🚘

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

المؤلف:

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
ISBN الدورة:
2-7451-2221-5

الصفحات: ٥٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

كلب وإن شاء في صورة حمار وإن شاء في صورة خنزير (١). وقال قتادة : (فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) قال : قادر والله ربنا على ذلك ، ومعنى هذا القول عند هؤلاء أن الله عزوجل قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق ، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام حسن المنظر والهيئة.

وقوله تعالى : (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) أي إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب. وقوله تعالى : (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) يعني وإن عليكم لملائكة حفظة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع سفيان ومسعر عن علقمة بن مرثد حدثنا عن مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره أو ليستره أخوه».

وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار فوصله بلفظ آخر فقال : حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة حدثنا عبيد الله بن موسى عن حفص بن سليمان عن علقمة بن مرثد عن مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند ثلاث حالات : الغائط والجنابة والغسل ، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره» ثم قال حفص بن سليمان : لين الحديث وقد روي عنه واحتمل حديثه.

وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا زياد بن أيوب حدثنا مبشّر بن إسماعيل الحلبي حدثنا تمام بن نجيح عن الحسن يعني البصري عن أنس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «ما من حافظين يرفعان إلى الله عزوجل ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلا قال الله تعالى قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» ثم قال تفرد به تمام بن نجيح وهو صالح الحديث.

(قلت) : وثقه ابن معين وضعفه البخاري وأبو زرعة وابن أبي حاتم والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع وقال الإمام أحمد لا أعرف حقيقة أمره. وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوسي حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن لله ملائكة يعرفون بني آدم ـ وأحسبه قال : ويعرفون أعمالهم ـ فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا أفلح الليلة فلان ، نجا الليلة فلان ، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ١٢ / ٤٧٩.

٣٤١

ذكروه بينهم وسموه وقالوا هلك الليلة فلان» ، ثم قال البزار : سلام هذا أحسبه سلام المدائني وهو لين الحديث.

(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (١٩)

يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم ، وهم الذين أطاعوا الله عزوجل ولم يقابلوه بالمعاصي ، وقد روى ابن عساكر في ترجمة موسى بن محمد عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عن عبيد الله عن محارب عن ابن عمر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء» ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم ولهذا قال : (يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ) أي يوم الحساب والجزاء والقيامة (وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) أي لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة ولو يوما واحدا.

وقوله تعالى : (وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) تعظيم لشأن يوم القيامة ثم أكده بقوله تعالى: (ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) ثم فسره بقوله : (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) أي لا يقدر واحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ، ونذكر هاهنا حديث «يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من الله شيئا» وقد تقدم في آخر تفسير سورة الشعراء ولهذا قال : (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) كقوله (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر : ١٦] وكقوله : (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ) [الفرقان : ١٦] وكقوله : (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة : ٤] قال قتادة (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) والأمر والله اليوم لله ، ولكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد. آخر تفسير سورة الانفطار ، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.

تفسير سورة المطففين

وهي مكية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ)(٦)

قال النسائي وابن ماجة : أخبرنا محمد بن عقيل ، زاد ابن ماجة وعبد الرّحمن بن بشر قالا : حدثنا علي بن الحسين بن واقد ، حدثني أبي عن يزيد وهو ابن أبي سعيد النحوي مولى قريش

٣٤٢

عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما قدم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) فحسنوا الكيل بعد ذلك (١).

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر بن النضر بن حماد ، حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن هلال بن طلق قال : بينما أنا أسير مع ابن عمر فقلت : من أحسن الناس هيئة وأوفاهم كيلا أهل مكة أو أهل المدينة قال : حق لهم ، أما سمعت الله تعالى يقول : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ).

وقال ابن جرير (٢) : حدثنا أبو السائب ، حدثنا ابن فضيل عن ضرار عن عبد الله المكتب عن رجل عن عبد الله قال : قال له رجل : يا أبا عبد الرّحمن إن أهل المدينة ليوفون الكيل ، قال :

وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) ـ حتى بلغ ـ (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) والمراد بالتطفيف هاهنا البخس في المكيال والميزان إما بالازدياد إن اقتضى من الناس وإما بالنقصان إن قضاهم ، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله تعالى : (الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ) أي من الناس (يَسْتَوْفُونَ) أي يأخذون حقهم بالوافي والزائد (وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) أي ينقصون ، والأحسن أن يجعل كالوا ووزنوا متعديا ويكون هم في محل نصب ، ومنهم من يجعلها ضميرا مؤكدا للمستتر في قوله كالوا ووزنوا ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه ، وكلاهما متقارب.

وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان فقال تعالى : (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [الإسراء : ٣٥] وقال تعالى : (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) [الأنعام : ١٥٢] وقال تعالى : (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) [الرّحمن : ٩] وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال ثم قال تعالى : متوعدا لهم : (أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) أي ما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر في يوم عظيم الهول كثير الفزع جليل الخطب ، من خسر فيه أدخل نارا حامية؟ وقوله تعالى : (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) أي يقومون حفاة عراة غرلا في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم ويغشاهم من أمر الله تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه.

قال الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (٣) رواه البخاري من حديث مالك وعبد الله بن

__________________

(١) أخرجه ابن ماجة في التجارات باب ٣٥.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٤٨٣.

(٣) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤٧ ، وتفسير سورة ٨٣ ، ومسلم في الجنة حديث ٦٠ ، وأحمد في المسند ٢ / ١٣ ، ١٩.

٣٤٣

عون كلاهما عن نافع به ، ورواه مسلم من الطريقين أيضا ، وكذلك رواه أيوب بن يحيى وصالح بن كيسان وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر ومحمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر به. ولفظ الإمام أحمد (١) : حدثنا يزيد ، أخبرنا ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) لعظمة الرّحمن عزوجل يوم القيامة حتى أن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم».

[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٢) : حدثنا إبراهيم بن إسحاق ، حدثنا ابن المبارك عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر ، حدثني سليم بن عامر ، حدثني المقداد يعني ابن الأسود الكندي قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين ـ قال ـ فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم ، منهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ، ومنهم من يأخذه إلى حقويه ، ومنهم من يلجمه إلجاما» (٣) رواه مسلم عن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة والترمذي عن سويد عن ابن المبارك ، كلاهما عن ابن جابر به.

[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٤) : حدثنا الحسن بن سوار ، حدثنا الليث بن سعد عن معاوية بن صالح أن أبا عبد الرّحمن حدثه عن أبي أمامة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها كذا كذا ، تغلي منها الهوام كما تغلي القدور يعرقون فيها على قدر خطاياهم ، منهم من يبلغ إلى كعبيه ومنهم من يبلغ إلى ساقيه ، ومنهم من يبلغ إلى وسطه ، ومنهم من يلجمه العرق». الفرد به أحمد.

[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٥) : حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا أبو عشانة حيي بن يؤمن أنه سمع عقبة بن عامر يقول : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق ، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه ومنهم من يبلغ العجز ومنهم من يبلغ الخاصرة ، ومنهم من يبلغ منكبيه ، ومنهم من يبلغ وسط فيه ـ وأشار بيده فألجمها فاه ، رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشير بيده هكذا ومنهم من يغطيه عرقه» وضرب بيده إشارة ، انفرد به أحمد ، وفي حديث أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون ، وقيل يقومون ثلاثمائة سنة ، وقيل يقومون أربعين ألف سنة ويقضي بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا «في يوم كان مقداره خمسين ألف

__________________

(١) المسند ٢ / ٣١.

(٢) المسند ٦ / ٣ ، ٤.

(٣) أخرجه مسلم في الجنة حديث ٦٢ ، والترمذي في القيامة باب ٢.

(٤) المسند ٥ / ٢٥٤.

(٥) المسند ٤ / ١٥٧.

٣٤٤

سنة» (١).

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو عون الزيادي ، أخبرنا عبد السّلام بن عجلان ، سمعت أبا يزيد المدني عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لبشير الغفاري : «كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين من أيام الدنيا لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيهم بأمر؟» قال بشير : المستعان الله ، قال «فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة وسوء الحساب» ورواه ابن جرير من طريق عبد السّلام به.

وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة (٢). وعن ابن مسعود يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يكلمهم أحد قد ألجم العرق برهم وفاجرهم. وعن ابن عمر : يقومون مائة سنة رواهما ابن جرير. وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة من حديث زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح عن أزهر بن سعيد الحواري عن عاصم بن حميد عن عائشة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يفتتح قيام الليل : يكبر عشرا ويحمد عشرا ، ويسبح عشرا ويستغفر عشرا ويقول : «اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني» ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة (٣).

(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ(١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (١٧)

يقول تعالى حقا (إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) أي إن مصيرهم ومأواهم لفي سجين فعيل من السجن وهو الضيق ، كما يقال : فسيق وشريب وخمير وسكير ونحو ذلك ، ولهذا عظم أمره فقال تعالى : (وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ) أي هو أمر عظيم وسجن مقيم وعذاب أليم ، ثم قد قال قائلون : هي تحت الأرض السابعة ، وقد تقدم في حديث البراء بن عازب في حديثه الطويل : يقول الله عزوجل في روح الكافر اكتبوا كتابه في سجين (٤). وسجين هي تحت الأرض السابعة ، وقيل : صخرة تحت الأرض السابعة خضراء ، وقيل بئر في جهنم.

__________________

(١) أخرجه أحمد في المسند ٢ / ٢٦٢ ، ومسلم في الزكاة حديث ٢٤ ، ٢٦.

(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١١٩.

(٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ١١٩ ، والنسائي في قيام الليل باب ٩ ، والاستعاذة باب ٦٣ ، وابن ماجة في الإقامة باب ١٨٠.

(٤) أخرجه أحمد في المسند ٤ / ٢٨٧ ، ٢٨٨.

٣٤٥

وقد روى ابن جرير (١) في ذلك حديثا غريبا منكرا لا يصح فقال : حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي ، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي ، حدثنا نصر بن خزيمة الواسطي عن شعيب بن صفوان عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الفلق جب في جهنم مغطى وأما سجين فمفتوح» والصحيح أن سجينا مأخوذ من السجن وهو الضيق ، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتسع ، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه ، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة ، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين كما قال تعالى : (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) [التين : ٥] وقال هاهنا : (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ) وهو يجمع الضيق والسفول كما قال تعالى : (وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان : ١٣].

وقوله تعالى : (كِتابٌ مَرْقُومٌ) ليس تفسيرا لقوله (وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ) وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين أي مرقوم مكتوب مفروغ منه لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد. قاله محمد بن كعب القرظي ثم قال تعالى : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين ، وقد تقدم الكلام على قوله ويل بما أغنى عن إعادته وأن المراد من ذلك الهلاك والدمار كما يقال : ويل لفلان ، وكما جاء في المسند والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك الناس ويل له ويل له» (٢).

ثم قال تعالى مفسرا للمكذبين الفجار الكفرة : (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) أي لا يصدقون بوقوعه ولا يعتقدون كونه ويستبعدون أمره ، قال الله تعالى : (وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) أي معتد في أفعاله من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم في أقواله إن حدث كذب ، وإن وعد أخلف ، وإن خاصم فجر.

وقوله تعالى : (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي إذا سمع كلام الله تعالى من الرسول يكذب به ويظن به ظن السوء فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل ، كما قال تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [النحل : ٢٤] وقال تعالى: (وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) [الفرقان : ٥] قال الله تعالى: (كَلَّا بَلْ

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٤٨٨.

(٢) أخرجه أبو داود في الأدب باب ٨٠ ، والترمذي في الزهد باب ١٠ ، والدارمي في الاستئذان باب ٦٦ ، وأحمد في المسند ٥ / ٣ ، ٥ ، ٦.

٣٤٦

رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) أي ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا إن هذا القرآن أساطير الأولين ، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا ، ولهذا قال تعالى : (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ).

والرين يعتري قلوب الكافرين ، والغيم للأبرار والغين للمقربين ، وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه ، فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت ، فذلك قول الله تعالى : (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١) وقال الترمذي : حسن صحيح ، ولفظ النسائي «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء ، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه ، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي قال الله تعالى : (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ).

وقال أحمد (٢) : حدثنا صفوان بن عيسى ، أخبرنا ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه ، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه ، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ). وقال الحسن البصري : هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت ، وكذا قال مجاهد بن جبير وقتادة وابن زيد وغيرهم.

وقوله تعالى : (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) أي لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم ، قال الإمام أبو عبد الله الشافعي : وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عزوجل يومئذ وهذا الذي قاله الإمام الشافعيرحمه‌الله في غاية الحسن وهو استدلال بمفهوم هذه الآية.

كما دل عليه منطوق قوله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) [القيامة : ٢٢ ـ ٢٣] وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عزوجل في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنات الفاخرة. وقد قال ابن جرير (٣) محمد بن عمار الرازي : حدثنا أبو معمر المنقري ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله تعالى : (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) قال : يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية أو كلاما هذا

__________________

(١) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٣١ ، والترمذي في تفسير سورة ٨٣ ، باب ١ ، وابن ماجة في الزهد باب ٢٩ ، ومالك في الكلام حديث ١٨ ، وأحمد في المسند ٢ / ٢٩٧ ، وتفسير الطبري ١٢ / ٤٩٠.

(٢) المسند ٢ / ٢٩٧.

(٣) تفسير الطبري ١٢ / ٤٩٢.

٣٤٧

معناه ، وقوله تعالى : (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ) أي ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرّحمن من أهل النيران (ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) أي يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ والتصغير والتحقير.

(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ(٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) (٢٨)

يقول تعالى : حقا (إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ) وهم بخلاف الفجار (لَفِي عِلِّيِّينَ) أي مصيرهم إلى عليين وهو بخلاف سجين. قال الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر عن سجين قال : هي الأرض السابعة وفيها أرواح الكفار ، وسأله عن عليين فقال : هي السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين ، وهكذا قال غير واحد : إنها السماء السابعة ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) يعني الجنة. وفي رواية العوفي عنه أعمالهم في السماء عند الله وكذا قال الضحاك ، وقال قتادة : عليون ساق العرش اليمنى ، وقال غيره : عليون عند سدرة المنتهى ، والظاهر أن عليين مأخوذ من العلو ، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع ، ولهذا قال تعالى معظما أمره ومفخما شأنه (وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ) ثم قال تعالى مؤكدا لما كتب لهم (كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) وهم الملائكة قاله قتادة ، وقال العوفي عن ابن عباس : يشهده من كل سماء مقربوها.

ثم قال تعالى : (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ) أي يوم القيامة هم في نعيم مقيم وجنات فيها فضل عميم (عَلَى الْأَرائِكِ) وهي السرر تحت الحجال (يَنْظُرُونَ) قيل : معناه ينظرون في ملكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد وقيل : معناه (عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) إلى الله عزوجل ، وهذا مقابل لما وصف به أولئك الفجار (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله عزوجل وهم على سررهم وفرشهم ، كما تقدم في حديث ابن عمر «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه ، وإن أعلاه لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين» (١) وقوله : (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) أي تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم أي صفة الترافه والحشمة والسرور والدعة والرياسة مما هم فيه من النعيم العظيم.

وقوله تعالى : (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ) أي يسقون من خمر من الجنة ، والرحيق من

__________________

(١) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٧٥ ، باب ٢ ، وأحمد في المسند ٢ / ١٣.

٣٤٨

أسماء الخمر ، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وابن زيد ، قال الإمام أحمد (١) : حدثنا حسن ، حدثنا زهير عن سعد أبي المجاهد الطائي عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري أراه قد رفعه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أيما مؤمن سقى مؤمنا شربة ماء على ظمأ سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم ، وأيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ، وأيما مؤمن كسا مؤمنا ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة» وقال ابن مسعود في قوله : (خِتامُهُ مِسْكٌ) أي خلطه مسك ، وقال العوفي عن ابن عباس : طيب الله لهم الخمر فكان آخر شيء جعل فيها مسك ختم بمسك ، وكذا قال قتادة والضحاك ، وقال إبراهيم والحسن (خِتامُهُ مِسْكٌ) أي عاقبته مسك.

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد (٢) ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا أبو حمزة عن جابر عن عبد الرّحمن بن سابط ، عن أبي الدرداء (خِتامُهُ مِسْكٌ) قال : شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم ، ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل إصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها ، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد (خِتامُهُ مِسْكٌ) قال : طيبه مسك.

وقوله تعالى : (وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) أي وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون وليتباهى ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون ، كقوله تعالى : (لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) ، وقوله تعالى : (وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ) أي : ومزاج هذا الرحيق الموصوف من تسنيم أي من شراب يقال له تسنيم ، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه ، قاله أبو صالح والضحاك ، ولهذا قال : (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) أي يشربها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجا ، قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق وقتادة وغيرهم.

(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ(٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) (٣٦)

يخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين ، أي يستهزئون بهم ويحتقرونهم ، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم ، أي محتقرين لهم (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) أي إذا انقلب أي رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم انقلبوا إليها فاكهين أي مهما طلبوا وجدوا ، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم ويحسدونهم (وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ) أي لكونهم على غير دينهم.

قال الله تعالى : (وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ) أي وما بعث هؤلاء المجرمون حافظين على

__________________

(١) المسند ٣ / ١٣ ، ١٤.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٤٩٨.

٣٤٩

هؤلاء المؤمنين ما يصدر منهم من أعمالهم وأقوالهم ولا كلفوا بهم؟ فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم ، كما قال تعالى : (قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ) [المؤمنون : ١٠٨ ـ ١١١] ولهذا قال هاهنا (فَالْيَوْمَ) يعني يوم القيامة (الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) أي في مقابلة ما ضحك بهم أولئك (عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) أي إلى الله عزوجل في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون ليسوا بضالين بل هم من أولياء الله المقربين ينظرون إلى ربهم في دار كرامته. وقوله تعالى : (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) أي هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقيص أم لا ، يعني قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله. آخر تفسير سورة المطففين ، ولله الحمد والمنة.

تفسير سورة الانشقاق

وهي مكية

قال مالك عن عبد الله بن يزيد عن أبي سلمة أن أبا هريرة قرأ بهم (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) فسجد فيها ، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سجد فيها (١) ، رواه مسلم والنسائي من طريق مالك به. وقال البخاري : حدثنا أبو النعمان ، حدثنا معتمر عن أبيه عن بكر عن أبي رافع قال : صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) فسجد ، فقلت له. فقال : سجدت خلف أبي القاسم صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه ، ورواه أيضا عن مسدد عن معتمر به. ثم رواه عن مسدد عن يزيد بن زريع عن التيمي عن بكر عن أبي رافع فذكره. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن سليمان بن طرخان التيمي به ، وقد رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان بن عيينة ، زاد النسائي وسفيان الثوري كلاهما عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة ، قال : سجدنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [الأعلى : ١].

__________________

(١) أخرج حديث السجود. البخاري في الأذان باب ١٠٠ ، ١٠١ ، وسجود القرآن باب ٧ ، ١١ ، وتفسير سورة ٨٤ في الترجمة ، ومسلم في المساجد حديث ١٠٧ ـ ١١١ ، وأبو داود في السجود باب ٤ ، والترمذي في الجمعة باب ٥٠ ، والنسائي في الافتتاح باب ٥١ ، ٥٢ ، ٥٣ ، وابن ماجة في الإقامة باب ٧١ ، ومالك في القرآن حديث ١٢.

٣٥٠

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ(٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً(١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً)(١٥)

يقول تعالى : (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) وذلك يوم القيامة (وَأَذِنَتْ لِرَبِّها) أي : استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق وذلك يوم القيامة (وَحُقَّتْ) أي وحق لها أن تطيع أمره لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء وذل له كل شيء ، ثم قال : (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ) أي : بسطت وفرشت ووسعت.

قال ابن جرير (١) : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري ، عن علي بن الحسين أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه فأكون أول من يدعى وجبريل عن يمين الرّحمن والله ما رآه قبلها ، فأقول يا رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي فيقول الله عزوجل صدق ثم أشفع ، فأقول : يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض ـ قال ـ وهو المقام المحمود».

وقوله تعالى : (وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ) أي ألقت ما في بطنها من الأموات وتخلت منهم ، قاله مجاهد وسعيد وقتادة (وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ) كما تقدم.

وقوله : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً) أي إنك ساع إلى ربك سعيا وعامل عملا (فَمُلاقِيهِ) ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر. ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسي عن الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير عن جابر ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «قال جبريل يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب ما شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه» ومن الناس من يعيد الضمير على قوله (رَبِّكَ) أي فملاق ربك ، ومعناه فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك ، وعلى هذا فكلا القولين متلازم ، قال العوفي عن ابن عباس (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً) يقول : تعمل عملا تلقى الله به خيرا كان أو شرا.

وقال قتادة : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً) إن كدحك يا ابن آدم لضعيف فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله ثم قال تعالى : (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) أي سهلا بلا تعسير أي لا يحقق عليه جميع دقائق

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٥٠٥.

٣٥١

أعماله فإن من حوسب كذلك هلك لا محالة.

وقال الإمام أحمد (١) : حدثنا إسماعيل ، أخبرنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من نوقش الحساب عذب» قالت فقلت: أفليس قال الله تعالى : (فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) قال : «ليس ذاك بالحساب ولكن ذلك العرض من نوقش الحساب يوم القيامة عذب» (٢) وهكذا رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير (٣) من حديث أيوب السختياني به.

وقال ابن جرير (٤) : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا أبو عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبا» فقلت : أليس الله يقول (فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) قال : «ذاك العرض إنه من نوقش الحساب عذب» وقال بيده على إصبعه كأنه ينكت ، وقد رواه أيضا عن عمرو بن علي عن ابن أبي عدي عن أبي يونس القشيري ، عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة فذكر الحديث ، أخرجاه من طريق أبي يونس القشيري واسمه حاتم بن أبي صغيرة به.

قال ابن جرير (٥) : حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، حدثنا مسلم عن الحريش بن الخريت أخي الزبير عن ابن أبي مليكة عن عائشة ، قالت : من نوقش الحساب ـ أو من حوسب ـ عذب. قال : ثم قالت : إنما الحساب اليسير عرض على الله تعالى وهو يراهم. وقال أحمد (٦) : حدثنا إسماعيل ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول في بعض صلاته : «اللهم حاسبني حسابا يسيرا» فلما انصرف قلت يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال : «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك» صحيح على شرط مسلم.

وقوله تعالى : (وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً) أي ويرجع إلى أهله في الجنة : قاله قتادة والضحاك : (مَسْرُوراً) أي فرحا مغتبطا بما أعطاه الله عزوجل. وقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : إنكم تعملون أعمالا لا تعرف ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله

__________________

(١) المسند ٦ / ٤٧.

(٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٨٤ ، باب ١ ، ومسلم في الجنة حديث ٧٩ ، ٨٠ ، وأبو داود في الجنائز باب ٨ ، والترمذي في تفسير سورة ٨٤ ، باب ١.

(٣) تفسير الطبري ١٢ / ٥٠٧.

(٤) تفسير الطبري ١٢ / ٥٠٧.

(٥) تفسير الطبري ١٢ / ٥٠٧.

(٦) المسند ٦ / ٤٨.

٣٥٢

فمسرور أو مكظوم.

وقوله تعالى : (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ) أي بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها كذلك (فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً) أي خسارا وهلاكا (وَيَصْلى سَعِيراً إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً) أي فرحا لا يفكر في العواقب ولا يخاف مما أمامه ، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) أي كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يعيده بعد موته ، قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما ، والحور هو الرجوع قال الله : (بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً) يعني بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها فإنه كان به بصيرا أي عليما خبيرا.

(فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (٢٥)

روي عن علي وابن عباس وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وشداد بن أوس وابن عمر ومحمد بن علي بن الحسين ومكحول وبكر بن عبد الله المزني وبكير بن الأشج ومالك وابن أبي ذئب وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون أنهم قالوا : الشفق الحمرة ، وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن ابن لبيبة عن أبي هريرة قال : الشفق البياض ، فالشفق هو حمرة الأفق إما قبل طلوع الشمس كما قاله مجاهد وإما بعد غروبها كما هو معروف عند أهل اللغة قال الخليل بن أحمد الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة فإذا ذهب قيل غاب الشفق وقال الجوهري : الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من العتمة ، وكذا قال عكرمة الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء.

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «وقت المغرب ما لم يغب الشفق» (١) ففي هذا كله دليل على أن الشفق هو كما قاله الجوهري والخليل. ولكن صح عن مجاهد أنه قال في هذه الآية : (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) هو النهار كله وفي رواية عنه أيضا أنه قال الشفق الشمس رواهما ابن أبي حاتم ، وإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى : (وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ) أي جمع كأنه أقسم بالضياء والظلام وقال ابن جرير (٢) : أقسم الله بالنهار مدبرا وبالليل مقبلا. وقال ابن جرير : وقال آخرون : الشفق اسم للحمرة والبياض وقالوا هو من الأضداد. قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة : (وَما وَسَقَ) وما جمع ، قال قتادة : وما جمع من نجم ودابة ، واستشهد ابن عباس بقول الشاعر : [رجز]

__________________

(١) أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٤٣ ، ٤٨ ، وأحمد في المسند ٢ / ٢١٠ ، ٢٢٣.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٥١١.

٣٥٣

مستوسقات لو يجدن سائقا (١)

وقد قال عكرمة : (وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ) يقول ما ساق من ظلمة إذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه ، وقوله تعالى : (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ) قال ابن عباس : إذا اجتمع واستوى ، وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ومسروق وأبو صالح والضحاك وابن زيد (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ) إذا استوى. وقال الحسن : إذا اجتمع إذا امتلأ ، وقال قتادة إذا استدار ومعنى كلامهم أنه إذا تكامل نوره وأبدر جعله مقابلا لليل وما وسق.

وقوله تعالى : (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) قال البخاري : أخبرنا سعيد بن النضر أخبرنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال : قال ابن عباس (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) حالا بعد حال قال هذا نبيكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم (٢) ، هكذا رواه البخاري بهذا اللفظ. وهو محتمل أن يكون ابن عباس أسند هذا التفسير عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كأنه قال سمعت هذا من نبيكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيكون قوله نبيكم مرفوعا على الفاعلية من قال ، وهو الأظهر ، والله أعلم كما قال أنس : لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه سمعته من نبيكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وقال ابن جرير (٣) : حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن مجاهد أن ابن عباس كان يقول : (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) قال يعني نبيكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول حالا بعد حال ، وهذا لفظه ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : (طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) حالا بعد حال. وكذا قال عكرمة ومرة الطيب ومجاهد والحسن والضحاك ومسروق وأبو صالح ويحتمل أن يكون المراد (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) حالا بعد حال ، قال هذا يعني المراد بهذا نبيكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيكون مرفوعا على أن هذا ، ونبيكم يكونان مبتدأ وخبرا والله أعلم ، ولعل هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة كما قال أبو داود الطيالسي وغندر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) قال : محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويؤيد هذا المعنى قراءة عمرو ابن مسعود وابن عباس وعامة أهل مكة والكوفة (لَتَرْكَبُنَ) بفتح التاء والباء.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل عن الشعبي (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) قال : لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. وهكذا روي عن ابن مسعود ومسروق وأبي العالية (طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) سماء بعد سماء (قلت) : يعنون ليلة الإسراء.

وقال أبو إسحاق والسدي عن رجل عن ابن عباس (طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) منزلا على منزل ، وكذا

__________________

(١) الرجز للعجاج في ديوانه ٢ / ٣٠٧ ، وتاج العروس (وسق) ، ولسان العرب (وسق) ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٩ / ٢٣٥ ، وديوان الأدب ٣ / ٢٨٣ ، ولسان العرب (وسق) ، وتفسير الطبري ١٢ / ٥١١.

(٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٨٤ ، باب ٢.

(٣) تفسير الطبري ١٢ / ٥١٣ ، ٥١٤.

٣٥٤

رواه العوفي عن ابن عباس مثله وزاد ويقال أمرا بعد أمر وحالا بعد حال ، وقال السدي نفسه (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) أعمال من قبلكم منزلا بعد منزل (قلت) : كأنه أراد معنى الحديث الصحيح «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» قالوا يا رسول الله : اليهود والنصارى قال «فمن؟» (١) وهذا محتمل.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة حدثنا ابن جابر أنه سمع مكحولا يقول في قول الله (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) قال في كل عشرين سنة تحدثون أمرا لم تكونوا عليه ، وقال الأعمش حدثنا إبراهيم قال : قال عبد الله : (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ). قال السماء تنشق ثم تحمر ثم تكون لونا بعد لون وقال الثوري عن قيس بن وهب عن مرة عن ابن مسعود : (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) قال السماء مرة كالدهان ومرة تنشق.

وروى البزار من طريق جابر الجعفي عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) يا محمد يعني حالا بعد حال ، ثم قال ورواه جابر عن مجاهد عن ابن عباس وقال سعيد بن جبير (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) قال قوم كانوا في الدنيا خسيس أمرهم فارتفعوا في الآخرة ، وآخرون كانوا أشرافا في الدنيا فاتضعوا في الآخرة. وقال عكرمة (طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) حالا بعد حال فطيما بعد ما كان رضيعا ، وشيخا بعد ما كان شابا ، وقال الحسن البصري (طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) يقول حالا بعد حال ، رخاء بعد شدة ، وشدة بعد رخاء ، وغنى بعد فقر ، وفقرا بعد غنى ، وصحة بعد سقم ، وسقما بعد صحة.

وقال ابن أبي حاتم ذكر عن عبد الله بن زاهر حدثني أبي عن عمرو بن شمر عن جابر هو الجعفي عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إن ابن آدم لفي غفلة مما خلق له إن الله تعالى إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه اكتب أجله اكتب أثره. اكتب شقيا أو سعيدا. ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله إليه ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك ، ثم يرتفع ذلك الملك ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته ، فإذا حضره الموت ارتفع ذانك الملكان وجاءه ملك الموت فقبض روحه ، فإذا دخل قبره رد الروح في جسده ثم ارتفع ملك الموت وجاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان ، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فانتشطا كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحد سائقا وآخر شهيدا ، ثم قال الله تعالى: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) قال: «حالا بعد حال» ثم قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن قدامكم لأمرا عظيما لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم» هذا حديث منكر وإسناده فيه ضعفاء ولكن معناه صحيح ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

__________________

(١) أخرجه أحمد في المسند ٤ / ١٢٥.

٣٥٥

ثم قال ابن جرير (١) بعد ما حكى أقوال الناس في هذه الآية من القراء والمفسرين : والصواب من التأويل قول من قال لتركبن أنت يا محمد حالا بعد حال وأمرا بعد أمر من الشدائد ، والمراد بذلك وإن كان الخطاب موجها إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم جميع الناس وأنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالا.

وقوله تعالى : (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) أي فماذا يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الله وكلامه وهو هذا القرآن لا يسجدون إعظاما وإكراما واحتراما؟ وقوله تعالى : (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) أي من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ) قال مجاهد وقتادة : يكتمون في صدورهم (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) أي فأخبرهم يا محمد بأن الله عزوجل قد أعد لهم عذابا أليما.

وقوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) هذا استثناء منقطع يعني لكن الذين آمنوا أي بقلوبهم وعملوا الصالحات أي بجوارحهم (لَهُمْ أَجْرٌ) أي في الدار الآخرة (غَيْرُ مَمْنُونٍ) قال ابن عباس غير منقوص ، وقال مجاهد والضحاك غير محسوب وحاصل قولهما أنه غير مقطوع كما قال تعالى : (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود : ١٠٨] وقال السدي قال بعضهم (غَيْرُ مَمْنُونٍ) غير منقوص ، وقال بعضهم (غَيْرُ مَمْنُونٍ) عليهم ، وهذا القول الأخير عن بعضهم قد أنكره غير واحد ، فإن الله عزوجل له المنة على أهل الجنة في كل حال وآن ولحظة ، وإنما دخلوها بفضله ورحمته لا بأعمالهم فله عليهم المنة دائما سرمدا والحمد لله وحده أبدا ، ولهذا يلهمون تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس ، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. آخر تفسير سورة الانشقاق. ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.

تفسير سورة البروج

وهي مكية

قال الإمام أحمد (٢) : حدثنا عبد الصمد حدثنا زريق بن أبي سلمى حدثنا أبو المهزم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقرأ في العشاء الآخرة ب (السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ) (٣) وقال أحمد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا حماد بن عباد السدوسي

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٥١٦.

(٢) المسند ٢ / ٣٢٦ ، ٣٢٧.

(٣) المسند ٢ / ٣٢٧.

٣٥٦

سمعت أبا المهزم يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر أن يقرأ بالسموات في العشاء ، تفرد به أحمد.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ) (١٠)

يقسم تعالى بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام كما تقدم بيان ذلك في قوله تعالى : (تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً) [الفرقان : ٦١] قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة والسدي : البروج النجوم وعن مجاهد أيضا : البروج التي فيها الحرس. وقال يحيى بن رافع : البروج قصور في السماء ، وقال المنهال بن عمرو (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) الخلق الحسن ، واختار ابن جرير (١) أنها منازل الشمس والقمر وهي اثنا عشر برجا ، تسير الشمس في كل واحد منها شهرا ويسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثا ، فذلك ثمانية وعشرون منزلة ويستمر ليلتين.

وقوله تعالى : (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) اختلف المفسرون في ذلك وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي ، حدثنا عبيد الله يعني ابن موسى ، حدثنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس الأنصاري ، عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) يوم القيامة (وَشاهِدٍ) يوم الجمعة وما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة ، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه ، ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه (وَمَشْهُودٍ) يوم عرفة» وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف الحديث وقد روي موقوفا على أبي هريرة وهو أشبه.

وقال الإمام أحمد (٢) : حدثنا محمد ، حدثنا شعبة ، سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة ، أما علي فرفعه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأما يونس فلم يعد أبا هريرة أنه قال في هذه الآية (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال يعني الشاهد يوم الجمعة ويوم مشهود يوم القيامة ، وقال أحمد (٣) أيضا : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن يونس ،

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٥١٨.

(٢) المسند ٢ / ٢٩٨.

(٣) المسند ٢ / ٢٩٨ ، ٢٩٩.

٣٥٧

سمعت عمارا مولى بني هاشم يحدث عن أبي هريرة أنه قال في هذه الآية (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال : الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة والموعود يوم القيامة. وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: اليوم الموعود يوم القيامة ، وكذلك قال الحسن وقتادة وابن زيد ولم أرهم يختلفون في ذلك ولله الحمد ، ثم قال ابن جرير (١) : حدثنا محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش ، حدثني أبي ، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اليوم الموعود يوم القيامة وإن الشاهد يوم الجمعة وإن المشهود يوم عرفة ويوم الجمعة ذخره الله لنا».

ثم قال ابن جرير (٢) : حدثنا سهل بن موسى الرازي ، حدثنا ابن أبي فديك عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد والمشهود يوم عرفة». وهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب ، ثم قال ابن جرير (٣) : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع عن شعبة عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس قال : الشاهد هو محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمشهود يوم القيامة ، ثم قرأ (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) وحدثنا ابن حميد : حدثنا جرير عن مغيرة عن شباك قال : سأل رجل الحسن بن علي عن (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال : سألت أحدا قبلي؟ قال : نعم ، سألت ابن عمرو ابن الزبير فقالا : يوم الذبح ويوم الجمعة ، فقال : لا ، ولكن الشاهد محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم قرأ (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) والمشهود يوم القيامة ثم قرأ (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) (٤).

وهكذا قال الحسن البصري وقال سفيان الثوري عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب : ومشهود يوم القيامة ، وقال مجاهد وعكرمة والضحاك : الشاهد ابن آدم ، والمشهود يوم القيامة. وعن عكرمة أيضا : الشاهد محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمشهود يوم الجمعة ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : الشاهد الله والمشهود يوم القيامة ، وقال ابن أبي حاتم. حدثنا أبي ، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، حدثنا سفيان عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال : الشاهد الإنسان والمشهود يوم الجمعة ، هكذا رواه ابن أبي حاتم.

وقال ابن جرير (٥) : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم القيامة ، وبه عن سفيان

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٥٢٠.

(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٥٢١.

(٣) تفسير الطبري ١٢ / ٥٢١.

(٤) انظر تفسير الطبري ١٢ / ٥٢١.

(٥) تفسير الطبري ١٢ / ٥٢٢.

٣٥٨

الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال : يوم الذبح ويوم عرفة يعني الشاهد والمشهود ، قال ابن جرير (١) وقال آخرون : المشهود يوم الجمعة ، ورووا في ذلك ما حدثنا أحمد بن عبد الرّحمن : حدثني عمي عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة» وعن سعيد بن جبير الشاهد الله ، وتلا (وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً) والمشهود نحن ، حكاه البغوي ، وقال الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة.

وقوله تعالى : (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ) أي لعن أصحاب الأخدود وجمعه أخاديد وهي الحفير في الأرض ، وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله عزوجل ، فقهر وهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم ، فأبوا عليهم فحفروا لهم في الأرض أخدودا وأججوا فيه نارا وأعدوا لها وقودا يسعرونها به ، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم فقذفوهم فيها ولهذا قال تعالى : (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ) أي مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين. قال الله تعالى : (وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) أي وما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه المنيع الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ، وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به فهو العزيز الحميد وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس.

ثم قال تعالى : (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) من تمام الصفة أنه المالك لجميع السموات والأرض وما فيهما وما بينهما (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي لا يغيب عنه شيء في جميع السموات والأرض ولا تخفى عليه خافية.

وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة من هم؟ فعن علي أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم ، فامتنع عليهم علماؤهم فعمد إلى حفر أخدود فقذف فيه من أنكر عليه منهم واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم. وعنه أنهم كانوا قوما باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم ، فغلب مؤمنوهم على كفارهم ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين فخدوا لهم الأخاديد وأحرقوهم فيها ، وعنه أنهم كانوا من أهل الحبشة واحدهم حبشي ، وقال العوفي عن ابن عباس (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ) قال : ناس من بني إسرائيل خدوا أخدودا في الأرض ثم أوقدوا فيه نارا ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء فعرضوا عليها ، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وهكذا قال الضحاك بن مزاحم وقيل غير ذلك.

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢ / ٥٢٢.

٣٥٩

وقد قال الإمام أحمد (١) : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبر سني وحضر أجلي ، فادفع إلي غلاما لأعلمه السحر فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر ، وكان بين السحر وبين الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه ، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال ما حسبك وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك ، فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي ، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر.

قال فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة عظيمة فظيعة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا. فقال اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر السحر ، قال فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس ، ورماها فقتلها ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك فقال أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى ، فإن ابتليت فلا تدل علي ، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم ، وكان للملك جليس فعمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال اشفني ولك ما هاهنا أجمع ، فقال ما أنا أشفي أحدا إنما يشفي الله عزوجل ، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك فآمن فدعا الله فشفاه.

ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال ربي : فقال أنا قال لا ، ربي وربك الله ، قال ولك رب غيري؟ قال نعم ربي وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام ، فبعث إليه فقال أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء! قال ما أشفي أحدا إنما يشفي الله عزوجل ، قال أنا؟ قال لا. قال أولك رب غيري؟ قال ربي وربك الله ، فأخذه أيضا بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب فأتى بالراهب فقال ارجع عن دينك فأبى ، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه ، وقال للأعمى: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض. وقال للغلام : ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه (٢) من فوقه ، فذهبوا به فلما علوا به الجبل قال : اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون ، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله تعالى فبعث به مع نفر في قرقور (٣) فقال إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر فلججوا به البحر فقال الغلام : اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون.

__________________

(١) المسند ٦ / ١٦ ، ١٨.

(٢) دهدهوه : أي دحرجوه.

(٣) القرقور : سفينة صغيرة.

٣٦٠