🚘

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

المؤلف:

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
ISBN الدورة:
2-7451-2221-5

الصفحات: ٥٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

فأعدناهم خلقا جديدا ، وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة. وقال ابن زيد وابن جرير (وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً) أي وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم كقوله تعالى : (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً) [النساء : ١٣٣] وكقوله تعالى : (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ) [إبراهيم : ١٩ ـ ٢٠].

ثم قال تعالى : (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ) يعني هذه السورة تذكرة (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) أي طريقا ومسلكا أي من شاء اهتدى بالقرآن كقوله تعالى : (وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً) [النساء : ٣٩] الآية ، ثم قال تعالى : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) أي لا يقدر أحد أن يهدي نفسه ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعا (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) أي عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ويقيض له أسبابها ، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى. وله الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة ، ولهذا قال تعالى : (إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) ثم قال : (يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) أي يهدي من يشاء ويضل من يشاء فمن يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

آخر تفسير سورة الإنسان ، ولله الحمد والمنة.

تفسير سورة المرسلات

وهي مكية

قال البخاري : حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي حدثنا الأعمش ، حدثني إبراهيم عن الأسود عن عبد الله ـ هو ابن مسعود ـ رضي الله عنه قال : بينما نحن مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في غار بمنى إذ نزلت عليه (وَالْمُرْسَلاتِ) فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اقتلوها» فابتدرناها فذهبت فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم: «وقيت شركم كما وقيتم شرها» (١) وأخرجه مسلم أيضا من طريق الأعمش.

وقال الإمام أحمد (٢) : حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن أمه أنها سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا ، وفي رواية مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس أن أم الفضل سمعته يقرأ (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً) فقالت : يا بني أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقرأ بها في المغرب (٣). أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك به.

__________________

(١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٧٧ ، باب ١ ، ومسلم في السّلام حديث ١٣٧.

(٢) المسند ٦ / ٣٣٨.

(٣) أخرجه البخاري في الأذان باب ٩٨ ، ومسلم في الصلاة حديث ١٧٣.

٣٠١

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً(٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ(٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(١٥)

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا زكريا بن سهل المروزي ، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق ، حدثنا الحسين بن واقد ، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً) قال : الملائكة ، وروي عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات والسدي والربيع بن أنس مثل ذلك وروي عن أبي صالح أنه قال : هي الرسل ، وفي رواية عنه أنها الملائكة ، وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات أنها الملائكة. وقال الثوري عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن أبي العبيدين قال : سألت ابن مسعود عن المرسلات عرفا قال : الريح.

وكذا قال في (فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً وَالنَّاشِراتِ نَشْراً) إنها الريح ، وكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية عنه وتوقف ابن جرير في (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً) هل هي الملائكة إذا أرسلت بالعرف أو كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضا ، أو هي الرياح إذا هبت شيئا فشيئا؟ وقطع بأن العاصفات عصفا الرياح كما قاله ابن مسعود ومن تابعه ، وممن قال ذلك في العاصفات عصفا أيضا علي بن أبي طالب والسدي وتوقف في الناشرات نشرا هل هي الملائكة أو الريح كما تقدم؟ وعن أبي صالح أن الناشرات نشرا هي المطر ، والأظهر أن المرسلات هي الرياح كما قال تعالى : (وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ) [الحجر : ٢٢] وقال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) [الأعراف : ٥٧] وهكذا العاصفات هي الرياح ، يقال عصفت الرياح إذا هبت بتصويت ، وكذا الناشرات هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب عزوجل.

وقوله تعالى : (فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً) يعني الملائكة. قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري ، ولا خلاف هاهنا فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل ، والهدى والغي ، والحلال والحرام ، وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره. وقوله تعالى : (إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ) هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام أي ما وعدتم به من قيام الساعة والنفخ في الصور وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ومجازاة كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، إن هذا كله (لَواقِعٌ) أي لكائن لا

٣٠٢

محالة. ثم قال تعالى : (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) أي ذهب ضوؤها كقوله تعالى : (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) [التكوير : ٢] وكقوله تعالى : (وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ) [الانفطار : ٢] (وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ) أي انفطرت وانشقت وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها.

(وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ) أي ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر كقوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) [طه : ١٠٥ ـ ١٠٧] الآية. وقال تعالى : (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً) [الكفه : ٤٧] وقوله تعالى : (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ) قال العوفي عن ابن عباس : جمعت. وقال ابن زيد : وهذه كقوله تعالى : (يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ) [المائدة : ١٠٩] وقال مجاهد : (أُقِّتَتْ) أجلت. وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم (أُقِّتَتْ) أو عدت وكأنه يجعلها كقوله تعالى : (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [الزمر : ٦٩].

ثم قال تعالى : (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) يقول تعالى لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها حتى تقوم الساعة كما قال تعالى : (فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم : ٤٧ ـ ٤٨] وهو يوم الفصل كما قال تعالى: (لِيَوْمِ الْفَصْلِ) ثم قال تعالى معظما لشأنه : (وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي ويل لهم من عذاب الله غدا وقد قدمنا في الحديث أن ويل واد في جهنم ولا يصح.

(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (٢٨)

يقول تعالى : (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ) يعني من المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ) أي ممن أشبههم ولهذا قال تعالى : (كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) قاله ابن جرير (١). ثم قال تعالى ممتنا على خلقه ومحتجا على الإعادة بالبداءة: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) أي ضعيف حقير بالنسبة إلى قدرة الباري عزوجل كما تقدم في سورة يس في حديث بسر بن جحاش «ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟» (٢).

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٣٨٤.

(٢) أخرجه أحمد في المسند ٤ / ٢١٠.

٣٠٣

(فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ) يعني جمعناه في الرحم وهو قرار الماء من الرجل والمرأة والرحم معد لذلك حافظ لما أودع فيه من الماء. وقوله تعالى : (إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ) يعني إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر ، ولهذا قال تعالى : (فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ثم قال تعالى : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً) قال ابن عباس : (كِفاتاً) كنا وقال مجاهد : يكفت الميت فلا يرى منه شيء وقال الشعبي بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم وكذا قال مجاهد وقتادة (وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ) يعني الجبال أرسى بها الأرض لئلا تميد وتضطرب (وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً) أي عذبا زلالا من السحاب أو مما أنبعه الله من عيون الأرض (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره.

(انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (٤٠)

يقول تعالى مخبرا عن الكفار المكذبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار أنهم يقال لهم يوم القيامة : (انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ) يعني لهب النار إذا ارتفع وصعد معه دخان فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب (لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ) أي ظل الدخان المقابل للهب لا ظليل هو في نفسه ، ولا يغني من اللهب يعني ولا يقيهم حر اللهب. وقوله تعالى : (إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ) أي يتطاير الشرر من لهبها كالقصر ، قال ابن مسعود : كالحصون ، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وغيرهم : يعني أصول الشجر.

كأنه جمالات صفر أي كالإبل السود ، قاله مجاهد والحسن وقتادة والضحاك واختاره ابن جرير ، وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير : جمالات صفر يعني حبال السفن ، وعنه أعني ابن عباس : (جِمالَتٌ صُفْرٌ) قطع نحاس.

وقال البخاري (١) : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى أنبأنا سفيان عن عبد الرّحمن بن عابس قال : سمعت ابن عباس رضي الله عنهما (إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ) قال : كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك فنرفعه للبناء فنسميه القصر كأنه جمالات صفر حبال السفن تجمع حتى تكون كأوساط الرجال.

__________________

(١) كتاب التفسير ، تفسير سورة ٧٧ ، باب ٢ ، ٣.

٣٠٤

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ثم قال تعالى : (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) أي لا يتكلمون (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) أي لا يقدرون على الكلام ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا بل قد قامت عليهم الحجة ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ، وعرصات القيامة حالات ، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة وعن هذه الحالة تارة ، ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذ ، ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ).

وقوله تعالى : (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) وهذه مخاطبة من الخالق تعالى لعباده يقول لهم : (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) يعني أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر. وقوله تعالى : (فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) تهديد شديد ووعيد أكيد أي إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي وتنجوا من حكمي فافعلوا فإنكم لا تقدرون على ذلك كما قال تعالى : (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ) [الرّحمن: ٣٣] وقد قال تعالى : (وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) [هود : ٥٧] وفي الحديث : «يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني».

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن المنذر الطريقي الأودي ، حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا حصين بن عبد الرّحمن عن حسان بن أبي المخارق ، عن أبي عبد الله الجدلي قال : أتيت بيت المقدس فإذا عبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس فقال عبادة : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي ، ويقول الله : (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) اليوم لا ينجو مني جبار عنيد ، ولا شيطان مريد ، فقال عبد الله بن عمرو : فإنا نحدث يومئذ أنها تخرج عنق من النار فتنطلق ، حتى إذا كانت بين ظهراني الناس نادت : أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة أنا أعرف بهم من الأب بولده ومن الأخ بأخيه لا يغيبهم عني وزر ولا تخفيهم عني خافية ، الذي جعل مع الله إلها آخر ، وكل جبار عنيد وكل شيطان مريد ، فتنطوي عليهم فتقذف بهم في النار قبل الحساب بأربعين سنة.

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ(٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (٥٠)

يقول تعالى مخبرا عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات ، وترك المحرمات ، أنهم يوم القيامة يكونون في جنات وعيون أي بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من ظلل اليحموم وهو الدخان الأسود المنتن ، وقوله تعالى : (وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ) أي ومن سائر أنواع الثمار مهما

٣٠٥

طلبوا وجدوا (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم ثم قال تعالى مخبرا خبرا مستأنفا : (إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) أي هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ).

وقوله تعالى : (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) خطاب للمكذبين بيوم الدين وأمرهم أمر تهديد ووعيد فقال تعالى : (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً) أي مدة قليلة قريبة قصيرة (إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) أي ثم تساقون إلى نار جهنم التي تقدم ذكرها (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) كما قال تعالى : (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ) [لقمان : ٢٤] : وقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) [يونس : ٦٩ ـ ٧٠] وقوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ) أي إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه ، ولهذا قال تعالى : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ثم قال تعالى : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) أي إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون به؟ كقوله تعالى : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ) [الجاثية : ٦].

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية : سمعت رجلا أعرابيا بدويا يقول : سمعت أبا هريرة يرويه إذا قرأ (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً) ـ فقرأ ـ (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)؟ فليقل آمنت بالله وبما أنزل. وقد تقدم هذا الحديث في سورة القيامة. آخر تفسير سورة المرسلات ، ولله الحمد والمنة ، وبه التوفيق والعصمة.

تفسير سورة النبأ

وهي مكية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ(٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً)(١٦)

يقول تعالى منكرا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكارا لوقوعها (عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) أي عن أي شيء يتساءلون عن أمر القيامة وهو النبأ العظيم ، يعني

٣٠٦

الخبر الهائل المفظع الباهر ، قال قتادة وابن زيد : النبأ العظيم البعث بعد الموت وقال مجاهد : هو القرآن (١). والأظهر الأول لقوله : (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) يعني الناس فيه على قولين مؤمن به وكافر.

ثم قال تعالى متوعدا لمنكري القيامة (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد. ثم شرع تبارك وتعالى يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره فقال : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً) أي ممهدة للخلائق ذلولا لهم قارة ساكنة ثابتة (وَالْجِبالَ أَوْتاداً) أي جعلها لها أوتادا أرساها بها وثبتها وقررها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها.

ثم قال تعالى : (وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً) يعني ذكرا وأنثى يتمتع كل منهما بالآخر ويحصل التناسل بذلك كقوله : (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم : ٢٠] وقوله تعالى : (وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً) أي قطعا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة الفرقان (جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً) [الفرقان : ٤٧] وجعلنا الليل لباسا أي يغشى الناس ظلامه وسواده كما قال : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها) [الشمس : ٤] وقال الشاعر : [الطويل]

فلما لبسن الليل أو حين نصّبت

له من خذا آذانها وهو جانح (٢)

وقال قتادة في قوله تعالى : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً) أي سكنا ، وقوله تعالى : (وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً) أي جعلناه مشرقا نيرا مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك. وقوله تعالى : (وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً) يعني السموات السبع في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات ولهذا قال تعالى : (وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً) يعني الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم.

وقوله تعالى : (وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً) قال العوفي عن ابن عباس : (الْمُعْصِراتِ) الريح (٣) ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ) قال : الرياح ، وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي وزيد بن أسلم وابنه

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ١٢ / ٣٩٥.

(٢) البيت لذي الرمة في ديوانه ص ٨٩٧ ، وأدب الكاتب ص ٢١٤ ، والخصائص ٢ / ٣٦٥ ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٥٨٢.

(٣) انظر تفسير الطبري ١٢ / ٣٩٨.

٣٠٧

عبد الرّحمن إنها الرياح ، ومعنى هذا القول إنها تستدر المطر من السحاب ، وقال علي بن أبي طلحه عن ابن عباس من المعصرات أي من السحاب ، وكذا قال عكرمة أيضا وأبو العالية والضحاك والحسن والربيع بن أنس والثوري واختاره ابن جرير.

وقال الفراء : هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد ، كما يقال امرأة معصر إذا دنا حيضها ولم تحض. وعن الحسن وقتادة : (مِنَ الْمُعْصِراتِ) يعني السموات وهذا قول غريب ، والأظهر أن المراد بالمعصرات السحاب كما قال تعالى : (اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) [الروم : ٤٨] أي من بينه.

وقوله جل وعلا : (ماءً ثَجَّاجاً) قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس : (ثَجَّاجاً) منصبا وقال الثوري : متتابعا وقال ابن زيد : كثيرا ، وقال ابن جرير (١) ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة الثج وإنما الثج الصب المتتابع ومنه قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أفضل الحج العج والثج» (٢) يعني صب دماء البدن هكذا قال ، قلت وفي حديث المستحاضة حين قال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنعت لك الكرسف» يعني أن تحتشي بالقطن فقالت : يا رسول الله هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجا (٣) ، وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصب المتتابع الكثير ، والله أعلم.

وقوله تعالى : (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً) أي لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك (حَبًّا) يدخر للأناسي والأنعام (وَنَباتاً) أي خضرا يؤكل رطبا (وَجَنَّاتٍ) أي بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم وروائح متفاوتة وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعا ولهذا قال (وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً) ، قال ابن عباس وغيره : (أَلْفافاً) مجتمعة ، وهذه كقوله تعالى : (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الرعد : ٤].

(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً(٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧)

__________________

(١) تفسير ١٢ / ٤٠٠.

(٢) أخرجه الترمذي في الحج باب ١٤ ، وتفسير سورة ٣ ، باب ٦ ، وابن ماجة في المناسك باب ٦ ، والدارمي في المناسك باب ٨.

(٣) أخرجه أبو داود في الطهارة باب ١٠٩ ، والترمذي في الطهارة باب ٩٥ ، وابن ماجة في الطهارة باب ١١٧ ، وأحمد في المسند ٦ / ٣٨٢ ، ٤٣٩ ، ٤٤٠.

٣٠٨

وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً)(٣٠)

يقول تعالى مخبرا عن يوم الفصل وهو يوم القيامة أنه مؤقت بأجل معدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله عزوجل كما قال تعالى : (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) [هود : ١٠٤] (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً) قال مجاهد : زمرا زمرا ، قال ابن جرير : يعني تأتي كل أمة مع رسولها ، كقوله تعالى : (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ) [الإسراء : ٧١].

وقال البخاري (١) (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً) حدثنا محمد ، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما بين النفختين أربعون» قالوا : أربعون يوما؟ قال «أبيت» قالوا : أربعون شهرا؟ قال «أبيت» قالوا : أربعون سنة؟ قال «أبيت» قال «ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة».

(وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً) أي طرقا ومسالك لنزول الملائكة (وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً) كقوله تعالى : (وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) [النمل: ٨٨] وكقوله تعالى : (وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) [القارعة : ٥] وقال هاهنا : (فَكانَتْ سَراباً) أي يخيل إلى الناظر أنها شيء وليست بشيء وبعد هذا تذهب بالكلية فلا عين ولا أثر ، كما قال تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) [طه : ١٠٥ ـ ١٠٧] ، وقال تعالى : (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً) [الكهف : ٤٧] وقوله تعالى : (إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً) أي مرصدة معدة (لِلطَّاغِينَ) وهم المردة العصاة المخالفون للرسل (مَآباً) أي مرجعا ومنقلبا ومصيرا ونزلا. وقال الحسن وقتادة في قوله تعالى : (إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً) يعني أنه لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز بالنار فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس ، وقال سفيان الثوري : عليها ثلاث قناطر.

وقوله تعالى : (لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً) أي ماكثين فيها أحقابا وهي جمع حقب وهو المدة من الزمان ، وقد اختلفوا في مقداره فقال ابن جرير عن ابن حميد عن مهران عن سفيان الثوري عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال : قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري : ما تجدون الحقب في كتاب الله المنزل؟ قال : نجده ثمانين سنة كل سنة اثنا عشر شهرا كل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة ، وهكذا روي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وابن عباس وسعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك ، وعن الحسن والسدي أيضا سبعون سنة كذلك ، وعن عبد الله بن عمرو : الحقب أربعون سنة كل يوم منها كألف سنة مما تعدون ، رواهما ابن أبي حاتم.

__________________

(١) كتاب التفسير ، تفسير سورة ٧٨ ، باب ١.

٣٠٩

وقال بشير بن كعب : ذكر لي أن الحقب الواحد ثلاثمائة سنة ، كل سنة اثنا عشر شهرا ، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم منها كألف سنة ، رواه ابن جرير (١) وابن أبي حاتم ، ثم قال ابن أبي حاتم : ذكر عن عمر بن علي بن أبي بكر الأسفذني ، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قوله تعالى : (لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً) قال : فالحقب شهر ، الشهر ثلاثون يوما والسنة اثنا عشر شهرا ، والسنة ثلاثمائة وستون يوما ، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون ، فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة ، وهذا حديث منكر جدا ، والقاسم هو والراوي عنه وهو جعفر بن الزبير كلاهما متروك.

وقال البزار : حدثنا محمد بن مرداس ، حدثنا سليمان بن مسلم أبو المعلّى قال : سألت سليمان التيمي : هل يخرج من النار أحد؟ فقال : حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال: «والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقابا» قال : والحقب بضع وثمانون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما مما تعدون ، ثم قال : سليمان بن مسلم بصري مشهور ، وقال السدي (لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً) سبعمائة حقب ، كل حقب سبعون سنة ، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما ، كل يوم كألف سنة مما تعدون ، وقد قال مقاتل بن حيان : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً).

وقال خالد بن معدان : هذه الآية وقوله تعالى : (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) في أهل التوحيد رواهما ابن جرير (٢) ثم قال : ويحتمل أن يكون قوله تعالى : (لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً) متعلقا بقوله تعالى : (لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً) ثم يحدث الله لهم بعد ذلك عذابا من شكل آخر ونوع آخر ثم قال : والصحيح أنها لا انقضاء لها كما قال قتادة والربيع بن أنس ، وقد قال قبل ذلك : حدثني محمد بن عبد الرّحيم البرقي ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن زهير عن سالم : سمعت الحسن يسأل عن قوله تعالى : (لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً) قال : أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار ، ولكن ذكروا أن الحقب سبعون سنة كل يوم منها كألف سنة مما تعدون.

وقال سعيد عن قتادة : قال الله تعالى : (لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً) وهو ما لا انقطاع له وكلما مضى حقب جاء حقب بعده. وذكر لنا أن الحقب ثمانون سنة وقال الربيع بن أنس (لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً) لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله عزوجل ، وذكر لنا أن الحقب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما ، وكل يوم كألف سنة مما تعدون ، رواهما أيضا ابن جرير.

وقوله تعالى : (لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً) أي لا يجدون في جهنم بردا لقلوبهم ولا شرابا طيبا يتغذون به ولهذا قال تعالى : (إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً) قال أبو العالية : استثنى من

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٤٠٤.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٤٠٤.

٣١٠

البرد الحميم ومن الشراب الغساق ، وكذا قال الربيع بن أنس ، فأما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموّه والغساق هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه ، وقد قدمنا الكلام على الغساق في سورة (ص) بما أغنى عن إعادته ـ أجارنا الله من ذلك بمنه وكرمه ـ قال ابن جرير وقيل المراد بقوله : (لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً) يعني النوم كما قال الكندي : [الكامل]

بردت مراشفها عليّ فصدّني

عنها وعن قبلاتها البرد (١)

يعني بالبرد النعاس والنوم. هكذا ذكره ولم يعزه إلى أحد. وقد رواه ابن أبي حاتم من طريق السدي عن مرة الطيب ونقله عن مجاهد أيضا. وحكاه البغوي عن أبي عبيدة والكسائي أيضا. وقوله تعالى : (جَزاءً وِفاقاً) أي هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا ، قاله مجاهد وقتادة وغير واحد.

ثم قال تعالى : (إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً) أي لم يكونوا يعتقدون أن ثم دارا يجازون فيها ويحاسبون (وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً) أي وكانوا يكذبون بحجج الله ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسله ، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة. وقوله : (كِذَّاباً) أي تكذيبا ، وهو مصدر من غير الفعل ، قالوا : وقد سمع أعرابي يستفتي الفراء على المروة : الحلق أحب إليك أو القصار؟ وأنشد بعضهم : [الطويل]

لقد طال ما ثبّطتني عن صحابتي

وعن حوج قضاؤها من شفائيا (٢)

وقوله تعالى : (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً) أي وقد علمنا أعمال العباد كلهم وكتبناها عليهم وسنجزيهم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وقوله تعالى : (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً) أي يقال لأهل النار : ذوقوا ما أنتم فيه فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ) [ص : ٥٨] ، قال قتادة عن أبي أيوب الأزدي عن عبد الله بن عمرو قال : لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً) قال : فهم في مزيد من العذاب أبدا ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن محمد بن مصعب الصوري ، حدثنا خالد بن عبد الرّحمن ، حدثنا جسر بن فرقد عن الحسن قال : سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً) قال : «أهلك القوم بمعاصيهم الله عزوجل» جسر بن فرقد ضعيف الحديث بالكلية.

__________________

(١) البيت للكندي في تفسير الطبري ١٢ / ٤٠٦ وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٢٩٥ ، والاشتقاق ص ٤٧٨ ، والأزمنة والأمكنة ٢ / ١٥.

(٢) البيت بلا نسبة في لسان العرب (كذب) ، (حوج) ، (قضي) ، والمخصص ١٢ / ٢٢٢ ، وأساس البلاغة (لوي) ، وتاج العروس (كذب) ، (حوج) ، (قضي)

٣١١

(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً)(٣٦)

يقول تعالى مخبرا عن السعداء وما أعد لهم تعالى من الكرامة والنعيم المقيم فقال تعالى : (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً) قال ابن عباس والضحاك : متنزها. وقال مجاهد وقتادة : فازوا فنجوا من النار. والأظهر هاهنا قول ابن عباس لأنه قال بعده (حَدائِقَ) وهي البساتين من النخيل وغيرها (وَأَعْناباً وَكَواعِبَ أَتْراباً) أي وحورا كواعب ، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد (كَواعِبَ) أي نواهد ، يعنون أن ثديهن نواهد لم يتدلين لأنهن أبكار عرب أتراب أي في سن واحد كما تقدم بيانه في سورة الواقعة.

قال ابن أبي حاتم : حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرّحمن الدشتكي ، حدثني أبي عن أبي سفيان عبد الرّحمن بن عبد الله بن تيم ، حدثنا عطية بن سليمان أبو الغيث عن أبي عبد الرّحمن القاسم بن أبي القاسم الدمشقي عن أبي أمامة أنه سمعه يحدث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال «إن قمص أهل الجنة لتبدو من رضوان الله وإن السحابة لتمر بهم فتناديهم يا أهل الجنة ماذا تريدون أن أمطركم؟ حتى أنها لتمطرهم الكواعب الأتراب».

وقوله تعالى : (وَكَأْساً دِهاقاً) قال ابن عباس : مملوءة ومتتابعة. وقال عكرمة : صافية ، وقال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد (دِهاقاً) الملأى المترعة ، وقال مجاهد وسعيد بن جبير هي المتتابعة. وقوله تعالى : (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً) كقوله : (لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ) [الطور : ٢٣] أي ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة ولا إثم كذب ، بل هي دار السّلام وكل ما فيها سالم من النقص وقوله : (جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً) أي هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به وأعطاهموه بفضله ومنه وإحسانه ورحمته (عَطاءً حِساباً) أي كافيا وافيا شاملا كثيرا ، تقول العرب : أعطاني فأحسبني أي كفاني ومنه حسبي الله أي الله كافيّ.

(رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً)(٤٠)

يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وأنه رب السموات والأرض وما فيهما وما بينهما وأنه الرّحمن الذي شملت رحمته كل شيء ، وقوله تعالى : (لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً) أي لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه كقوله تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [البقرة : ٢٥٥] وكقوله تعالى : (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [هود : ١٠٥] وقوله تعالى. (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ) اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا ما هو؟ على أقوال

٣١٢

[أحدها] ما رواه العوفي عن ابن عباس أنهم أرواح بني أدم [الثاني] هم بنو آدم قاله الحسن وقتادة. وقال قتادة : هذا مما كان ابن عباس يكتمه [الثالث] أنهم خلق من خلق الله على صور بني آدم وليسوا بملائكة ولا ببشر ، وهم يأكلون ويشربون ، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش [الرابع] هو جبريل قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك ، ويستشهد لهذا القول بقوله عزوجل : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) [الشعراء : ١٩٣ ـ ١٩٤] وقال مقاتل بن حيان : الروح هو أشرف الملائكة وأقرب إلى الرب عزوجل وصاحب الوحي. [الخامس] أنه القرآن ، قاله ابن زيد كقوله : (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) [الشورى : ٥٢] الآية. [والسادس] أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ) قال : هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقا.

وقال ابن جرير (١) : حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، حدثنا رواد بن الجراح عن أبي حمزة عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال : الروح في السماء الرابعة هو أعظم من السموات ومن الجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة ، يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفا وحده وهذا قول غريب جدا.

وقد قال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصري ، حدثنا وهب الله بن روق بن هبيرة ، حدثنا بشر بن بكر ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني عطاء عن عبد الله بن عباس : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إن لله ملكا لو قيل له التقم السموات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل. تسبيحه سبحانك حيث كنت» وهذا حديث غريب جدا ، وفي رفعه نظر ، وقد يكون موقوفا على ابن عباس ، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات ، والله أعلم. وتوقف ابن جرير فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها والأشبه عندي والله أعلم أنهم بنو آدم.

وقوله تعالى : (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) كقوله : (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [هود : ١٠٥] وكما ثبت في الصحيح «ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل» (٢) وقوله تعالى : (وَقالَ صَواباً) أي حقا ومن الحق لا إله إلا الله كما قاله أبو صالح وعكرمة ، وقوله تعالى : (ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ) أي الكائن لا محالة (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً) أي مرجعا طريقا يهتدي إليه ومنهجا يمر به عليه. وقوله تعالى : (إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً) يعني يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبا لأن كل ما هو آت آت (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ) أي يعرض عليه جميع أعماله خيرها وشرها. قديمها وحديثها كقوله تعالى : (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً) [الكهف : ٤٩] وكقوله تعالى : (يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ) [القيامة : ١٣].

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٤١٥.

(٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٢٩ ، والتوحيد باب ٢٤ ، ومسلم في الإيمان حديث ٢٩٩.

٣١٣

(وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) أي يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابا ، ولم يكن خلق ولا خرج إلى الوجود ، وذلك حين عاين عذاب الله ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سطرت عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة ، وقيل إنما يود ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور ، حتى أنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها : كوني ترابا فتصير ترابا فعند ذلك يقول الكافر (يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) أي كنت حيوانا فأرجع إلى التراب ، وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور ، وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما. آخر تفسير سورة النبأ. ولله الحمد والمنة. وبه التوفيق والعصمة.

تفسير سورة النازعات

وهي مكية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ)(١٤)

قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق وسعيد بن جبير وأبو صالح وأبو الضحى والسدي (وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً) الملائكة يعنون حين تنزع أرواح بني آدم ، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها ، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط وهو قوله : (وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً) قاله ابن عباس ، وعن ابن عباس (وَالنَّازِعاتِ) هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار رواه ابن أبي حاتم وقال مجاهد (وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً) الموت ، وقال الحسن وقتادة (وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً) هي النجوم.

وقال عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى : (وَالنَّازِعاتِ وَالنَّاشِطاتِ) هي القسي في القتال والصحيح الأول وعليه الأكثرون. وأما قوله تعالى : (وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً) فقال ابن مسعود : هي الملائكة ، وروي عن علي ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح مثل ذلك ، وعن مجاهد (وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً) الموت ، وقال قتادة : هي النجوم ، وقال عطاء بن أبي رباح ، هي السفن.

٣١٤

وقوله تعالى : (فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً) روي عن علي ومسروق ومجاهد وأبي صالح والحسن البصري يعني الملائكة ، قال الحسن : سبقت إلى الإيمان والتصديق به وعن مجاهد : الموت. وقال قتادة : هي النجوم ، وقال عطاء : هي الخيل في سبيل الله. وقوله تعالى : (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً) قال علي ومجاهد وعطاء وأبو صالح والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي : هي الملائكة ، زاد الحسن : تدبر الأمر من السماء إلى الأرض يعني بأمر ربها عزوجل ، ولم يختلفوا في هذا ولم يقطع ابن جرير بالمراد في شيء من ذلك ، إلا أنه حكى في «المدبرات أمرا» أنها الملائكة ولا أثبت ولا نفى.

وقوله تعالى : (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) قال ابن عباس : هما النفختان الأولى والثانية ، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغير واحد ، وعن مجاهد : أما الأولى وهي قوله جل وعلا : (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) فكقوله جلت عظمته : (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ) [المزمل : ١٤] والثانية وهي الرادفة فهي كقوله (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً) [الحاقة : ١٤].

وقد قال الإمام أحمد (١) : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «جاءت الراجفة تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه» فقال رجل : يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك ، قال : «إذا يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك» (٢) وقد رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري بإسناده مثله ، ولفظ الترمذي وابن أبي حاتم كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال : «يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه».

وقوله تعالى : (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ) قال ابن عباس : يعني خائفة ، وكذا قال مجاهد وقتادة (أَبْصارُها خاشِعَةٌ) أي أبصار أصحابها وإنما أضيف إليها للملابسة أي ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال. وقوله تعالى : (يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ) يعني مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعاد. يستعبدون وقوع البعث بعد المصير إلى الحافرة وهي القبور ، قاله مجاهد ، وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها ، ولهذا قالوا : (أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً) وقرئ ناخرة وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : أي بالية ، قال ابن عباس : وهو العظم إذا بلي ودخلت الريح فيه.

(قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ) وعن ابن عباس ومحمد بن كعب وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والسدي وقتادة : الحافرة الحياة بعد الموت ، وقال ابن زيد : الحافرة النار ، وما أكثر

__________________

(١) المسند ٥ / ١٣٦.

(٢) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٣ ، والترمذي في القيامة باب ٢٣.

٣١٥

أسماءها! هي النار والجحيم وسقر وجهنم والهاوية والحافرة ولظى والحطمة ، وأما قولهم : (تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ) فقال محمد بن كعب : قالت قريش لئن أحيانا الله بعد أن نموت لنخسرن ، قال الله تعالى : (فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) أي فإنما هو أمر من الله لا مثنوية فيه ولا تأكيد ، فإذا الناس قيام ينظرون وهو أن يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث ، فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الرب عزوجل ينظرون ، كما قال تعالى : (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً) [الإسراء : ٥٢] (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) [القمر : ٥٠] وقال تعالى : (وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) [النحل : ٧٧].

قال مجاهد : (فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ) صيحة واحدة. وقال إبراهيم التيمي : أشد ما يكون الرب عزوجل غضبا على خلقه يوم يبعثهم ، وقال الحسن البصري : زجرة من الغضب ، وقال أبو مالك والربيع بن أنس : زجرة واحدة هي النفخة الآخرة.

وقوله تعالى : (فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) قال ابن عباس : الساهرة الأرض كلها ، وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وأبو صالح ، وقال عكرمة والحسن والضحاك وابن زيد : الساهرة وجه الأرض ، وقال مجاهد : كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها ، قال والساهرة المكان المستوي ، وقال الثوري : الساهرة أرض الشام ، وقال عثمان بن أبي العاتكة : الساهرة أرض بيت المقدس ، وقال وهب بن منبه : الساهرة جبل إلى جانب بيت المقدس ، وقال قتادة أيضا : الساهرة جهنم ، وهذه أقوال كلها غريبة ، والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا خزر بن المبارك الشيخ الصالح ، حدثنا بشر بن السري ، حدثنا مصعب بن ثابت عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي (فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) قال : أرض بيضاء عفراء خالية كالخبزة النقي ، وقال الربيع بن أنس : (فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) يقول الله عزوجل : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم : ٤٨] ويقول تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) [طه : ١٠٥ ـ ١٠٧] وقال تعالى : (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً) [الكهف : ٤٧] وبرزت الأرض التي عليها الجبال وهي لا تعد من هذه الأرض وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة ولم يهراق عليها دم.

(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى) (٢٦)

يخبر تعالى رسوله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن عبده ورسوله موسى عليه‌السلام أنه ابتعثه إلى فرعون ،

٣١٦

وأيده الله بالمعجزات ، ومع هذا استمر على كفره وطغيانه حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ، وكذلك عاقبة من خالفك وكذب بما جئت به ، ولهذا قال في آخر القصة : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى) فقوله تعالى : (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) أي هل سمعت بخبره (إِذْ ناداهُ رَبُّهُ) أي كلمه نداء (بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ) أي المطهر (طُوىً) وهو اسم الوادي على الصحيح كما تقدم في سورة طه ، فقال له : (اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى) أي تجبر وتمرد وعتا.

(فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى) أي قل له هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزكى به وتسلم وتطيع (وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ) أي أدلك إلى عبادة ربك (فَتَخْشى) أي فيصير قلبك خاضعا له مطيعا خاشعا بعد ما كان قاسيا خبيثا بعيدا من الخير (فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى) يعني فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية ودليلا واضحا على صدق ما جاءه به من عند الله (فَكَذَّبَ وَعَصى) أي فكذب بالحق وخالف ما أمره به من الطاعة ، وحاصله أنه كفر بقلبه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره وعلمه بأن ما جاء به حق لا يلزم منه أنه مؤمن به ، لأن المعرفة علم القلب والإيمان عمله وهو الانقياد للحق والخضوع له.

وقوله تعالى : (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى) أي في مقابلة الحق بالباطل وهو جمعه السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى عليه‌السلام من المعجزات الباهرات (فَحَشَرَ فَنادى) أي في قومه (فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) قال ابن عباس ومجاهد : وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) [القصص : ٣٨] بأربعين سنة قال الله تعالى : (فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى) أي انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله من المتمردين في الدنيا (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [هود : ٩٩] كما قال تعالى : (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ) [القصص : ٤١] وهذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله : (نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى) أي الدنيا والآخرة ، وقيل المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية ، وقيل كفره وعصيانه والصحيح الذي لا شك فيه الأول ، وقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى) أي لمن يتعظ وينزجر.

(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) (٣٣)

يقول تعالى محتجا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه : (أَأَنْتُمْ) أيها الناس (أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ) يعني بل السماء أشد خلقا منكم ، كما قال تعالى : (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) [غافر : ٥٧] وقال تعالى : (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) [يس : ٨١] وقوله تعالى : (بَناها) فسره بقوله : (رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها) أي جعلها عالية البناء بعيدة الفناء مستوية الأرجاء مكللة بالكواكب في

٣١٧

الليلة الظلماء ، وقوله تعالى : (وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها) أي جعل ليلها مظلما أسود حالكا ونهارها مضيئا مشرقا نيرا واضحا ، وقال ابن عباس : أغطش ليلها أظلمه ، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وجماعة كثيرون (وَأَخْرَجَ ضُحاها) أي أنار نهارها.

وقوله تعالى : (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) فسره بقوله تعالى : (أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها) وقد تقدم في سورة حم السجدة أن الأرض خلقت قبل خلق السماء ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء ، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل ، وهذا معنى قول ابن عباس وغير واحد واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي ، حدثنا عبيد الله يعني ابن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس (دَحاها) ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار ، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام ، فذلك قوله : (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) وقد تقدم تقرير ذلك هنالك.

وقوله تعالى : (وَالْجِبالَ أَرْساها) أي قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها وهو الحكيم العليم ، الرؤوف بخلقه الرّحيم.

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال نعم : الحديد ، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال نعم : النار ، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار ، قال : نعم الماء ، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال : نعم الريح ، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال : نعم ، ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها عن شماله» (١).

وقال أبو جعفر بن جرير (٢) : حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن عطاء عن أبي عبد الرّحمن السلمي عن علي قال : لما خلق الله الأرض قمصت وقالت تخلق عليّ آدم وذريته يلقون عليّ نتنهم ويعملون عليّ بالخطايا ، فأرساها الله بالجبال فمنها ما ترون ومنها ما لا ترون ، وكان أول قرار الأرض كلحم الجزور إذا نحر يختلج لحمه. غريب جدا.

وقوله تعالى : (مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) أي دحا الأرض فأنبع عيونها ، وأظهر مكنونها ، وأجرى أنهارها ، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها. وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها ، كل ذلك متاعا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها

__________________

(١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١١٣ ، باب ٣ ، وأحمد في المسند ٣ / ١٢٤.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٤٣٩.

٣١٨

في هذا الدار ، إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل.

(فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها)(٤٦)

يقول تعالى : (فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى) وهو يوم القيامة ، قاله ابن عباس سميت بذلك لأنها تطم على كل أمر هائل مفظع كما قال تعالى : (وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ) [القمر : ٤٦] (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى) أي حينئذ يتذكر ابن آدم جميع عمله خيره وشره كما قال تعالى : (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى) [الفجر : ٢٣] (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى) أي أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانا (فَأَمَّا مَنْ طَغى) أي تمرد وعتا (وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا) أي قدمها على أمر دينه وأخراه.

(فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى) أي فإن مصيره إلى الجحيم وإن مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم (وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى) أي خاف القيام بين يدي الله عزوجل وخاف حكم الله فيه ونهى نفسه عن هواها وردها إلى طاعة مولاها (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى) أي منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء.

ثم قال تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها) أي ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق بل مردها ومرجعها إلى الله عزوجل ، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ) [الأعراف : ١٨٧] وقال هاهنا (إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها) ولهذا لما سأل جبريل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن وقت الساعة قال : «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (١).

وقوله تعالى : (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) أي إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده اتبعك فأفلح وأنجح ، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك. وقوله تعالى : (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها) أي إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مدة الحياة الدنيا حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى من يوم ، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها) أما عشية فما بين الظهر إلى غروب الشمس (أَوْ ضُحاها) ما بين طلوع

__________________

(١) أخرجه البخاري في الإيمان باب ٣٧ ، وتفسير سورة ٣١ ، باب ٢ ، ومسلم في الإيمان حديث ١ ، ٥ ، ٧ ، وأبو داود في السنة باب ١٦ ، والترمذي في الإيمان باب ٤ ، والنسائي في الإيمان باب ٥ ، ٦ ، وابن ماجة في المقدمة باب ٩ ، والفتن باب ٢٥ ، وأحمد في المسند ٢ / ٤٢٦.

٣١٩

الشمس إلى نصف النهار ، وقال قتادة : وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة (١). آخر تفسير سورة النازعات ، ولله الحمد والمنة.

تفسير سورة عبس

وهي مكية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ)(١٦)

ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه ، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما ، فجعل يسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن شيء ويلح عليه ، وود النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته. وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله تعالى : (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) أي يحصل له زكاة وطهارة في نفسه (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى) أي يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أي أما الغني فأنت تتعرض له لعله يهتدي.

(وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) أي ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة (وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى) أي يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له : (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أي تتشاغل ، ومن هاهنا أمر الله تعالى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا يخص بالإنذار أحدا ، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف والفقير والغني والسادة والعبيد والرجال والنساء والصغار والكبار ، ثم الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. قال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا محمد بن مهدي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس رضي الله عنه في قوله تعالى : (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يكلم أبي بن خلف فأعرض عنه ، فأنزل الله عزوجل (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) فكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد ذلك يكرمه.

قال قتادة : أخبرني أنس بن مالك قال : رأيته يوم القادسية وعليه درع ومعه راية سوداء يعني ابن أم مكتوم ، وقال أبو يعلى وابن جرير (٢) : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثني أبي قال :

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ١٢ / ٤٤٢.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٤٤٣.

٣٢٠