : نزلت في قبلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا فقالت إحداهما فيكم مثل فلان ابن فلان وفلان ، وقال الآخرون مثل ذلك ، تفاخروا بالأحياء ثم قالوا انطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول : فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور ، ومثل فلان ، وفعل الآخرون مثل ذلك فأنزل الله (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل وقال قتادة : (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) كانوا يقولون : نحن أكثر من بني فلان ، ونحن أعد من بني فلان ، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم ، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم ، والصحيح أن المراد بقوله : (زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) أي صرتم إليها ودفنتم فيها ، كما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده فقال : «لا بأس طهور إن شاء الله» فقال :

__________________

(١) كتاب الزهد حديث ٤.

(٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٢ ، ومسلم في الزهد حديث ٥ ، والترمذي في الزهد باب ٤٦ ، والنسائي في الجنائز باب ٥٢ ، وأحمد في المسند ٣ / ١١٠.

(٣) المسند ٣ / ١١٥.

(٤) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١٠ ، ومسلم في الزكاة حديث ١١٥.

(٥) البيت لبعض المحدثين في عيون الأخبار لابن قتيبة ٣ / ١٨١.

٤٥١

قلت طهور بل هي حمى تفور ، على شيخ كبير ، تزيره القبور ، قال : «فنعم إذن» (١).

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ، أخبرنا حكام بن سلم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج عن المنهال عن زر بن حبيش عن علي قال : ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) ورواه الترمذي (٢) عن أبي كريب عن حكام بن سالم به ، وقال غريب.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سلمة بن أبي داود العرضي ، حدثنا أبو المليح الرقي عن ميمون بن مهران قال : كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) فلبث هنيهة ثم قال : يا ميمون ما أرى المقابر إلا زيارة ، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله. وقال أبو محمد : يعني أن يرجع إلى منزله أي إلى جنة أو إلى نار ، وهكذا ذكر أن بعض الأعراب سمع رجلا يتلو هذه الآية : (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) ، فقال بعث اليوم ورب الكعبة أي إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره.

وقوله تعالى : (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) قال الحسن البصري هذا وعيد بعد وعيد ، وقال الضحاك : (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) يعني أيها الكفار (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) يعني أيها المؤمنون ، وقوله تعالى : (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر ، ثم قال : (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ) هذا تفسير الوعيد المتقدم ، وهو قوله : (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) توعدهم بهذا الحال ، وهي رؤية أهل النار إذا زفرت زفرة واحدة خر كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال على ما جاء به الأثر المروي في ذلك ، وقوله تعالى : (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) أي ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا زكريا بن يحيى الخزاز المقري ، حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الخزاز ، حدثنا يونس بن عبيد عن عكرمة عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد فقال : «ما أخرجك هذه الساعة؟» فقال : أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. قال : وجاء عمر بن الخطاب فقال : «ما أخرجك يا ابن الخطاب؟» قال أخرجني الذي أخرجكما ، قال :

__________________

(١) أخرجه البخاري في المرضى باب ١٠ ، ١٤ ، والتوحيد باب ٣١ ، والمناقب باب ٢٥ ، وأحمد في المسند ٣ / ٢٥٠.

(٢) كتاب ، التفسير ، تفسير سورة ١٠٢ ، باب ١.

٤٥٢

فقعد عمر وأقبل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحدثهما ثم قال : «هل بكما من قوة تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعاما وشرابا وظلا؟» قلنا : نعم.

قال : «مروا بنا إلى منزل ابن التيهان أبي الهيثم الأنصاري» قال : فتقدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بين أيدينا فسلم واستأذن ثلاث مرات ، وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام تريد أن يزيدها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من السّلام ، فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم فقالت : يا رسول الله قد والله سمعت تسليمك ولكن أردت أن تزيدني من سلامك ، فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «خيرا» ثم قال : «أين أبو الهيثم لا أراه؟» قالت : يا رسول الله هو قريب ذهب يستعذب الماء ، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله فبسطت بساطا تحت شجرة ، فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقرّت عيناه بهم ، فصعد على نخلة فصرم لهم أعذاقا فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «حسبك يا أبا الهيثم» فقال : يا رسول الله تأكلون من بسره ومن رطبه ومن تذنوبه ، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هذا من النعيم الذي تسألون عنه» ، هذا غريب من هذا الوجه.

وقال ابن جرير (١) : حدثني الحسين بن علي الصدائي ، حدثنا الوليد بن القاسم عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما أبو بكر وعمر جالسان إذ جاءهما النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «ما أجلسكما هاهنا؟» قالا : والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع. قال : «والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره» فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار ، فاستقبلتهم المرأة فقال لها النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أين فلان؟» فقالت : ذهب يستعذب لنا ماء ، فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال : مرحبا ، ما زار العباد شيء أفضل من نبي زارني اليوم ، فعلق قربته بكرب نخلة وانطلق فجاءهم بعذق ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألا كنت اجتنيت؟» فقال : أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم ، ثم أخذ الشفرة فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إياك والحلوب» فذبح لهم يومئذ فأكلوا ، فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «لتسألن عن هذا يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا فهذا من النعيم» (٢) ورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان به ، ورواه أبو يعلى وابن ماجة من حديث المحاربي عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بكر الصديق به ، وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحو من هذا السياق وهذه القصة.

وقال الإمام أحمد (٣) : حدثنا سريج ، حدثنا حشرج عن أبي نصيرة عن أبي عسيب ، يعني مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلا فمر بي فدعاني فخرجت إليه ، ثم مر بأبي

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٦٨١ ، وفيه الحسن بن علي الصدائي.

(٢) أخرجه مسلم في الأشربة حديث ١٤٠ ، وابن ماجة في الذبائح باب ٧.

(٣) المسند ٥ / ٨١.

٤٥٣

بكر فدعاه فخرج إليه ، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه ، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط : «أطعمنا بسرا» فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه ثم دعا بماء بارد فشرب وقال : «لتسألن عن هذا يوم القيامة» قال : فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال : يا رسول الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال : «نعم إلا من ثلاثة : خرقة لف بها الرجل عورته ، أو كسرة سد بها جوعته ، أو جحر يدخل فيه من الحر والقر» تفرد به أحمد.

وقال الإمام أحمد (١) : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا حماد ، حدثنا عمار سمعت جابر بن عبد الله يقول : أكل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر وعمر رطبا وشربوا ماء ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هذا من النعيم الذي تسألون عنه» ورواه النسائي (٢) من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن جابر به.

وقال الإمام أحمد (٣) : حدثنا أحمد حدثنا يزيد ، حدثنا محمد بن عمرو عن صفوان بن سليم عن محمود بن الربيع قال : لما نزلت (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) فقرأ حتى بلغ (لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قالوا : يا رسول الله عن أي نعيم نسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر ، وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر فعن أي نعيم نسأل؟ قال : «أما إن ذلك سيكون».

وقال أحمد (٤) : حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ، حدثنا عبد الله بن سليمان ، حدثنا معاذ بن عبد الله بن حبيب ، عن أبيه عن عمه قال كنا في مجلس فطلع علينا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى رأسه أثر ماء ، فقلنا يا رسول الله نراك طيب النفس ، قال : «أجل» ثم خاض الناس في ذكر الغنى ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا بأس بالغنى لمن اتقى الله والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى وطيب النفس من النعيم» ورواه ابن ماجة (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن عبد الله بن سليمان به.

وقال الترمذي (٦) : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا شبابة عن عبد الله بن العلاء عن الضحاك بن عبد الرّحمن بن عزرم الأشعري قال : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن أول ما يسأل عنه ـ يعني يوم القيامة ـ العبد من النعيم أن يقال له ألم نصح لك بدنك ونروك من الماء البارد؟» تفرد به الترمذي ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق الوليد بن مسلم عن

__________________

(١) المسند ٣ / ٣٥١.

(٢) كتاب الوصايا باب ٤.

(٣) المسند ٥ / ٤٢٩.

(٤) المسند ٥ / ٣٧٢ ، ٣٨٠ ، ٣٨١.

(٥) كتاب التجارات باب ١.

(٦) كتاب التفسير ، تفسير سورة ١٠٢ ، باب ٥.

٤٥٤

عبد الله بن العلاء بن زبير به.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا مسدد ، حدثنا سفيان عن محمد بن عمرو ، عن يحيى بن حاطب عن عبد الله بن الزبير قال : قال الزبير : لما نزلت (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قالوا يا رسول الله لأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء قال : «إن ذلك سيكون» (١) وقد رواه الترمذي وابن ماجة من حديث سفيان هو ابن عيينة به ورواه أحمد عنه وقال الترمذي حسن وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله الظهراني حدثنا حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال لما نزلت هذه الآية (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قالت الصحابة : يا رسول الله ، وأي نعيم نحن فيه وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قل لهم أليس تحتذون النعال وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن ابن أبي ليلى أظنه عن عامر عن ابن مسعود عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قوله : (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قال «الأمن والصحة» وقال زيد بن أسلم عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) يعني شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم ، ورواه ابن أبي حاتم بإسناده المتقدم عنه في أول السورة.

وقال سعيد بن جبير : حتى عن شربة عسل وقال مجاهد : عن كل لذة من لذات الدنيا ، وقال الحسن البصري : من النعيم الغداء والعشاء. وقال أبو قلابة. من النعيم أكل السمن والعسل بالخبز النقي وقول مجاهد هذا أشمل هذه الأقوال. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قال : النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم وهو قوله تعالى : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً).

وثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ» (٢) ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين لا يقومون بواجبهما ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون. وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي ، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق ، حدثنا أبو حمزة عن ليث عن أبي فزارة ، عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما فوق الإزار

__________________

(١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٠٢ ، باب ٣ ، ٤ ، وأحمد في المسند ٥ / ٤٢٩.

(٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ١ ، والترمذي في الزهد باب ١ ، وابن ماجة في الزهد باب ١٥ ، وأحمد في المسند ١ / ٣٤٤.

٤٥٥

وظل الحائط والخبز ، يحاسب به العبد يوم القيامة أو يسأل عنه» ثم قال : لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.

وقال الإمام أحمد (١) : حدثنا بهز وعفان قالا : حدثنا حماد ، قال عفان في حديثه ، قال إسحاق بن عبد الله عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يقول الله عزوجل ـ قال عفان يوم القيامة ـ يا ابن آدم حملتك على الخيل والإبل وزوجتك النساء وجعلتك تربع وترأس فأين شكر ذلك؟» تفرد به من هذا الوجه. آخر تفسير سورة التكاثر ، ولله الحمد والمنة.

تفسير سورة العصر

وهي مكية

ذكروا أن عمرو بن العاص وقد على مسيلمة الكذاب ، وذلك بعد ما بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقبل أن يسلم عمرو ، فقال له مسليمة : ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ فقال : لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال : وما هي؟ فقال : (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال : وقد أنزل علي مثلها ، فقال له عمرو : وما هو؟ فقال : يا وبر يا وبر ، إنما أنت أذنان وصدر وسترك حفر نقر ، ثم قال : كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب.

وقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف (بمساوئ الأخلاق) في الجزء الثاني منه شيئا من هذا أو قريبا منه. والوبر دويبة تشبه الهر أعظم شيء فيه أذناه وصدره وباقيه دميم ، فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن. فلم يرج ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان. وذكر الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن عبيد الله بن حصن قال : كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها ، ثم يسلم أحدهما على الآخر ، وقال الشافعي رحمه‌الله : لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) (٣)

__________________

(١) المسند ٢ / ٤٩٢.

٤٥٦

العصر : الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر ، وقال مالك عن زيد بن أسلم : هو العشي ، والمشهور الأول فأقسم تعالى بذلك على أن الإنسان لفي خسر أي في خسارة وهلاك (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم (وَتَواصَوْا بِالْحَقِ) وهو أداء الطاعات ، وترك المحرمات (وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) أي على المصائب والأقدار وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر.

آخر تفسير سورة العصر ، ولله الحمد والمنة.

تفسير سورة الهمزة

وهي مكية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ(٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) (٩)

الهماز بالقول واللماز بالفعل يعني يزدري الناس وينتقص بهم ، وقد تقدم بيان ذلك في قوله تعالى : (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) [القلم : ١١] قال ابن عباس : همزة لمزة ، طعان معياب. وقال الربيع بن أنس : الهمزة يهمزة قي وجهه واللمزة من خلفه وقال قتادة : الهمزة واللمزة لسانه وعينه ويأكل لحوم الناس ويطعن عليهم (١). وقال مجاهد : الهمزة باليدين والعين واللمزة باللسان وهكذا قال ابن زيد. وقال مالك عن زيد بن أسلم : همزة لحوم الناس ، ثم قال بعضهم : المراد بذلك الأخنس بن شريق وقيل غيره وقال مجاهد هي عامة.

وقوله تعالى : (الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ) أي جمعه بعضه على بعض وأحصى عدده كقوله تعالى : (وَجَمَعَ فَأَوْعى) [المعارج : ١٨] قاله السدي وابن جرير ، وقال محمد بن كعب في قوله : (جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ) ألهاه ماله بالنهار هذا إلى هذا فإذا كان الليل نام كأنه جيفة منتنة.

وقوله تعالى : (يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ) أي يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار (كَلَّا) أي ليس الأمر كما زعم ولا كما حسب. ثم قال تعالى : (لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) أي ليلقين هذا الذي جمع مالا فعدده في الحطمة وهي اسم صفة من أسماء النار لأنها تحطم من فيها ولهذا قال : (وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) قال ثابت البناني :

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ١٢ / ٦٨٧.

٤٥٧

تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء ثم يقول لقد بلغ منهم العذاب ثم يبكي ، وقال محمد بن كعب : تأكل كل شيء من جسده حتى إذا بلغت فؤاده حذو حلقه ترجع على جسده.

وقوله تعالى : (إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) أي مطبقة كما تقدم تفسيره في سورة البلد. وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا علي بن سراج ، حدثنا عثمان بن خرزاذ ، حدثنا شجاع بن أشرس ، حدثنا شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم (إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) قال : مطبقة. وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن أسيد عن إسماعيل بن خالد عن أبي صالح قوله ولم يرفعه.

وقوله تعالى : (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) قال عطية العوفي : عمد من حديد ، وقال السدي من نار ، وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) يعني الأبواب هي الممددة ، وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود : إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة ، وقال العوفي عن ابن عباس : أدخلهم في عمد ممددة عليهم بعماد وفي أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب : وقال قتادة : كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار واختاره ابن جرير ، وقال أبو صالح (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) يعني القيود الثقال.

آخر تفسير سورة ويل لكل همزة لمزة ، ولله الحمد والمنة.

تفسير سورة الفيل

وهي مكية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (٥)

هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ، ومحو أثرها من الوجود فأبادهم الله وأرغم أنوفهم وخيب سعيهم وأضل عملهم ، وردهم بشر خيبة ، وكانوا قوما نصارى وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان ، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ولسان حال القدر يقول : لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيرتكم عليهم ، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء.

وهذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب : قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود أن ذا نواس ، وكان آخر ملوك حمير وكان مشركا وهو الذي قتل أصحاب

٤٥٨

الأخدود ، وكانوا نصارى وكانوا قريبا من عشرين ألفا فلم يفلت منهم إلا دوس ذو ثعلبان فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام ، وكان نصرانيا ، فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة لكونه أقرب إليهم ، فبعث معه أميرين أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم في جيش كثيف ، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار واستلبوا الملك من حمير وهلك ذو نواس غريقا في البحر.

واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران أرياط وأبرهة ، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا فقال أحدهما للآخر : إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا ولكن ابرز إلي وأبرز إليك ، فأينا قتل الآخر استقل بعده بالملك ، فأجابه إلى ذلك فتبارزا وخلف كل واحد منهما قناة ، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف فشرم أنفه وفمه وشق وجهه ، وحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله ورجع أبرهة جريحا فداوى جرحه فبرأ واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن.

فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه ويتوعده ويحلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيته ، فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه وبعث مع رسوله بهدايا وتحف وبجراب فيه من تراب اليمن. وجز ناصيته ، فأرسلها معه ويقول في كتابه ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه ، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه ورضي عنه وأقره على عمله.

وأرسل أبرهة يقول للنجاشي إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يبن قبلها مثلها ، فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء رفيعة البناء عالية الفناء مزخرفة الأرجاء سمتها العرب القليس لارتفاعها لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها ، وعزم أبرهة الأشرم على أن يصرف حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة ، ونادى بذلك في مملكته فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك ، وغضبت قريش لذلك غضبا شديدا حتى قصدها بعضهم وتوصل إلى أن دخلها ليلا ، فأحدث فيها وكرّ راجعا ، فلما رأى السدنة ذلك الحدث رفعوا أمره إلى ملكهم أبرهة ، وقالوا له إنما صنع هذا بعض قريش غضبا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به ، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة وليخربنه حجرا حجرا.

وذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارا وكان يوما فيه هواء شديد ، فاحترقت وسقطت إلى الأرض ، فتأهب أبرهة لذلك وسار في جيش كثيف عرمرم لئلا يصده أحد عنه ، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله ، يقال له محمود ، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك ، ويقال كان معه أيضا ثمانية أفيال ، وقيل اثنا عشر فيلا غيره فالله أعلم. يعني ليهدم به الكعبة بأن يجعل السلاسل في الأركان وتوضع في عنق الفيل ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة ، فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدا ورأوا أن حقا عليهم المحاجبة دون البيت ، ورد من أراده بكيد.

٤٥٩

فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر ، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله ، وما يريده من هدمه وخرابه ، فأجابوه وقاتلوا أبرهة فهزمهم لما يريده الله عزوجل من كرامة البيت وتعظيمه وأسر ذو نفر ، فاستصحبه معه ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم اعترض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه شهران وناهس فقاتلوه ، فهزمهم أبرهة وأسر نفيل بن حبيب فأراد قتله ثم عفا عنه واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز.

فلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه اللات ، فأكرمهم وبعثوا معه أبا رغال دليلا ، فلما انتهى أبرهة إلى المغمس وهو قريب من مكة نزل به. وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها فأخذوه ، وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب ، وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة ، وكان يقال له الأسود بن مقصود فهجاه بعض العرب فيما ذكره ابن إسحاق ، وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وأمره أن يأتيه بأشرف قريش وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت ، فجاء حناطة فدل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال ، فقال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة ، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه ، وإن يخلي بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه ، فقال له حناطة فاذهب معي إليه ، فذهب معه.

فلما رآه أبرهة أجله ، وكان عبد المطلب رجلا جسيما حسن المنظر ، ونزل أبرهة عن سريره وجلس معه على البساط وقال لترجمانه : قل له ما حاجتك؟ فقال للترجمان : إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي ، فقال أبرهة لترجمانه : قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب : إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه.

قال : ما كان ليمتنع مني. قال : أنت وذاك ، ويقال إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت ، فأبى عليهم ورد أبرهة على عبد المطلب إبله ، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة والتحصن في رؤوس الجبال تخوفا عليهم من معرة الجيش ، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرون على أبرهة وجنده ، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة : [مجزوء الكامل]

لا همّ إنّ المرء يمنع

رحله فامنع حلالك (١)

__________________

(١) البيتان لعبد المطلب بن هاشم في لسان العرب (محل) ، (حلل) ، (غدا) ، وتاج العروس (محل) ، ـ

٤٦٠