🚘

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

المؤلف:

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
ISBN الدورة:
2-7451-2221-5

الصفحات: ٥٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

النجوى صدقة فلما نزلت الزكاة نسخ هذا وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى شقوا عليه ، فأراد الله أن يخفف عن نبيه عليه‌السلام ، فلما قال ذلك جبن كثير من المسلمين وكفوا عن المسألة ، فأنزل الله بعد هذا (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) فوسع الله عليهم ولم يضيق.

وقال عكرمة والحسن البصري في قوله تعالى : (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) نسختها الآية التي بعدها (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ) إلى آخرها. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ومقاتل بن حيان : سأل الناس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى أحفوه بالمسألة ففطمهم الله بهذه الآية ، فكان الرجل منهم إذا كانت له الحاجة إلى نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة ، فاشتد ذلك عليهم ، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

وقال معمر عن قتادة (إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) إنها منسوخة ما كانت إلا ساعة من نهار. وهكذا روى عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن أيوب عن مجاهد قال علي : ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت ، وأحسبه قال : وما كانت إلا ساعة.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ)(١٩)

يقول الله تعالى منكرا على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن. وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين كما قال تعالى : (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) [النساء : ١٤٣] وقال هاهنا : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) يعني اليهود الذين كان المنافقون يمالئونهم ويوالونهم في الباطن ثم قال تعالى : (ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ) أي هؤلاء المنافقون ليسوا في الحقيقة لا منكم أيها المؤمنون ، ولا من الذين يوالونهم وهم اليهود ، ثم قال تعالى : (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) يعني المنافقين يحلفون على الكذب ، وهم عالمون بأنهم كاذبون فيما حلفوا وهي اليمين الغموس ، ولا سيما في مثل حالهم اللعين عياذا بالله منه ، فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا جاءوا الرسول حلفوا له بالله أنهم مؤمنون ، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به ، لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه وإن كان في نفس الأمر مطابقا ، ولهذا شهد الله

٨١

بكذبهم في أيمانهم وشهادتهم لذلك.

ثم قال تعالى : (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة وهي موالاة الكافرين ونصحهم ومعاداة المؤمنين ، وغشهم ، ولهذا قال تعالى : (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر واتقوا بالأيمان الكاذبة ، فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم فاغتر بهم ، فحصل بهذا صد عن سبيل الله لبعض الناس (فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) أي في مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة.

ثم قال تعالى : (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً) أي لن يدفع ذلك عنهم بأسا إذا جاءهم (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ثم قال تعالى : (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً) أي يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم فلا يغادر منهم أحدا (فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ) أي يحلفون بالله عزوجل أنهم كانوا على الهدى والاستقامة كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه ، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة ولهذا قال : (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ) أي حلفهم بذلك لربهم عزوجل.

ثم قال تعالى : منكرا عليهم حسبانهم (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) فأكد الخبر عنهم بالكذب. وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل ، حدثنا زهير عن سماك بن حرب ، حدثني سعيد بن جبير ، أن ابن عباس حدثه أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان في ظل حجره من حجره وعنده نفر من المسلمين قد كاد يقلص عنهم الظل قال : «إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني شيطان فإذا أتاكم فلا تكلموه» فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله فكلمه فقال : «علام تشتمني أنت وفلان وفلان» نفر دعاهم بأسمائهم ، قال فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا له واعتذروا إليه ، قال فأنزل الله عزوجل (فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ).

وهكذا رواه الإمام أحمد (١) من طريقين عن سماك به ، ورواه ابن جرير (٢) عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن سماك به نحوه ، وأخرجه أيضا من حديث سفيان الثوري عن سماك بنحوه إسناد جيد ولم يخرجوه ، وحال هؤلاء كما أخبر الله تعالى عن المشركين حيث يقول : (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) [الأنعام : ٢٣ ـ ٢٤].

ثم قال تعالى : (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ) أي استحوذ على قلوبهم الشيطان

__________________

(١) المسند ١ / ٢٤٠ ، ٢٦٧ ، ٣٥٠.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٢٤.

٨٢

حتى أنساهم أن يذكروا الله عزوجل ، وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه ، ولهذا قال أبو داود : حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زائدة ، حدثنا السائب بن حبيش عن معدان بن أبي طلحة اليعمري ، عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية» (١) قال زائدة: قال السائب : يعني الصلاة في الجماعة. ثم قال تعالى : (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ) يعني الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ثم قال تعالى : (أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ).

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(٢٢)

يقول تعالى مخبرا عن الكفار المعاندين المحادين لله ورسوله ، يعني الذين هم في حد والشرع في حد ، أي مجانبون للحق مشاقون له هم في ناحية والهدى في ناحية (أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) أي في الأشقياء المبعدين المطرودين عن الصواب الأذلين في الدنيا والآخرة. (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) أي قد حكم وكتب في كتابه الأول وقدره الذي لا يخالف ولا يمانع ولا يبدل ، بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة و (إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) كما قال تعالى : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [غافر : ٥١ ـ ٥٢].

وقال هاهنا : (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) أي كتب القوي العزيز أنه الغالب لأعدائه ، وهذا قدر محكم وأمر مبرم أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في الدنيا والآخرة ثم قال تعالى : (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) أي لا يوادّون المحادّين ولو كانوا من الأقربين كما قال تعالى : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) [آل عمران : ٢٨] الآية.

وقال الله تعالى : (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى

__________________

(١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ٤٦.

٨٣

يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) [التوبة : ٢٤] وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره : أنزلت هذه الآية (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر ، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة رضي الله عنهم : ولو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته. وقيل في قوله تعالى : (وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ) نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر (أَوْ أَبْناءَهُمْ) في الصديق هم يومئذ بقتل ابنه عبد الرّحمن (أَوْ إِخْوانَهُمْ) في مصعب بن عمير ، قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ (أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) في عمر قتل قريبا له يومئذ أيضا ، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ ، فالله أعلم.

قلت : ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله المسلمين في أسارى بدر ، فأشار الصديق بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين ، وهم بنو العم والعشيرة ، ولعل الله تعالى أن يهديهم ، وقال عمر : أرى ما أرى ، يا رسول الله هل تمكنني من فلان قريب لعمر فأقتله ، وتمكن عليا من عقيل وتمكن فلانا من فلان ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين القصة بكمالها. وقوله تعالى : (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) أي من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه ، فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان أي كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته. قال السدي : (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ) جعل في قلوبهم الإيمان. وقال ابن عباس (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) أي قواهم.

وقوله تعالى : (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) كل هذا تقدم تفسيره غير مرة ، وفي قوله تعالى : (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) سر بديع وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم. وقوله تعالى : (أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي هؤلاء حزب الله أي عباد الله وأهل كرامته. وقوله تعالى : (أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة في مقابلة ما ذكر عن أولئك بأنهم حزب الشيطان ثم قال : (أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ).

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا هارون بن حميد الواسطي ، حدثنا الفضل بن عنبسة عن رجل قد سماه فقال : هو عبد الحميد بن سليمان ـ انقطع من كتابي ـ عن الذيال بن عباد قال : كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري : اعلم أن الجاه جاهان جاه يجريه الله تعالى على أيدي أوليائه لأوليائه ، وأنهم الخامل ذكرهم الخفية شخوصهم ، ولقد جاءت صفتهم على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا

٨٤

لم يدعوا ، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة» (١) فهؤلاء أولياء الله تعالى الذين قال الله : (أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقال نعيم بن حماد : حدثنا محمد بن ثور عن يونس عن الحسن قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدا ولا نعمة فإني وجدت فيما أوحيته إلي (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) قال سفيان : يرون أنها نزلت فيمن يخالط السلطان رواه أبو أحمد العسكري. آخر تفسير سورة المجادلة ولله الحمد والمنة.

__________________

(١) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب ١٦.

٨٥

تفسير سورة الحشر

وهي مدنية

وكان ابن عباس يقول : سورة بني النضير

قال سعيد بن المنصور : حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس سورة الحشر ، قال : أنزلت في بني النضير ، ورواه البخاري ومسلم من وجه آخر عن هشيم به ، ورواه البخاري من حديث أبي عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير : قال قلت لابن عباس سورة الحشر؟ قال سورة بني النضير (١).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ)(٥)

يخبر تعالى أن جميع ما في السموات وما في الأرض من شيء يسبح له ويمجده ويقدسه ويصلي له ويوحده كقوله تعالى : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء : ٤٤] وقوله تعالى : (وَهُوَ الْعَزِيزُ) أي منيع الجناب (الْحَكِيمُ) في قدره وشرعه.

وقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) يعني يهود بني النضير. قاله ابن عباس ومجاهد والزهري وغير واحد : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهدا وذمة على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه ، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه فأحل الله بهم بأسه الذي لا مرد له ، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يصد ، فأجلاهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأخرجهم من

__________________

(١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٩ ، باب ١ ، ومسلم في التفسير حديث ٣١.

٨٦

حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله ، فما أغنى عنهم من الله شيئا وجاءهم من الله ما لم يكن ببالهم ، وسيرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأجلاهم من المدينة ، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أعالي الشام ، وهي أرض المحشر والمنشر ، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر ، وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم ، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي لا يمكن أن تحمل معهم ، ولهذا قال تعالى : (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) أي تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله وكذب كتابه كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم.

قال أبو داود (١) : حدثنا محمد بن داود بن سفيان ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك ، عن رجل من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان معه يعبد الأوثان من الأوس ، والخزرج ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر : إنكم آويتم صاحبنا وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنخرجنكم أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونسبي نساءكم ، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما بلغ ذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لقيهم فقال : «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريد أن تكيدوا به أنفسكم يريدون أن يقاتلوا أبناءكم وإخوانكم» فلما سمعوا ذلك من النبي تفرقوا ، فبلغ ذلك كفار قريش فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود : إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن مع صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء وهو الخلاخل ، فلما بلغ كتابهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أيقنت بنو النضير بالغدر ، فأرسلوا إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حبرا حتى نلتقي بمكان المنصف ، وليسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك.

فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالكتائب فحصرهم فقال لهم : «إنكم والله لا تأمنوا عندي إلا بعهد تعاهدونني عليه فأبوا أن يعطوه عهدا فقاتلهم يومهم ذلك ، ثم غدا من الغد على بني قريظة بالكتائب وترك بني النضير ودعاهم إلى أن يعاهدوه فعاهدوه ، فانصرف عنهم وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء ، فجلت بنو النضير واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها ، وكان نخل بني النضير لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة أعطاه الله إياها وخصه بها فقال تعالى : (وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) يقول بغير قتال ، فأعطى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أكثرها للمهاجرين قسمها بينهم وقسم منها لرجلين من الأنصار ، وكانا ذوي حاجة ولم يقسم من الأنصار غيرهما ، وبقي منها صدقة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم التي في أيدي بني فاطمة ، ولنذكر ملخص غزوة بني النضير على وجه الاختصار

__________________

(١) كتاب الإمارة باب ٢٢.

٨٧

وبالله المستعان.

وكان سبب ذلك فيما ذكره أصحاب المغازي والسير أنه لما قتل أصحاب بئر معونة من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكانوا سبعين وأفلت منهم عمرو بن أمية الضمري ، فلما كان في أثناء الطريق راجعا إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر ، وكان معهما عهد من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمان لم يعلم به عمرو ، فلما رجع أخبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لقد قتلت رجلين لأدينهما» وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد ، فخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بني النضير ليستعينهم في دية ذينك الرجلين ، وكانت منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها.

وقال محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه السيرة (١) : ثم خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري للجوار الذي كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عقد لهما فيما حدثني يزيد بن رومان ، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف ، فلما أتاهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا : نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه ، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ـ ورسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم إلى جنب جدار من بيوتهم ـ فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم فقال أنا لذلك فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم فأتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وخرج راجعا إلى المدينة.

فلما استلبث النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة ، فسألوه عنه ، فقال رأيته داخلا المدينة ، فأقبل أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى انتهوا إليه ، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به ، وأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم ، ثم سار حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون ، فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقطع النخل والتحريق فيها ، فنادوه أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض وتعيبه على من يصنعه ، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ووديعة ومالك بن أبي قوقل وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا ، فإنا لن نسلمكم إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن خرجتم خرجنا معكم ، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا فقذف الله في قلوبهم الرعب ، فسألوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ففعل ، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به

__________________

(١) سيرة ابن هشام ٢ / ١٩٠ ـ ١٩٢.

٨٨

الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن إيجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به ، فخرجوا إلى خبير ومنهم من سار إلى الشام وخلوا الأموال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكانت لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة يضعها حيث يشاء ، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة ـ سماك بن خرشة ـ ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان : يامين بن عمرو بن كعب بن عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها.

قال ابن إسحاق : وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال ليامين : «ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني» فجعل يامين بن عمرو لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله فيما يزعمون. قال ابن إسحاق : ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها وهكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق بنحو ما تقدم.

فقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) يعني بني النضير (مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ). قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس قال : من شك في أن أرض المحشر هاهنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) قال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «اخرجوا» قالوا : إلى أين؟ قال : «إلى أرض المحشر» وحدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة عن عوف عن الحسن قال : لما أجلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بني النضير قال : «هذا أول الحشر وإنا على الأثر» ورواه ابن جرير (١) عن بندار عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن به.

وقوله تعالى : (ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) أي في مدة حصاركم لهم وقصرها وكانت ستة أيام مع شدة حصونهم ومنعتها ، ولهذا قال تعالى : (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أي جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال كما قال تعالى في الآية الأخرى : (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) [النحل : ٢٦].

وقوله تعالى : (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) أي الخوف والهلع والجزع وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نصر بالرعب مسيرة شهر صلوات الله وسلامه عليه. وقوله : (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) قد تقدم تفسير ابن إسحاق لذلك ، وهو نقض ما استحسنوه من سقوفهم وأبوابهم وتحملها على الإبل ، وكذلك قال عروة بن الزبير وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد ، وقال مقاتل بن حيان كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقاتلهم فإذا ظهر على درب أو دار هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال ، وكان اليهود إذا علوا مكانا أو

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٢٨.

٨٩

غلبوا على درب أو دار نقبوا من أدبارها ثم حصنوها ودربوها ، يقول الله تعالى : (فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ).

وقوله : (وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا) أي لو لا أن كتب الله عليهم هذا الجلاء وهو النفي من ديارهم وأموالهم لكان لهم عند الله عذاب آخر من القتل والسبي ونحو ذلك ، قاله الزهري عن عروة والسدي وابن زيد لأن الله قد كتب عليهم أنه سيعذبهم في الدار الدنيا مع ما أعد لهم في الدار الآخرة من العذاب في نار جهنم.

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث ، حدثني الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير قال : ثم كانت وقعة بني النضير ، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر ، وكان منزلهم بناحية من المدينة فحاصرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى نزلوا على الجلاء ، وأن لهم ما أقلت الإبل من الأموال والأمتعة إلا الحلقة وهي السلاح ، فأجلاهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل الشام ، قال : والجلاء كتب عليهم في آي من التوراة وكانوا من سبط لم يصبهم الجلاء قبل ما سلط عليهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنزل الله فيهم (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ـ إلى قوله ـ (وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) وقال عكرمة : الجلاء القتل ، وفي رواية عنه الفناء ، وقال قتادة : الجلاء خروج الناس من البلد إلى البلد. وقال الضحاك : أجلاهم إلى الشام وأعطى كل ثلاثة بعيرا وسقاء ، فهذا الجلاء.

وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي ، حدثنا محمد بن سعيد العوفي حدثني أبي عن عمي ، حدثنا أبي عن جدي عن ابن عباس ، قال : كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ ، فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن دماءهم وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأوطانهم ، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام ، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء ، والجلاء إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى.

وروي أيضا من حديث يعقوب بن محمد الزهري عن إبراهيم بن جعفر عن محمود بن محمد بن مسلمة عن أبيه عن جده ، عن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعثه إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام.

وقوله تعالى : (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ) أي حتم لازم لا بد لهم منه. وقوله تعالى: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ) أي إنما فعل الله بهم ذلك وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين ، لأنهم خالفوا الله ورسوله وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم. ثم قال : (وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ).

٩٠

وقوله تعالى : (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) اللين نوع من التمر وهو جيد قال أبو عبيدة : وهو ما خالف العجوة والبرني من التمر ، وقال كثيرون من المفسرين : اللينة ألوان التمر سوى العجوة. قال ابن جرير (١) : هو جميع النخل ونقله عن مجاهد وهو البويرة (٢) أيضا ، وذلك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم وإرهابا وإرعابا لقلوبهم ، فروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا : فبعث بنو النضير يقولون لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إنك تنهى عن الفساد فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة أي (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ) وما تركتم من الأشجار فالجميع بإذنه ومشيئته وقدرته ورضاه وفيه نكاية بالعدو وخزي لهم ، وإرغام لأنوفهم.

وقال مجاهد : نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل ، وقالوا : إنما هي مغانم المسلمين ، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم ، وإنما قطعه وتركه بإذنه ، وقد روي نحو هذا مرفوعا ، فقال النسائي : أخبرنا الحسن بن محمد عن عفان ، حدثنا حفص بن غياث ، حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) قال : يستنزلونهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل فحاك في صدورهم ، فقال المسلمون : قطعنا بعضا وتركنا بعضا فلنسألن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ) وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا حفص عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر وعن أبي الزبير عن جابر ، قال : رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم ، فأتوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا أو علينا وزر فيما تركنا ، فأنزل الله عزوجل (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ).

وقال الإمام أحمد (٣) : حدثنا عبد الرّحمن ، حدثنا سفيان عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قطع نخل بني النضير وحرق ، وأخرجه صاحبا الصحيح من رواية موسى بن عقبة بنحوه ، ولفظ البخاري من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ، قال : حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة ، فقتل من رجالهم وسبى وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمنهم وأسلموا وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع ، وهم رهط

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٣٢.

(٢) البويرة : موضع.

(٣) المسند ٢ / ٧ ، ٨.

٩١

عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهود بالمدينة (١) ، ولهما أيضا عن قتيبة عن الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حرق نخل بني النضير ، وقطع وهي البويرة ، فأنزل الله عزوجل فيه (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ).

وللبخاري (٢) رحمه‌الله من رواية جويرية ابن أسماء عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حرق نخل بني النضير ، ولها يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه : [الوافر]

وهان على سراة بني لؤيّ

حريق بالبويرة مستطير (٣)

فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول : [الوافر]

أدام الله ذلك من صنيع

وحرّق في نواحيها السعير

ستعلم أينّا منها بنزه

وتعلم أي أرضينا نضير

وكذا رواه البخاري ولم يذكره ابن إسحاق ، وقال محمد بن إسحاق وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف : [الوافر]

لقد خزيت بغدرتها الحبور

كذاك الدهر ذو صرف يدور (٤)

وذلك أنهم كفروا برب

عظيم أمره أمر كبير

وقد أوتوا معا فهما وعلما

وجاءهم من الله النذير

نذير صادق أدى كتابا

وآيات مبينة تنير

فقالوا ما أتيت بأمر صدق

وأنت بمنكر منا جدير

فقال بلى لقد أديت حقا

يصدقني به الفهم الخبير

فمن يتبعه يهد لكل رشد

ومن يكفر به يجز الكفور

فلما أشربوا غدرا وكفرا

وجد بهم عن الحق النفور

أرى الله النبي برأي صدق

وكان الله يحكم لا يجور

__________________

(١) أخرجه البخاري في المغازي باب ١٤ ، ومسلم في الجهاد حديث ٦٢.

(٢) كتاب المغازي باب ١٤.

(٣) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص ٢٥٣ ، وتاج العروس (بور). ومعجم البلدان (البويرة) وبلا نسبة في لسان العرب (طير) ، وجمهرة اللغة ص ٧٥٣ ، وتابع العروس (طير)

(٤) الأبيات في ديوان كعب بن مالك ص ٢٠٣ ، ويروى البيت الأول في الديوان :

لقد جزيت بعذرتها الحبور

كذاك الدهر ذو خرق يدور

والبيت في لسان العرب (حبر) ، وتابع العروس (حبر) وانظر سيرة ابن هشام ٢ / ١٩٩ ـ ٢٠٠.

٩٢

فأيده وسلطه عليهم

وكان نصيره نعم النصير

فغودر منهمو كعب صريعا

فذلت بعد مصرعه النضير

على الكفين ثم وقد علته

بأيدينا مشهرة ذكور (١)

بأمر محمد إذ دس ليلا

إلى كعب أخا كعب يسير

فما كره فأنزله بمكر

ومحمود أخو ثقة جسور

فتلك بنو النضير بدار سوء

أبادهم بما اجترموا (٢) المبير

غداة أتاهم في الزحف رهوا (٣)

رسول الله وهو بهم بصير

وغسان الحماة موازروه

على الأعداء وهو لهم وزير

فقال السلم ويحكم فصدوا

وخالف أمرهم كذب وزور

فذاقوا غب أمرهم وبالا

لكل ثلاثة منهم بعير

وأجلوا عامدين لقينقاع

وغودر منهم نخل ودور

قال : وكان مما قيل من الأشعار في بني النضير قول ابن لقيم العبسي ، ويقال : قالها قيس بن بحر بن طريف ، قال ابن هشام (٤) : الأشجعي : [الطويل]

أهلي فداء لامرئ غير هالك

أجلى اليهود بالحسيّ المزنّم (٥)

يقيلون في جمر الغضاة (٦) وبدلوا

أهيضب عودا بالودي (٧) المكمم (٨)

فإن يك ظني صادقا بمحمد

يروا خيله بين الصلا ويرمرم (٩)

يؤم بها عمرو بن بهثة إنهم

عدو وما حي صديق كمجرم

__________________

(١) مشهرة ذكور : أي سيوف مسلولة من أغمادها ؛ والذكور : جمع ذكر بفتحتين ، القوي الصلب.

(٢) اجترموا : أي اكتسبوا.

(٣) أتى رهوا : أي أتى ساكنا ، وقيل أتت الخيول متتابعة.

(٤) الأبيان في سيرة ابن هشام ٢ / ١٩٥ ـ ١٩٦.

(٥) يريد أحلهم بأرض غربة وفي غير عشائرهم ، والزنيم والمزنم : الرجل يكون في القوم وليس منهم ، أي : أنزلهم بمنزلة الحسي ، أي : المبعد الطريد ، وإنما جعل الطريد الذليل حسيا ، لأنه عرضه للأكل ، والحسي والحسو : ما يحسى من الطعام حسوا ، أي أنه لا يمتنع على آكل ، ويجوز أن يريد بالحسي معنى الغذى من الغنم ، وهو الصغير الضعيف الذي لا يستطيع الرعي ، ويقال أيضا : المزنم : صغار الإبل. انظر الروض الأنف للسهيلي ٢ / ١٧٧.

(٦) الغضاة : شجر.

(٧) الودي : صغار النخل.

(٨) المكمم : النخل الذي خرج طلعه.

(٩) الصلا ويرمرم : موضعان.

٩٣

عليهن أبطال مساعير (١) في الوغى

يهزون أطراف الوشيج (٢) المقوم

وكل رقيق الشفرتين مهند

تورث من أزمان عاد وجرهم

فمن مبلغ عني قريشا رسالة

فهل بعدهم في المجد من متكرم

بأن أخاكم فاعلمن محمدا

تليد الندى بين الحجون وزمزم

فدينوا له بالحق تحسم أموركم

وتسمو من الدنيا إلى كل معظم

نبي تلاقته من الله رحمة

ولا تسألوه أمر غيب مرجم

فقد كان في بدر لعمري عبرة

لكم يا قريش والقليب الملمم

غداة أتى في الخزرجية عامدا

إليكم مطيعا للعظيم المكرم

معانا بروح القدس ينكي (٣) عدوه

رسولا من الرّحمن حقا بمعلم

رسولا من الرّحمن يتلو كتابه

فلما أنار الحق لم يتلعثم

أرى أمره يزداد في كل موطن

علوا لأمر حمه الله محكم

وقد أورد ابن إسحاق رحمه‌الله هاهنا أشعارا كثيرة فيها آداب ومواعظ وحكم وتفاصيل للقصة ، تركنا باقيها اختصارا واكتفاء بما ذكرناه ، ولله الحمد والمنة. قال ابن إسحاق : كانت وقعة بني النضير بعد وقعة أحد وبعد بئر معونة ، وحكى البخاري عن الزهري عن عروة أنه قال : كانت وقعة بني النضير بعد بدر بستة أشهر (٤).

(وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٧)

يقول تعالى مبينا مال الفيء وما صفته وما حكمه ، فالفيء كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب ، كأموال بني النضير هذه فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، أي لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأفاءه الله على رسوله ، ولهذا تصرف فيه كما يشاء فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله عزوجل في هذه الآيات فقال تعالى : (وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) أي من بني النضير (فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ

__________________

(١) المساعير : الذين يسعّرون الحرب ويثيرونها.

(٢) الوشيج : الرماح.

(٣) نكى عدوه : أصاب منه.

(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب ١٤.

٩٤

وَلا رِكابٍ) يعني الإبل (وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي هو قدير لا يغالب ولا يمانع بل هو القاهر لكل شيء.

ثم قال تعالى : (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) أي جميع البلدان التي تفتح هكذا فحكمها حكم أموال بني النضير ولهذا قال تعالى : (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) إلى آخرها والتي بعدها فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه.

قال الإمام أحمد (١) : حدثنا سفيان عن عمرو ومعمر عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر رضي الله عنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لو يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خالصة ، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته ، وقال مرة قوت سنته وما بقي جعله في الكراع والسلاح في سبيل الله عزوجل (٢) ، هكذا أخرجه أحمد هاهنا مختصرا ، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم إلا ابن ماجة من حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن الزهري به ، وقد رويناه مطولا.

وقال أبو داود رحمه‌الله : حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس المعنى واحد قالا : حدثنا بشر بن عمر الزهراني حدثني مالك بن أنس عن ابن شهاب عن مالك بن أوس قال : أرسل إليّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تعالى النهار فجئته فوجدته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله (٣) فقال حين دخلت عليه : يا مالك إنه قد دفّ (٤) أهل أبيات من قومك وقد أمرت فيهم بشيء فأقسم فيهم ، قلت لو أمرت غيري بذلك فقال خذه ، فجاءه يرفأ (٥) فقال يا أمير المؤمنين هل لك في عثمان بن عفان وعبد الرّحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص؟ قال : نعم.

فأذن لهم فدخلوا ثم جاءه يرفأ فقال : يا أمير المؤمنين هل لك في العباس وعلي؟ قال : نعم ، فأذن لهما فدخلا فقال العباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا يعني عليا ، فقال بعضهم : أجل يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرحهما ، قال مالك بن أوس : خيل إلي أنهما قدما أولئك النفر لذلك ، فقال عمر رضي الله عنه اتئدا ثم أقبل على أولئك الرهط فقال : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا نورث ما تركنا صدقة» قالوا : نعم. ثم أقبل على علي والعباس فقال : أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض

__________________

(١) المسند ١ / ٢٥ ، ٤٨.

(٢) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٨٠ ، ومسلم في الجهاد حديث ٤٨ ، وأبو داود في الإمارة باب ٢١ ، والترمذي في الجهاد باب ٤٠ ، والنسائي في الفيء باب ٨٠.

(٣) رمال السرير : ما ينسج في وجهه بالسعف. والمقصود : موصلا جسده إلى رماله.

(٤) دف : أي جاءوا مسرعين.

(٥) يرفأ : غلام لعمر بن الخطاب.

٩٥

هل تعلمان أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا نورث ما تركنا صدقة» فقالا : نعم. فقال : إن الله خص رسوله بخاصة لم يخص بها أحدا من الناس فقال تعالى : (وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فكان الله تعالى أفاء على رسوله أموال بني النضير فو الله ما استأثر بها عليكم ولا أحرزها دونكم ، فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأخذ منها نفقة سنة أو نفقته ونفقة أهله سنة ، ويجعل ما بقي أسوة المال.

ثم أقبل على أولئك الرهط فقال : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون ذلك؟ قالوا : نعم. ثم أقبل على علي والعباس فقال : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمان ذلك؟ قالا : نعم. فلما توفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال أبو بكر : أنا ولي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا نورث ما تركنا صدقة» والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق فوليها أبو بكر ، فلما توفي قلت أنا ولي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وولي أبي بكر فوليتها ما شاء الله أن أليها ، فجئت أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فسألتمانيها ، فقلت إن شئتما فأنا أدفعها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يليها ، فأخذتماها مني على ذلك ثم جئتماني لأقضي بينكما بغير ذلك والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فرداها إلي (١) ، أخرجوه من حديث الزهري به.

وقال الإمام أحمد (٢) : حدثنا عارم وعفان قالا : أخبرنا معتمر سمعت أبي يقول : حدثنا أنس بن مالك عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : إن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات أو كما شاء الله حتى فتحت عليه قريظة والنضير قال فجعل يرد بعد ذلك ، قال وإن أهلي أمروني أن آتي النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه ، وكان نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أعطاه أم أيمن أو كما شاء الله قال ، فسألت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأعطانيهن ، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول كلا والله الذي لا إله إلا هو لا يعطيكهن وقد أعطانيهن ، أو كما قالت فقال نبي الله : «لك كذا وكذا» قال وتقول كلا والله قال ويقول «لك كذا وكذا» قال وتقول كلا والله ، قال : «ويقول لك كذا وكذا» قال حتى أعطاها حسبت أنه قال عشرة أمثاله أو قال قريبا من عشرة أمثاله ، أو كما قال (٣) رواه البخاري ومسلم من طرق عن معتمر به ، وهذه المصارف المذكورة في هذه الآية هي المصارف المذكورة في خمس الغنيمة ، وقد قدمنا الكلام عليها في سورة الأنفال بما

__________________

(١) أخرجه البخاري في الخمس باب ١ ، ومسلم في الجهاد حديث ٤٩ ، وأبو داود في الإمارة باب ١٩.

(٢) المسند ٣ / ٢١٩.

(٣) أخرجه البخاري في الخمس باب ١٢ ، والمغازي باب ١٤ ، ومسلم في الجهاد حديث ٧١.

٩٦

أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد.

وقوله تعالى : (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) أي جعلنا هذه المصارف لمال الفيء كيلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء ، ولا يصرفون منه شيئا إلى الفقراء. وقوله تعالى : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) أي مهما أمركم به فافعلوه ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه ، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر.

قال ابن أبي حاتم : حدثنا يحيى بن أبي طالب ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن العوفي عن يحيى بن الجزار عن مسروق قال : جاءت امرأة إلى ابن مسعود قالت : بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة (١) ، أشيء وجدته في كتاب الله تعالى أو عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ قال : بلى شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. قالت : والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف فما وجدت فيه الذي تقول. قال : فما وجدت فيه (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)؟ قالت : بلى. قال : فإني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة (٢) ، قالت : فلعله في بعض أهلك ، قال فادخلي فانظري ، فدخلت فنظرت ثم خرجت قالت : ما رأيت بأسا ، فقال لها : أما حفظت وصية العبد الصالح (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) [هود : ٨٨].

وقال الإمام أحمد (٣) : حدثنا عبد الرّحمن ، حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله هو ابن مسعود قال : لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله عزوجل ، قال فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب ، فجاءت إليه فقالت بلغني أنك قلت كيت وكيت ، قال ما لي لا ألعن من لعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وفي كتاب الله تعالى ، فقالت إني لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته ، فقال إن كنت قرأته فقد وجدته أما قرأت (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) قالت : بلى. قال : فإن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى عنه. قالت : إني لأظن أهلك يفعلونه ، قال : اذهبي فانظري فذهبت فلم تر من حاجتها شيئا ، فجاءت فقالت : ما رأيت شيئا ، قال : لو كان كذا لما تجامعنا (٤). أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري.

وقد ثبت في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (٥) وقال النسائي : أخبرنا أحمد بن سعيد ، حدثنا يزيد ، حدثنا منصور بن حيان عن سعيد بن جبير» ، عن ابن عمر وابن عباس أنهما شهدا على

__________________

(١) الواصلة : هي التي توصل شعر بشعر غيرها زورا وكذبا.

(٢) النامصة : هي تنتف الشعر من وجهها.

(٣) المسند ١ / ٤٣٣ ، ٤٣٤.

(٤) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٩ ، باب ٤ ، ومسلم في اللباس حديث ١٢.

(٥) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢ ، ومسلم في الفضائل حديث ١٣٠.

٩٧

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت (١) ، ثم تلا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وقوله تعالى : (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) أي اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره وأباه وارتكب ما عنه زجره ونهاه.

(لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)(١٠)

يقول تعالى مبينا حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً) أي خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه (وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) أي هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم وهؤلاء هم سادات المهاجرين. ثم قال تعالى مادحا للأنصار ومبينا فضلهم وشرفهم وكرمهم ، وعدم حسدهم وإيثارهم مع الحاجة فقال تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم. قال عمر : وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم كرامتهم ، وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل ، أن يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم رواه البخاري (٢) هاهنا أيضا.

قوله تعالى : (يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ) أي من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم قال الإمام أحمد (٣) : حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس قال : قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلا في كثير ، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال «لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم» (٤) لم أره في الكتب من هذا الوجه.

وقال البخاري (٥) : حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد سمع أنس بن

__________________

(١) أخرجه النسائي في الإيمان باب ٢٥.

(٢) كتاب التفسير ، تفسير سورة ٥٩ ، باب ٦.

(٣) المسند ٢ / ٢٠٠ ، ٢٠١ ، ٢٠٤.

(٤) أخرجه الترمذي في القيامة باب ٤٤.

(٥) كتاب مناقب الأنصار باب ٨.

٩٨

مالك حين خرج معه إلى الوليد قال دعا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم الأنصار أن يقطع لهم البحرين. قالوا لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها قال «إما لا فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم بعدي أثرة» تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال البخاري : حدثنا الحكم بن نافع أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قالت الأنصار اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ، قال : لا. فقالوا : أتكفوننا المؤنة ونشرككم في الثمرة. قالوا : سمعنا وأطعنا (١). تفرد به دون مسلم.

(وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا) أي ولا يجدون في أنفسهم حسدا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة.

قال الحسن البصري (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً) يعني الحسد (٢) (مِمَّا أُوتُوا) قال قتادة يعني فيما أعطى إخوانهم. وكذا قال ابن زيد ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد (٣) حيث قال : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن أنس قال : كنا جلوسا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه بيده الشمال ، فلما كان الغد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثل ذلك ، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثل مقالته أيضا ، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى ، فلما قام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال : إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا ، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال «نعم».

قال أنس : فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبد الله : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا ، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أن أحتقر عمله ، قلت يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ، ولكن سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول لك ثلاث مرات «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلعت أنت الثلاث المرات ، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به ، فلم أرك تعمل كبير عمل ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : ما هو إلا ما رأيت ، فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله : فهذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق ، ورواه النسائي في اليوم والليلة عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن معمر به ، وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري عن رجل عن

__________________

(١) أخرجه البخاري في الحرث باب ٥.

(٢) انظر تفسير الطبري ١٢ / ٤١.

(٣) المسند ٣ / ١٦٦.

٩٩

أنس ، فالله أعلم.

وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى : (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا) يعني مما أوتوا المهاجرين ، قال وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في الأنصار فعاتبهم الله في ذلك فقال تعالى : (وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال : وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم» فقالوا أموالنا بيننا قطائع ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أو غير ذلك» قالوا : وما ذاك يا رسول الله؟ قال : «هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر» فقالوا : نعم يا رسول الله. وقوله تعالى : (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) يعني حاجة أي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.

وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «أفضل الصدقة جهد المقل» (١) وهذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ) [الإنسان: ٨] وقوله (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ) [البقرة : ١٧٧] فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به ، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به ، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه ، ومن هذا المقام تصدق الصديق رضي الله عنه بجميع ماله ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما أبقيت لأهلك؟» فقال رضي الله عنه : أبقيت لهم الله ورسوله (٢) ، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه ، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء ، فرده الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

وقال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير حدثنا أبو أسامة حدثنا فضيل بن غزوان حدثنا أبو حازم الأشجعي عن أبي هريرة قال : أتى رجل لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال يا رسول الله أصابني الجهد ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألا رجل يضيف هذه الليلة رحمه‌الله» فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله ، فذهب إلى أهله فقال لامرأته :

هذا ضيف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا تدخريه شيئا ، فقالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال : فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم ، وتعالي فأطفئ السراج ونطوي بطوننا الليلة ، ففعلت ثم غدا الرجل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «لقد عجب الله عزوجل ـ أو ضحك ـ من فلان وفلانة» وأنزل الله تعالى : (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ

__________________

(١) أخرجه أبو داود في الوتر باب ١٢ ، والنسائي في الزكاة باب ٤٩ ، والدارمي في الصلاة باب ١٣٥ ، وأحمد في المسند ٢ / ٣٥٨ ، ٣ / ٤١٢ ، ٥ / ١٧٨ ، ١٧٩ ، ٢٦٥.

(٢) أخرجه الترمذي في المناقب باب ١٦.

١٠٠