🚘

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

المؤلف:

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
ISBN الدورة:
2-7451-2221-5

الصفحات: ٥٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

اليمين رواه ابن جرير وكذا روي عن قتادة وغيره عن الشعبي نفسه ، وكذا قال غير واحد من السلف منهم الضحاك والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان ، وروى العوفي عن ابن عباس القصة مطولة.

وقال ابن جرير (١) : حدثنا سعيد بن يحيى ، حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال : قلت لعمر بن الخطاب : من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم مارية القبطية أصابها النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في بيت حفصة في نوبتها ، فوجدت حفصة : فقالت : يا نبي الله لقد جئت إليّ شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي قال : «ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها» قالت : بلى فحرمها وقال لها «لا تذكري ذلك لأحد» فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه فأنزل الله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ) الآيات كلها. فبلغنا أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كفر عن يمينه وأصاب جاريته.

وقال الهيثم بن كليب في مسنده : حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا جرير بن حازم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لحفصة : «لا تخبري أحدا وإن أم إبراهيم علي حرام» فقالت : أتحرم ما أحل الله لك؟ قال : «فو الله لا أقربها» قال : فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال : فأنزل الله تعالى : (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج.

وقال ابن جرير (٢) أيضا : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا هشام الدستوائي قال : كتب إلي يحيى يحدث عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير أن ابن عباس كان يقول في الحرام يمين تكفرها ، وقال ابن عباس (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب : ٢١] يعني أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حرم جاريته فقال الله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) ـ إلى قوله ـ (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) فكفر يمينه فصير الحرام يمينا ، ورواه البخاري (٣) عن معاذ بن فضالة عن هشام الدستوائي عن يحيى ، هو ابن أبي كثير ، عن ابن حكيم وهو يعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الحرام يمين تكفر وقال ابن عباس : (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ورواه مسلم (٤) من حديث هشام الدستوائي

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ١٤٩.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ١٤٩.

(٣) تفسير سورة ٦٦ ، باب ١.

(٤) كتاب الطلاق حديث ٢٠.

١٨١

به. وقال النسائي (١) : أنبأنا عبد الله بن عبد الصمد بن علي ، حدثنا مخلد وهو ابن يزيد ، حدثنا سفيان عن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتاه رجل فقال إني جعلت امرأتي علي حراما ، قال : كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا هذه الآية (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة ، تفرد به النسائي من هذا الوجه بهذا اللفظ.

وقال الطبراني : حدثنا محمد بن زكريا ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) قال : حرم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سريته ومن هاهنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة على من حرم جاريته أو زوجته أو طعاما أو شرابا أو ملبسا أو شيئا من المباحات ، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة ، وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية إذا حرم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما في قوله ، فأما إن نوى بالتحريم طلاق الزوجة أو عتق الأمة نفذ فيهما.

وقال ابن أبي حاتم حدثني أبو عبد الله الظهراني أنبأنا حفص بن عمر العدني أنبأنا الحكم بن أبان أنبأنا عكرمة عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهذا قول غريب ، والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل كما قال البخاري (٢) عند هذه الآية : حدثنا إبراهيم بن موسى أنبأنا هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت : كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها ، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له : أكلت مغافير إني أجد منك ريح مغافير ، قال : «لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا» (تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ) هكذا أورد هذا الحديث هاهنا بهذا اللفظ.

وقال في كتاب الأيمان والنذور (٣) : حدثنا الحسن بن محمد ، حدثنا الحجاج عن ابن جريج قال زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول : سمعت عائشة تزعم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا ، فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلتقل له إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير ، فدخل على إحداهما النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت ذلك له فقال : «لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له» فنزلت (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) ـ إلى قوله تعالى ـ (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) لعائشة وحفصة (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً) لقوله : «بل شربت عسلا» وقال

__________________

(١) كتاب الطلاق باب ١٦.

(٢) كتاب التفسير ، تفسير سورة ٦٦ ، باب ١.

(٣) كتاب الأيمان والنذور ، باب ٢٥.

١٨٢

إبراهيم بن موسى عن هشام : «ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا».

وهكذا رواه في كتاب الطلاق (١) بهذا الإسناد ولفظه قريب منه ، ثم قال : المغافير شبيه بالصمغ يكون في الرمث فيه حلاوة ، أغفر به الرمث إذا ظهر فيه ، واحدها مغفور ويقال مغافير ، وهكذا قال الجوهري قال وقد يكون المغفور أيضا للعشر والثمام والسلم والطلح ، قال والرمث بالكسر مرعى من مراعي الإبل وهو من المحض ، قال والعرفط شجر من العضاه ينضح المغفور منه.

وقد روى مسلم (٢) هذا الحديث في كتاب الطلاق من صحيحه عن محمد بن حاتم عن حجاج بن محمد عن ابن جريج ، أخبرني عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة به ، ولفظه كما أورده البخاري في الأيمان والنذور.

ثم قال البخاري (٣) في كتاب الطلاق : حدثنا فروة بن أبي المغراء ، حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحب الحلوى والعسل ، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن ، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس ، فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل ، فسقت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم منه شربة فقلت : أما والله لنحتالن له ، فقلت لسودة بنت زمعة : إنه سيدنو منك فإذا دنا منك فقولي أكلت مغافير فإنه سيقول لك لا ، فقولي له ما هذه الريح التي أجد فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل ، فقولي جرست نحله العرفط وسأقول لك ، وقولي له أنت يا صفية ذلك ، قالت : تقول سودة فو الله ما هو إلا أن قام على الباب ، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقا منك ، فلما دنا منها قالت له سودة : يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال : «لا» قالت : فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال : «سقتني حفصة شربة عسل» قالت : جرست نحله العرفط ، فلما دار إلي قلت نحو ذلك فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك ، فلما دار إلى حفصة قالت له : يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال : «لا حاجة لي فيه» قالت : تقول سودة والله لقد حرمناه ، قلت لها اسكتي ، هذا لفظ البخاري.

وقد رواه مسلم (٤) عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر به وعن أبي كريب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر ثلاثتهم عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن هشام بن عروة به ، وعنده قالت : وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح ، يعني الريح الخبيثة ، ولهذا قلن له أكلت مغافير لأن ريحها فيه شيء ، فلما قال : «بل شربت عسلا» قلن جرست نحله العرفط أي

__________________

(١) كتاب الطلاق باب ٨.

(٢) كتاب الطلاق حديث ٢١.

(٣) كتاب الطلاق باب ٨.

(٤) كتاب الطلاق حديث ٢٢.

١٨٣

رعت نحله شجر العرفط الذي صمغه المغافير ، فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته. قال الجوهري : جرست النحل العرفط تجرس إذا أكلته ، ومنه قيل للنحل جوارس ، قال الشاعر : [الطويل]

تظلّ على الثمراء منها جوارس (١)

وقال الجرس والجرس الصوت الخفي ، ويقال : سمعت جرس الطير إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله ، وفي الحديث «فيسمعون جرس طير الجنة» قال الأصمعي : كنت في مجلس شعبة ، قال : فيسمعون جرش طير الجنة بالشين فقلت جرس فنظر إلي فقال : خذوها عنه فإنه أعلم بهذا منا ، والغرض أن هذا السياق فيه أن حفصة هي الساقية للعسل ، وهو من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن خالته عائشة ، وفي طريق ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة أن زينب بنت جحش هي التي سقته العسل ، وأن عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه فالله أعلم. وقد يقال إنهما واقعتان ولا بعد في ذلك إلا أن كونهما سببا لنزول هذه الآية فيه نظر ، والله أعلم.

ومما يدل على أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما هما المتظاهرتان الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢) في مسنده حيث قال : حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس قال : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم اللتين قال الله تعالى : (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) حتى حج عمر وحججت معه ، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرز ، ثم أتاني فسكبت على يديه فتوضأ فقلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم اللتان قال الله تعالى : (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) فقال عمر : وا عجبا لك يا ابن عباس : قال الزهري: كره والله ما سألته عنه ولم يكتمه قال : هي عائشة وحفصة.

قال : ثم أخذ يسوق الحديث قال : كنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم قال : وكان منزلي في دار أمية بن زيد بالعوالي ، قال : فغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت :

__________________

(١) عجزه :

مراضيع صهب الرّيش زغب رقابها

والبيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص ٥١ ، ولسان العرب (رقب) ، (زغب) ، (ثمر) ، (جرس) ، (ريش) ، (رضع) ، والمخصص ١١ / ٦ ، والتنبيه والإيضاح ٢ / ٩٣ ، ٢٦٣ ، وتاج العروس (ثمر) ، (خرس) ، (رضع) ، وتهذيب اللغة ١٠ / ٥٧٩ ، ١٥ / ٨٥ ، وأساس البلاغة (جرس) ، وللهذلي في مجمل اللغة ١ / ٤٢١ ، وبلا نسبة في المخصص ٨ / ١٨١ ، ١٦ / ٤٢.

(٢) المسند ١ / ٣٣ ، ٣٤.

١٨٤

ما تنكر أن أراجعك فو الله إن أزواج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت : أتراجعين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : نعم. قلت : وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت : نعم. قلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر ، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت ، لا تراجعي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا تسأليه شيئا وسليني من مالي ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم ـ أي أجمل ـ وأحب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم منك ـ يريد عائشة ـ قال : وكان لي جار من الأنصار ، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ينزل يوما وأنزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره ، وآتيه بمثل ذلك.

قال : وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا ، فنزل صاحبي يوما ثم أتى عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه فقال : حدث أمر عظيم ، فقلت : وما ذاك أجاءت غسان؟ قال : لا بل أعظم من ذلك وأطول طلق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نساءه. فقلت : قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن هذا كائنا حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي ، ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت : أطلقكن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : لا أدري هو هذا معتزل في هذه المشربة ، فأتيت غلاما له أسود فقلت استأذن لعمر ، فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال : ذكرتك له فصمت ، فانطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم ، فجلست عنده قليلا ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج فقال : قد ذكرتك له فصمت ، فخرجت ، فجلست إلى المنبر ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج إلي فقال : قد ذكرتك له ، فصمت ، فوليت مدبرا ، فإذا الغلام يدعوني فقال : ادخل قد أذن لك ، فدخلت فسلمت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإذا هو متكئ على رمال الحصير ـ قال الإمام أحمد : وحدثناه يعقوب في حديث صالح قال : رمال حصير ـ وقد أثر في جنبه فقلت : أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال : «لا» فقلت : الله أكبر. ولو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فغضبت علي امرأتي يوما فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن تراجعني فقالت : ما تنكر أن أراجعك؟ فو الله إن أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليراجعنه ، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، فقلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت ، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله فإذا هي قد هلكت.

فتبسم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلت : يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم منك. فتبسم أخرى ، فقلت : استأنس يا رسول الله ، قال : «نعم» فجلست فرفعت رأسي في البيت ، فو الله ما رأيت في البيت شيئا يرد البصر إلا أهبة مقامه ، فقلت : ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك ، فقد وسع على فارس

١٨٥

والروم وهم لا يعبدون الله ، فاستوى جالسا وقال : «أفي شك أنت يا ابن الخطاب. أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» (١) فقلت استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله عزوجل.

وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري به ، وأخرجه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبيد بن حنين ، عن ابن عباس ، قال : مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له ، حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له ، قال : فوقفت حتى فرغ ثم سرت معه ، فقلت : يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. هذا لفظ البخاري ، ولمسلم : من المرأتان اللتان قال الله تعالى : (وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ) قال عائشة وحفصة ، ثم ساق الحديث بطوله ومنهم من اختصره.

وقال مسلم (٢) أيضا : حدثني زهير بن حرب ، حدثنا عمر بن يونس الحنفي ، حدثنا عكرمة بن عمار عن سماك بن الوليد أبي زميل ، حدثني عبد الله بن عباس ، حدثني عمر بن الخطاب ، قال : لما اعتزل نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نساءه دخلت المسجد ، فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نساءه ، وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب فقلت لأعلمن ذلك اليوم ، فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة ووعظه إياهما ، إلى أن قال : فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أسكفة المشربة ، فناديت فقلت : يا رباح استأذن لي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فذكر نحو ما تقدم ـ إلى أن قال ـ فقلت : يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء ، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك ، وقلما تكلمت ـ وأحمد الله ـ بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي ، فنزلت هذه الآية آية التخيير (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَ وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) فقلت : أطلقتهن؟ قال : «لا» فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق نساءه. ونزلت هذه الآية (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء : ٨٣] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.

وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومقاتل بن حيان والضحاك وغيرهم (وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) أبو بكر وعمر ، زاد الحسن البصري وعثمان ، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد (وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) قال : علي بن أبي طالب.

__________________

(١) أخرجه البخاري في النكاح باب ٨٣ ، والمظالم باب ٢٥ ، ومسلم في الطلاق حديث ٣٦ ، والترمذي في تفسير سورة ٦٦.

(٢) كتاب الطلاق حديث ٣٠.

١٨٦

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن أبي عمر ، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، قال : أخبرني رجل ثقة يرفعه إلى علي قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في قوله تعالى : (وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) قال : «هو علي بن أبي طالب» إسناده ضعيف وهو منكر جدا.

وقال البخاري (١) : حدثنا عمرو بن عون ، حدثنا هشيم عن حميد عن أنس قال : قال عمر : اجتمع نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الغيرة عليه ، فقلت لهن (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَ) فنزلت هذه الآية ، وقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكن : منها في نزول الحجاب ، ومنها في أسارى بدر ، ومنها قوله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فأنزل الله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الأنصاري ، حدثنا حميد عن أنس قال : قال عمر بن الخطاب : بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فاستقريتهن أقول : لتكفن عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن ، حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين فقالت : يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن ، فأمسكت فأنزل الله عزوجل (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً) وهذه المرأة التي ردته عما كان فيه من وعظ النساء هي أم سلمة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري.

وقال الطبراني : حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني ، حدثنا إسماعيل البجلي ، حدثنا أبو عوانة عن أبي سنان عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً) قال : دخلت حفصة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في بيتها وهو يطأ مارية ، فقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم: «لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة. إن أباك يلي الأمر من بعد أبي بكر إذا أنا مت» فذهبت حفصة فأخبرت عائشة ، فقالت عائشة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من أنبأك هذا؟ قال : (نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) فقالت عائشة : لا أنظر إليك حتى تحرم مارية ، فحرمها ، فأنزل الله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ) إسناده فيه نظر وقد تبين مما أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات.

ومعنى قوله : (مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ) ظاهر. وقوله تعالى : (سائِحاتٍ) أي : صائمات ، قاله أبو هريرة وعائشة وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء ، ومحمد بن كعب القرظي وأبو عبد الرّحمن السلمي وأبو مالك وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وغيرهم ، وتقدم فيه حديث مرفوع عند قوله : (السَّائِحُونَ) في سورة براءة ، ولفظه «سياحة هذه الأمة الصيام» وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرّحمن (سائِحاتٍ) أي مهاجرات ، وتلا عبد الرّحمن (السَّائِحُونَ) ، أي المهاجرون ،

__________________

(١) كتاب التفسير سورة ٦٦ ، باب ١.

١٨٧

والقول الأول أولى ، والله أعلم.

وقوله تعالى : (ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً) أي منهن ثيبات ومنهن أبكارا ليكون ذلك أشهى إلى النفس ، فإن التنوع يبسط النفس ، ولهذا قال : (ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً) وقال أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير : حدثنا أبو بكر بن صدقة ، حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق ، حدثنا عبد الله بن أمية ، حدثنا عبد القدوس عن صالح بن حيان ، عن ابن بريدة ، عن أبيه (ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً) قال : وعد الله نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذه الآية أن يزوجه ، فالثيب آسية امرأة فرعون وبالأبكار مريم بنت عمران. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة مريم عليها‌السلام من طريق سويد بن سعيد : حدثنا محمد بن صالح بن عمر عن الضحاك ومجاهد عن ابن عمر قال : جاء جبريل إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فمرت خديجة فقال : إن الله يقرئها السّلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب لا نصب فيه ولا صخب ، من لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم.

ومن حديث أبي بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم دخل على خديجة وهي في الموت فقال : «يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السّلام» ، فقالت : يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهل تزوجت قبلي؟ قال : «لا ، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وكلثم أخت موسى» ضعيف أيضا ، وقال أبو يعلى : حدثنا إبراهيم بن عرعرة ، حدثنا عبد النور بن عبد الله ، حدثنا يوسف بن شعيب عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أعلمت أن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون؟» فقلت : هنيئا لك يا رسول الله ، وهذا أيضا ضعيف وروي مرسلا عن ابن أبي داود.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٨)

قال سفيان الثوري عن منصور عن رجل عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى : (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً) يقول : أدبوهم وعلموهم (١). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً) يقول اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله ، وأمروا أهليكم بالذكر ينجكم الله من النار ، وقال مجاهد (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً) قال اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله ، وقال قتادة تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله وأن تقوم عليهم بأمر الله

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ١٢ / ١٥٧.

١٨٨

وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها وزجرتهم عنها ، وهكذا قال الضحاك ومقاتل : حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه.

وفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبد الملك ابن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» (١) هذا لفظ أبي داود ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثل ذلك ، قال الفقهاء وهكذا في الصوم ليكون ذلك تمرينا له على العبادة لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر ، والله الموفق.

وقوله تعالى : (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) وقودها أي حطبها الذي يلقى فيها جثث بني آدم (وَالْحِجارَةُ) قيل المراد بها الأصنام التي تعبد لقوله تعالى : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [الأنبياء : ٩٨] وقال ابن مسعود ومجاهد وأبو جعفر الباقر والسدي ، هي حجارة من كبريت ، زاد مجاهد : أنتن من الجيفة ، وروى ذلك ابن أبي حاتم رحمه‌الله ثم قال حدثنا أبي حدثنا عبد الرّحمن بن سنان المنقري حدثنا عبد العزيز ـ يعني ابن أبي روّاد ـ قال : بلغني أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تلا هذه الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) وعنده بعض أصحابه وفيهم شيخ فقال الشيخ : يا رسول الله حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «والذي نفسي بيده لصخرة من صخر جهنم أعظم من جبال الدنيا كلها» قال : فوقع الشيخ مغشيا عليه ، فوضع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يده على فؤاده فإذا هو حي فناداه قال : «يا شيخ قل لا إله إلا الله» فقالها فبشره بالجنة. قال : فقال أصحابه يا رسول الله أمن بيننا؟ قال : «نعم يقول الله تعالى : (ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ) [إبراهيم : ١٤] هذا حديث مرسل غريب.

وقوله تعالى : (عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ) أي طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله (شِدادٌ) أي تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج. كما قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي عن عكرمة أنه قال : إذا وصل أول أهل النار إلى النار وجدوا على الباب أربعمائة ألف من خزنة جهنم سود وجوههم ، كالحة أنيابهم ، قد نزع الله من قلوبهم الرحمة ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة ، لو طير الطير من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر ثم يجدون على الباب التسعة عشر ، عرض صدر أحدهم سبعون خريفا ثم يهوون من باب إلى باب خمسمائة سنة

__________________

(١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٢٦ ، والترمذي في المواقيت باب ١٨٢ ، والدارمي في الصلاة باب ١٤١ ، وأحمد في المسند ٣ / ٤٠٤.

١٨٩

ثم يجدون على كل باب منها مثل ما وجدوا على الباب الأول حتى ينتهوا إلى آخرها.

وقوله : (لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) أي مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه لا يتأخرون عنه طرفة عين وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه ، وهؤلاء هم الزبانية ـ عياذا بالله منهم ـ وقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي يقال للكفرة يوم القيامة : لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم ، ثم قال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) أي توبة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات ، وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات.

قال ابن جرير (١) : حدثنا ابن مثنى حدثنا محمد ، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب : سمعت النعمان بن بشير يخطب ، سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) قال : يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه ، وقال الثوري عن سماك عن النعمان عن عمر قال : التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه أو لا يريد أن يعود فيه. وقال أبو الأحوص وغيره عن سماك عن النعمان : سئل عمر عن التوبة النصوح فقال : أن يتوب الرجل من العمل السيئ ثم لا يعود إليه أبدا. وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله (تَوْبَةً نَصُوحاً) قال : يتوب ثم لا يعود.

وقد روي هذا مرفوعا فقال الإمام أحمد (٢) : حدثنا علي بن عاصم عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «التوبة من الذنب أن يتوب منه ثم لا يعود فيه» تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري ، وهو ضعيف ، والموقوف أصح والله أعلم. ولهذا قال العلماء : التوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر ويندم على ما سلف منه في الماضي ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل ، ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه.

قال الإمام أحمد (٣) : حدثنا سفيان عن عبد الكريم ، أخبرني زياد بن أبي مريم عن عبد الله بن معقل قال : دخلت مع أبي على عبد الله بن مسعود فقال : أنت سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «الندم توبة؟» قال : نعم وقال مرة : نعم سمعته يقول : «الندم توبة» (٤) ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار عن سفيان بن عيينة عن عبد الكريم وهو ابن مالك الجزري به.

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ١٥٨.

(٢) المسند ١ / ٤٤٦.

(٣) المسند ١ / ٣٧٦.

(٤) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب ٣٠.

١٩٠

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثني الوليد بن بكير أبو خباب عن عبد الله بن محمد العدوي عن أبي سنان البصري عن أبي قلابة ، عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال : قيل لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة ، منها نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها ، وذلك مما حرم الله عليه ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله ومنها نكاح الرجل الرجل وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله ، ومنها نكاح المرأة المرأة وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله ، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحا.

قال زر : فقلت لأبي بن كعب : فما التوبة النصوح؟ فقال : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك فقال : «هو الندم على الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر ثم لا تعود إليه أبدا». وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا عباد بن عمرو حدثنا أبو عمرو بن العلاء سمعت الحسن يقول : التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته وتستغفر منه إذا ذكرته ، فأما إذا جزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجب ما قبلها من الخطيئات ، كما ثبت في الصحيح «الإسلام يجب ما قبله ، والتوبة تجب ما قبلها» (١) وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات ـ كما تقدم في الحديث وفي الأثر ـ ثم لا يعود فيه أبدا. أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارا في تكفير ما تقدم لعموم قوله عليه‌السلام : «التوبة تجب ما قبلها؟» وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضا «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» (٢) فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة فالتوبة بطريق الأولى ، والله أعلم.

وقوله تعالى : (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) وعسى من الله موجبة (يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) أي ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة (نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) كما تقدم في سورة الحديد (يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم : ٨] قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم : هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفئ. وقال الإمام أحمد (٣) : حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني ، حدثنا ابن المبارك عن يحيى بن حسان عن رجل من بني كنانة قال : صليت خلف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عام الفتح فسمعته يقول : «اللهم لا تخزني يوم القيامة».

__________________

(١) أخرجه أحمد في المسند ٤ / ١٩٩ ، ٢٠٤ ، ٢٠٥.

(٢) أخرجه البخاري في المرتدين باب ١ ، ومسلم في الإيمان حديث ١٨٩ ، ١٩٠.

(٣) المسند ٤ / ٢٣٤.

١٩١

وقال محمد بن نصر المروزي : حدثنا محمد بن مقاتل المروزي ، حدثنا ابن المبارك ، أنبأنا ابن لهيعة ، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرّحمن بن جبير بن نفير أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة ، وأول من يؤذن له برفع رأسه ، فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم ، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم ، فقال رجل : يا رسول الله ، وكيف تعرف أمتك من بين الأمم؟ قال : غر محجلون من آثار الطهور ولا يكون من الأمم كذلك غيرهم ، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود ، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم» (١).

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(٩) ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (١٠)

يقول تعالى آمرا رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بجهاد الكفار والمنافقين ، هؤلاء بالسلاح والقتال ، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) أي في الدنيا (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي في الآخرة ثم قال تعالى : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم أن ذلك لا يجدي عنهم شيئا ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلا في قلوبهم ، ثم ذكر المثل فقال : (امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ) أي نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلا ونهارا يؤاكلان ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط (فَخانَتاهُما) أي في الإيمان لم يوافقاهما على الإيمان ولا صدقاهما في الرسالة ، فلم يجد ذلك كله شيئا ولا دفع عنهما محذورا ، ولهذا قال تعالى : (فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً) أي لكفرهما (وَقِيلَ) أي للمرأتين (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) وليس المراد بقوله : (فَخانَتاهُما) في فاحشة بل في الدين ، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء كما قدمنا في سورة النور.

قال سفيان الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قتّة : سمعت ابن عباس يقول في هذه الآية (فَخانَتاهُما) قال : ما زنتا ، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون ، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه ، وقال العوفي عن ابن عباس قال : كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما ، فكانت امرأة نوح تطلع على سر نوح فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به ، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء.

__________________

(١) أخرجه أحمد في المسند ٥ / ١٩٩.

١٩٢

وقال الضحاك عن ابن عباس : ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين ، وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم ، وقد استدل بهذه الآية الكريمة بعض العلماء على ضعف الحديث الذي يأثره كثير من الناس : من أكل مع مغفور له غفر له. وهذا الحديث لا أصل له وإنما يروى هذا عن بعض الصالحين أنه رأى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في المنام فقال : يا رسول الله أنت قلت من أكل مع مغفور له غفر له؟ قال : لا ولكني الآن أقوله.

(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) (١٢)

وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم كما قال تعالى : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) [آل عمران : ٢٨] قال قتادة : كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم فو الله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها ، ليعلموا أن الله تعالى حكم عدل لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه. وقال ابن جرير (١) : حدثنا إسماعيل بن حفص الإربليّ ، حدثنا محمد بن جعفر عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سليمان قال : كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس ، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها ، وكانت ترى بيتها في الجنة ، ثم رواه عن محمد بن عبيد المحاربي عن أسباط بن محمد عن سليمان التيمي به.

ثم قال ابن جرير (٢) : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية عن هشام الدستوائي ، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال : كانت امرأة فرعون تسأل من غلب؟ فيقال : غلب موسى وهارون ، فتقول : آمنت برب موسى وهارون ، فأرسل إليها فرعون فقال : انظروا أعظم صخرة تجدونها ، فإن مضت على قولها فألقوها عليها ، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته ، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها في الجنة ، فمضت على قولها وانتزعت روحها وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح ، فقولها (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ) قالت العلماء : اختارت الجار قبل الدار ، وقد ورد شيء من ذلك في حديث مرفوع (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) أي خلصني منه فإني أبرأ إليك من عمله (وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم رضي الله عنها.

وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال : كان إيمان امرأة فرعون من قبل إيمان امرأة خازن فرعون ، وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون فوقع المشط من يدها

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ١٦٢.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ١٦٢.

١٩٣

فقالت : تعس من كفر بالله! فقالت لها بنت فرعون : ولك رب غير أبي؟ قالت : ربي ورب أبيك ورب كل شيء الله ، فلطمتها بنت فرعون وضربتها وأخبرت أباها ، فأرسل فرعون إليها فقال: تعبدين ربا غيري؟ قالت : نعم ربي وربك ورب كل شيء الله وإياه أعبد ، فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها وأرسل عليها الحيات ، فكانت كذلك ، فأتى عليها يوما فقال لها : ما أنت منتهية؟ فقالت له : ربي وربك ورب كل شيء الله.

فقال لها : إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي فقالت له : اقض ما أنت قاض ، فذبح ابنها في فيها ، وإن روح ابنها بشرها فقال لها : أبشري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا ، فصبرت ثم أتى عليها فرعون يوما آخر فقال لها مثل ذلك ، فقالت له مثل ذلك ، فذبح ابنها الآخر في فيها ، فبشرها روحه أيضا وقال لها : اصبري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا ، قال : وسمعت امرأة فرعون كلام روح ابنها الأكبر ثم الأصغر ، فآمنت امرأة فرعون وقبض الله روح امرأة خازن فرعون ، وكشف الغطاء عن ثوابها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت ، فازدادت إيمانا ويقينا وتصديقا فأطلع الله فرعون على إيمانها فقال للملأ : ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها فقال لهم : إنها تعبد غيري ، فقالوا له : اقتلها.

فأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها فدعت آسية ربها فقالت (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ) فوافق ذلك أن حضرها فرعون ، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة ، فقال فرعون : ألا تعجبون من جنونها إنا نعذبها وهي تضحك ، فقبض الله روحها في الجنة رضي الله عنها.

وقوله تعالى : (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) أي حفظته وصانته ، والإحصان هو العفاف والحرية (فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) أي بواسطة الملك وهو جبريل فإن الله بعثه إليها فتمثل لها في صورة بشر سوي ، وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب درعها ، فنزلت النفخة فولجت في فرجها فكان منه الحمل بعيسى عليه‌السلام ، ولهذا قال تعالى : (فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ) أي بقدره وشرعه (وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ).

قال الإمام أحمد (١) : حدثنا يونس ، حدثنا داود بن أبي الفرات عن علباء عن عكرمة عن ابن عباس قال : خط رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الأرض أربعة خطوط وقال : «أتدرون ما هذا؟» قالوا : الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أفضل نساء أهل الجنة : خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون».

وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على

__________________

(١) المسند ١ / ٢٩٣.

١٩٤

سائر الطعام» (١). وقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وألفاظها والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم عليهما‌السلام في كتابنا [البداية والنهاية] ولله الحمد والمنة ، وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية بنت مزاحم من أزواجه عليه‌السلام في الجنة عند قوله تعالى (ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً).

آخر تفسير سورة التحريم ، ولله الحمد والمنة.

تفسير سورة الملك

وهي مكية

قال الإمام أحمد (٢) : حدثنا حجاج بن محمد وابن جعفر قالا : حدثنا شعبة عن قتادة عن عباس الجشمي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له : (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) (٣) ورواه أهل السنن الأربعة من حديث شعبة به ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، وقد روى الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد أبي عبد الله القرشي النيسابوري المقري الزاهد الفقيه ، أحد الثقات الذين روى عنهم البخاري ومسلم لكن في غير الصحيحين.

وروى عنه الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وعليه تفقه في مذهب أبي عبيد بن حربويه وخلق سواهم ، ساق بسنده من حديثه عن فرات بن السائب عن الزهري عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن رجلا ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تبارك ، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه ، فقال لها إنك من كتاب الله وأنا أكره مساءتك ، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضرا ولا نفعا ، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الرب تبارك وتعالى فاشفعي له ، فتنطلق إلى الرب فتقول يا رب إن فلانا عمد إلي من بين كتابك فتعلمني وتلاني ، أفتحرقه أنت بالنار وتعذبه وأنا في جوفه؟ فإن كنت فاعلا ذاك به فامحني من كتابك فيقول ألا أراك غضبت ، فتقول وحق لي أن أغضب فيقول اذهبي فقد وهبته لك وشفعتك فيه ـ قال ـ فتجيء فتزجر الملك ، فيخرج كاسف البال لم يحل منه بشيء ـ قال ـ فتجيء فتضع فاها على فيه فتقول مرحبا بهذا الفم فربما تلاني ، مرحبا بهذا الصدر فربما وعاني ، ومرحبا بهاتين القدمين فربما قامتا بي ، وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه» قال : فلما حدث بهذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد إلا تعلمها وسماها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم المنجية.

__________________

(١) أخرجه البخاري الأنبياء ، باب ، ٣٢ ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٧٠.

(٢) المسند ٢ / ٢٩٩ ، ٣٢١.

(٣) أخرجه الترمذي في ثواب القرآن باب ٩ ، وابن ماجة في الأدب باب ٥٢.

١٩٥

قلت وهذا حديث منكر جدا وفرات بن السائب هذا ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم والدارقطني وغير واحد ، وقد ذكره ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري من قوله مختصرا ، وروى البيهقي في كتاب إثبات عذاب القبر عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا ما يشهد لهذا ، وقد كتبناه في كتاب الجنائز من الأحكام الكبرى ولله الحمد والمنة.

وقد روى الطبراني والحافظ الضياء المقدسي من طريق سلام بن مسكين عن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة : (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ). وقال الترمذي : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا يحيى بن مالك النكري عن أبيه عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس قال : ضرب بعض أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر ، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها ، فأتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك : تبارك حتى ختمها ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» ثم قال : هذا حديث غريب من هذا الوجه وفي الباب عن أبي هريرة ، ثم روى الترمذي أيضا من طريق ليث بن أبي سليم عن أبي الزبير عن جابر أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان لا ينام حتى يقرأ : (الم تَنْزِيلُ) ، و (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ، وقال ليث عن طاوس : يفضلان كل سورة في القرآن بسبعين حسنة.

وقال الطبراني : حدثنا محمد بن الحسن بن علاف الأصبهاني ، حدثنا سلمة بن شبيب ، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي» يعني (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ، هذا الحديث غريب وإبراهيم ضعيف ، وقد تقدم مثله في سورة يس ، وقد روى هذا الحديث عبد بن حميد في مسنده بأبسط من هذا فقال : حدثنا إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لرجل : ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال : بلى ، قال : اقرأ (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك ، فإنها المنجية والمجادلة تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها ، وتطلب له أن ينجيه من عذاب النار وينجي بها صاحبها من عذاب القبر ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ)(٥)

١٩٦

يمجد تعالى نفسه الكريمة ويخبر أنه بيده الملك أي هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله ، ولهذا قال تعالى : (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ثم قال تعالى : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) واستدل بهذه الآية من قال إن الموت أمر وجودي ، لأنه مخلوق ، ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم ليبلوهم أي يختبرهم أيهم أحسن عملا ، كما قال تعالى : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ) [البقرة : ٢٨] فسمى الحال الأول وهو العدم موتا وسمى هذه النشأة حياة ، ولهذا قال تعالى : (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ).

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا خليد عن قتادة في قوله تعالى : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء» ورواه معمر عن قتادة.

وقوله تعالى : (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) أي خير عملا كما قال محمد بن عجلان، ولم يقل أكثر عملا ثم قال تعالى : (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) أي هو العزيز العظيم المنيع الجناب ، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب بعد ما عصاه وخالف أمره ، وإن كان تعالى عزيزا هو مع ذلك يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز ، ثم قال تعالى : (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً) أي طبقة بعد طبقة وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض أو متفاصلات بينهن خلاء ، فيه قولان أصحهما الثاني كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره.

وقوله تعالى : (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) أي بل هو مصطحب مستو ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة ولا نقص ولا عيب ولا خلل ، ولهذا قال تعالى : (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) أي انظر إلى السماء فتأملها هل ترى فيها عيبا أو نقصا أو خللا أو فطورا ، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والثوري وغيرهم في قوله تعالى : (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) أي شقوق (١) ، وقال السدي (هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) أي من خروق ، وقال ابن عباس في رواية (مِنْ فُطُورٍ) أي من وهاء ، وقال قتادة (هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) أي هل ترى خللا يا ابن آدم.

وقوله تعالى : (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) قال قتادة : مرتين (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً) قال ابن عباس : ذليلا ، وقال مجاهد وقتادة : صاغرا (وَهُوَ حَسِيرٌ) قال ابن عباس: يعني وهو كليل ، وقال مجاهد وقتادة والسدي : الحسير المنقطع من الإعياء ، ومعنى الآية أنك لو كررت البصر مهما كررت لانقلب إليك أي لرجع إليك البصر (خاسِئاً) عن أن يرى عيبا أو خللا

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ١٢ / ١٦٥.

١٩٧

(وَهُوَ حَسِيرٌ) أي كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر ولا يرى نقصا ، ولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال : (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ) وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت.

وقوله تعالى : (وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) عاد الضمير في قوله (وَجَعَلْناها) على جنس المصابيح لا على عينها لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء بل بشهب من دونها وقد تكون مستمدة منها ، والله أعلم. وقوله تعالى : (وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ) أي جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا وأعتدنا لهم عذاب السعير في الآخرة كما قال تعالى في أول الصافات : (إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ) [الصافات : ٦ ـ ١٠] قال قتادة : إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال خلقها الله زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به ، رواه ابن جرير (١) وابن أبي حاتم.

(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ)(١١)

يقول تعالى : (وَ) أعتدنا (لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي بئس المآل والمنقلب (إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً) قال ابن جرير (٢) : يعني الصياح (وَهِيَ تَفُورُ) قال الثوري : تغلي بهم كما يغلي الحب القليل في الماء الكثير.

وقوله تعالى : (تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) أي تكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غيظها عليهم وحنقها بهم (كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) يذكر تعالى عدله في خلقه ، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه كما قال تعالى : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) [الإسراء : ١٥] وقال تعالى : (حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ) [الزمر : ٧١] وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة وندموا حيث

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ١٦٦.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ١٦٧ ، ولفظه : يعني بالشهيق : الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار.

١٩٨

لا تنفعهم الندامة فقالوا : (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) أي لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزله الله من الحق ، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله والاغترار به ، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل ، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم. قال الله تعالى : (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ).

قال الإمام أحمد (١) : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي قال : أخبرني من سمعه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم» وفي حديث آخر «لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة».

(إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)(١٥)

يقول تعالى مخبرا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبا عن الناس ، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى بأنه له مغفرة وأجر كبير أي تكفر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل ، كما ثبت في الصحيحين «سبعة يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» فذكر منهم رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ، ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه (٢).

وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا طالوت بن عباد ، حدثنا الحارث بن عبيد عن ثابت عن أنس قال : قالوا يا رسول الله ، إنا نكون عندك على حال فإذا فارقناك كنا على غيره قال : «كيف أنتم وربكم؟» قالوا : الله ربنا في السر والعلانية ، قال : «ليس ذلكم النفاق» لم يروه عن ثابت إلا الحارث بن عبيد فيما نعلمه ، ثم قال منبها على أنه مطلع على الضمائر والسرائر (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) أي بما يخطر في القلوب.

(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) أي ألا يعلم الخالق ، وقيل معناه ألا يعلم الله مخلوقه؟ والأول أولى لقوله : (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ، ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم بأن جعلها قارة ساكنة لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال وأنبع فيها من العيون ، وسلك فيها من السبل ، وهيأ فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار فقال تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها) أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات ، واعلموا أن سعيكم لا يجدي

__________________

(١) المسند ٤ / ٢٦٠ ، ٥ / ٢٩٣.

(٢) أخرجه البخاري في الأذان باب ٣٦ ، ومسلم في الزكاة حديث ٩١.

١٩٩

عليكم شيئا إلا أن ييسره الله لكم.

ولهذا قال تعالى : (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) فالسعي في السبب لا ينافي التوكل كما قال الإمام أحمد (١) : حدثنا أبو عبد الرّحمن ، حدثنا حيوة ، أخبرني بكر بن عمرو أنه سمع عبد الله بن هبيرة يقول : إنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول : إنه سمع عمر بن الخطاب يقول : إنه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا (٢) وتروح بطانا» (٣) رواه (٤) الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث ابن هبيرة ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، فأثبت لها رواحا وغدوا لطلب الرزق مع توكلها على الله عزوجل وهو المسخر المسير المسبب.

(وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) أي المرجع يوم القيامة. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة : (مَناكِبِها) أطرافها وفجاجها ونواحيها ، وقال ابن عباس وقتادة أيضا : (مَناكِبِها) الجبال ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن حكام الأزدي ، حدثنا شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية (فَامْشُوا فِي مَناكِبِها) فقال لأم ولد له : إن علمت (مَناكِبِها) فأنت عتيقة فقالت : هي الجبال ، فسأل أبا الدرداء فقال : هي الجبال.

(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) (١٩)

وهذه أيضا من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم بسبب كفر بعضهم به وعبادتهم معه غيره ، وهو مع هذا يحلم ويصفح ويؤجل ولا يعجل كما قال تعالى : (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً) [فاطر : ٤٥] وقال هاهنا (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ) أي تذهب وتجيء وتضطرب (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً) أي ريحا فيها حصباء تدمغكم كما قال تعالى : (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً) [الإسراء : ٦٨] وهكذا توعدهم هاهنا بقوله (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) أي كيف يكون إنذاري وعاقبة من تخلف عنه وكذب به.

ثم قال تعالى : (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي من الأمم السالفة والقرون الخالية

__________________

(١) المسند ١ / ٣٠ ، ٥٢.

(٢) الخماص : الجياع.

(٣) البطان : امتلاء البطن ، والشبع.

(٤) أخرجه الترمذي في الزهد باب ٣٣ ، وابن ماجة في الزهد باب ١٤.

٢٠٠