🚘

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي

تفسير القرآن العظيم - ج ٨

المؤلف:

أبي الفداء اسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
ISBN الدورة:
2-7451-2221-5

الصفحات: ٥٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تفسير سورة الواقعة

وهي مكية

قال أبو إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال أبو بكر : يا رسول الله قد شبت ، قال «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت» (١) رواه الترمذي وقال: حسن غريب قال الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن مسعود بسنده إلى عمرو بن الربيع بن طارق المصري : حدثنا السري بن يحيى الشيباني عن أبي شجاع عن أبي ظبية قال : مرض عبد الله مرضه الذي توفي فيه ، فعاده عثمان بن عفان فقال : ما تشتكي؟ قال : ذنوبي. قال : فما تشتهي؟ قال : رحمة ربي. قال : ألا آمر لك بطبيب؟ قال : الطبيب أمرضني. قال : ألا آمر لك بعطاء؟ قال : لا حاجة لي فيه؟ قال : يكون لبناتك من بعدك. قال : أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي يقرأن كل ليلة سورة الواقعة ، إني سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا».

ثم قال ابن عساكر : كذا قال ، والصواب عن شجاع كما رواه عبد الله بن وهب عن السري. وقال عبد الله بن وهب : أخبرني السري بن يحيى أن شجاعا حدثه عن أبي ظبية عن عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» فكان أبو ظبية لا يدعها ، وكذا رواه أبو يعلى عن إسحاق بن إبراهيم عن محمد بن منيب عن السري بن يحيى عن شجاع عن أبي ظبية عن ابن مسعود به.

ثم رواه عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن محمد بن منيب العدني عن السري بن يحيى عن أبي ظبية عن ابن مسعود أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» لم يذكر في مسنده شجاعا قال : وقد أمرت بناتي أن يقرأنها كل ليلة. وقد رواه ابن عساكر أيضا من حديث حجاج بن نصير وعثمان بن اليمان عن السري بن يحيى عن شجاع عن أبي فاطمة قال: مرض عبد الله فأتاه عثمان بن عفان يعوده ، فذكر الحديث بطوله ، قال عثمان بن اليمان : كان أبو فاطمة هذا مولى لعلي بن أبي طالب.

__________________

(١) أخرجه الترمذي في التفسير ، تفسير سورة ٥٦ ، باب ٦.

٣

وقال الإمام أحمد (١) : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا إسرائيل ويحيى بن آدم ، حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب أنه سمع جابر بن سمرة يقول : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم ، ولكنه كان يخفف ، وكانت صلاته أخف من صلاتكم ، وكان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (١٢)

الواقعة من أسماء يوم القيامة سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها كما قال تعالى : (فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) [الحاقة : ١٥] قوله تعالى : (لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ) أي ليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها ولا دافع يدفعها كما قال : (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ) [الشورى : ٤٧] وقال (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ) [المعارج : ١ ـ ٢] وقال تعالى (وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) [الأنعام : ٧٣]. ومعنى (كاذِبَةٌ) كما قال محمد بن كعب لا بد أن تكون ، وقال قتادة : ليس فيها مثنوية ولا ارتداد ولا رجعة قال ابن جرير (٢) : والكاذبة مصدر كالعاقبة والعافية.

وقوله تعالى : (خافِضَةٌ رافِعَةٌ) أي تخفض أقواما إلى أسفل سافلين إلى الجحيم ، وإن كانوا في الدنيا أعزاء ، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى النعيم المقيم ، وإن كانوا في الدنيا وضعاء ، هكذا قال الحسن وقتادة وغيرهما. وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب المعني ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن أبيه عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس (خافِضَةٌ رافِعَةٌ) تخفض أقواما وترفع آخرين ، وقال عبيد الله العتكي عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب (خافِضَةٌ رافِعَةٌ) قال : الساعة خفضت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. وقال محمد بن كعب : تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين ، وترفع رجالا كانوا في الدنيا مخفوضين ، وقال السدي : خفضت المتكبرين ورفعت المتواضعين ، وقال العوفي عن ابن عباس (خافِضَةٌ رافِعَةٌ) أسمعت القريب والبعيد ،

__________________

(١) المسند ٥ / ١٠٤.

(٢) تفسير الطبري ١١ / ٦٢٢.

٤

وقال عكرمة : خفضت فأسمعت الأدنى ، ورفعت فأسمعت الأقصى ، وكذا قال الضحاك وقتادة.

وقوله تعالى : (إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا) أي حركت تحريكا فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها ، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد في قوله تعالى : (إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا) أي زلزلت زلزالا ، وقال الربيع بن أنس : ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه ، وهذا كقوله تعالى : (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) [الزلزلة : ١] وقال تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج : ١]. وقوله تعالى : (وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا) أي فتتت فتا ، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم ، وقال ابن زيد صارت الجبال كما قال الله تعالى : (كَثِيباً مَهِيلاً).

وقوله تعالى : (فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا) قال أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه : هباء منبثا كرهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء ، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله (فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا) الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئا ، وقال عكرمة : المنبث الذي قد ذرته الريح وبثته. وقال قتادة (هَباءً مُنْبَثًّا) كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح. وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة وذهابها وتسييرها ونسفها أي قلعها وصيرورتها كالعهن المنفوش.

وقوله تعالى : (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً) أي ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف : قوم عن يمين العرش. وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن ، ويؤتون كتبهم بأيمانهم ويؤخذ بهم ذات اليمين ، وقال السدي : وهم جمهور أهل الجنة ، وآخرون عن يسار العرش وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر ويؤتون كتبهم بشمائلهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار ـ عياذا بالله من صنيعهم ـ وطائفة سابقون بين يديه عزوجل ، وهم أخص وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم ، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء ، وهم أقل عددا من أصحاب اليمين ، ولهذا قال تعالى : (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم ، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ) [فاطر : ٣٢] الآية.

وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه ، قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن مجاهد عن ابن عباس في قوله : (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً) قال : هي التي في سورة الملائكة (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ) [فاطر : ٣٢]. وقال ابن جريج عن ابن عباس : هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون

٥

في آخر السورة وفي سورة الملائكة ، وقال يزيد الرقاشي : سألت ابن عباس عن قوله : (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً) قال : أصنافا ثلاثة.

وقال مجاهد (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً) يعني فرقا ثلاثة. وقال ميمون بن مهران : أفواجا ثلاثة ، وقال عبيد الله العتكي عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً) اثنان في الجنة وواحد في النار (١). وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن الصباح ، حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن النعمان بن بشير قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) [التكوير : ٧] قال : الضرباء ، كل رجل من كل قوم كانوا يعملون عمله ، وذلك بأن الله تعالى يقول (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) قال : هم الضرباء.

وقال الإمام أحمد (٢) : حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى ، حدثنا البراء الغنوي ، حدثنا الحسن عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تلا هذه الآية (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ) فقبض بيده قبضتين فقال : «هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي».

وقال الإمام أحمد (٣) أيضا : حدثنا حسن : حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟» قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : «الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم» وقال محمد بن كعب وأبو حرزة ويعقوب بن مجاهد (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) هم الأنبياء عليهم‌السلام. وقال السدي : هم أهل عليين ، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) قال : يوشع بن نون ، سبق إلى موسى ومؤمن آل يس ، سبق إلى عيسى وعلي بن أبي طالب سبق إلى محمد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن هارون الفلاس عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزاز ، عن شعيب بن الضحاك المدائني عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح به.

وقال ابن أبي حاتم وذكر عن محمد بن أبي حماد : حدثنا مهران عن خارجة عن قرة عن ابن سيرين (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) الذين صلوا إلى القبلتين ورواه ابن جرير (٤) من حديث خارجة به. وقال الحسن وقتادة (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) أي من كل أمة ، وقال الأوزاعي عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) ثم قال : أولهم رواحا إلى

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ١١ / ٦٢٦.

(٢) المسند ٥ / ٢٣٩.

(٣) المسند ٦ / ٦٧ ، ٦٩.

(٤) تفسير الطبري ١١ / ٦٢٧.

٦

المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله (١) ، وهذه الأقوال كلها صحيحة فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا ، كما قال تعالى : (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) [آل عمران : ١٣٣] وقال تعالى : (سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) [الحديد : ٢١] وقال فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة ، فإن الجزاء من جنس العمل ، وكما تدين تدان ، ولهذا قال تعالى : (أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ).

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي : حدثنا يحيى بن زكريا القزاز الرازي ، حدثنا خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عمرو قال : قالت الملائكة يا رب جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون فاجعل لنا الآخرة ، فقال : لا أفعل ، فراجعوا ثلاثا فقال : لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان. ثم قرأ عبد الله (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الرد على الجهمية ولفظه : فقال الله عزوجل : لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان.

(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ(١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً) (٢٦)

يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء السابقين المقربين أنهم ثلة أي جماعة من الأولين وقليل من الآخرين ، وقد اختلفوا في المراد بقوله الأولين والآخرين فقيل : المراد بالأولين الأمم الماضية وبالآخرين هذه الأمة ، وهذا رواية عن مجاهد والحسن البصري ، رواها عنهما ابن أبي حاتم : وهو اختيار ابن جرير واستأنس بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» ولم يحك غيره ولا عزاه إلى أحد.

ومما يستأنس به لهذا القول ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع ، حدثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : لما نزلت (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) شق ذلك على أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزلت (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثلث أهل الجنة ، بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني» ورواه الإمام

__________________

(١) تفسير الطبري ١١ / ٦٢٧.

٧

أحمد (١) عن أسود بن عامر عن شريك عن محمد بياع الملاء عن أبيه عن أبي هريرة فذكره.

وقد روي من حديث جابر نحو هذا ، ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق هشام بن عمار ، حدثنا عبد ربه بن صالح عن عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لما نزلت (إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) ذكر فيها (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) قال عمر : يا رسول الله ثلة من الأولين وقليل منا؟ قال : فأمسك آخر السورة سنة ثم نزل (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا عمر تعال فاسمع ما قد أنزل الله (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) ألا وإن من آدم إلى ثلة وأمتي ثلة ، ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» هكذا أورده في ترجمة عروة بن رويم إسنادا ومتنا ، ولكن في إسناده نظر ، وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» الحديث بتمامه وهو مفرد في صفة الجنة ، ولله الحمد والمنة. وهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا فيه نظر بل هو قول ضعيف ، لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن ، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها ، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة ، والظاهر أن لمقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم والله أعلم. فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح ، هو أن يكون المراد بقوله تعالى : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) أي من صدر هذه الأمة (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) أي من هذه الأمة.

قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا عفان ، حدثنا عبد الله بن بكر المزني ، سمعت الحسن أتى على هذه الآية (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) فقال: ما السابقون فقد مضوا ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين. ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا أبو لوليد ، حدثنا السري بن يحيى قال : قرأ الحسن (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) قال ثلة ممن مضى من هذه الأمة.

وحدثنا أبي حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري حدثنا أبو هلال عن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) قال : كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة ، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمة ، ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها ، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم كل أمة بحسبها ، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (٢) الحديث بتمامه.

__________________

(١) المسند : ٢ / ٣٩١.

(٢) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم باب ١ ، والترمذي في الفتن باب ٤٥ ، وابن ماجة في الأحكام باب ٢٧ ، وأحمد في المسند ١ / ٣٧٨.

٨

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١) : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا زياد أبو عمر عن الحسن عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره» فهذا الحديث ، بعد الحكم بصحة إسناده ، محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم ، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها ، والفضل للمتقدم وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني ، ولكن العمدة الكبرى على الأول واحتياج الزرع إليه آكد ، فإنه لو لاه ما نبت في الأرض ولا تعلق أساسه فيها ولهذا قال عليه‌السلام «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة» وفي لفظ «حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك» (٢) والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم ، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها ، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب وفي لفظ «مع كل ألف سبعون ألفا ـ وفي آخر ـ مع كل واحد سبعون ألفا (٣).

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا هشام بن يزيد الطبراني ، حدثنا محمد هو ابن إسماعيل بن عياش ، حدثني أبي ، حدثني ضمضم يعني ابن زرعة عن شريح هو ابن عبيد ، عن أبي مالك قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يحيطون الأرض ، تقول الملائكة لما جاء مع محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أكثر مما جاء مع الأنبياء عليهم‌السلام».

وحسن أن يذكر هاهنا عند قوله تعالى : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة حيث قال : أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، أخبرنا أبو عمرو بن مطر ، أخبرنا جعفر بن محمد بن المستفاض الفريابي ، حدثني أبو وهب الوليد بن عبد الملك بن عبد الله بن مسرح الحراني ، حدثنا سليمان بن عطاء القرشي الحراني عن مسلمة بن عبد الله الجهني ، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي ابن زمل الجهني رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا صلى الصبح يقول وهو ثان رجليه «سبحان الله وبحمده أستغفر الله إن الله كان توابا» سبعين مرة ثم يقول : «سبعين بسبعمائة لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة» ثم يقول ذلك مرتين ثم يستقبل الناس بوجهه.

وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تعجبه الرؤيا ثم يقول «هل رأى أحد منكم شيئا؟» قال ابن زمل :

__________________

(١) المسند ٤ / ٣١٩.

(٢) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ١٠ ، ومسلم في الإيمان حديث ٢٤٧.

(٣) أخرجه البخاري في اللباس باب ١٨ ، ومسلم في الإيمان حديث ٣٦٩ ، ٣٧٠ ، ٣٧٣.

٩

فقلت أنا يا رسول الله ، فقال «خير تلقاه ، وشر توقاه ، وخير لنا ، وشر على أعدائنا الحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك» فقلت : رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لا حب (١) والناس على الجادة (٢) منطلقين ، فبينما هم كذلك إذ أشفى (٣) ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله ، يرف رفيفا يقطر ماؤه فيه من أنواع الكلأ ، قال وكأني بالرعلة (٤) الأولى حين أشفوا على المرج كبروا ثم أكبّوا (٥) رواحلهم في الطريق ، فلم يظلموه (٦) يمينا ولا شمالا ، قال فكأني أنظر إليهم منطلقين ، ثم جاءت الرعلة الثانية ، وهم أكثر منهم أضعافا فلما أشفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق ، فمنهم المرتع (٧) ومنهم الآخذ الضغث (٨) ، ومضوا على ذلك ، قال ثم قدم عظم الناس (٩) ، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا هذا خير المنزل ، كأني أنظر إليهم يميلون يمينا وشمالا ، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج ، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة ، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل (١٠) أقنى (١١) إذا هو تكلم يسمو فيفرع (١٢) الرجال طولا ، وإذا عن يسارك رجل ربعة باذ (١٣) كثير خيلان الوجه (١٤) ، كأنما حمّم شعره بالماء (١٥) إذا هو تكلم أصغيتم إكراما له ، وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقا ووجها كلكم تأمونه تريدونه وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف (١٦) ، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها.

قال : فامتقع لون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ساعة ثم سري عنه ، وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب ، فذاك ما حملتكم عليه من الهدى وأنتم عليه ، وأما المرج الذي

__________________

(١) لاحب : واسع لا ينقطع.

(٢) الجادة : وسط الطريق.

(٣) أشفى : أي أشرف.

(٤) الرعلة : القطعة من الفرسان.

(٥) أكبّوا رواحلهم في الطريق : أي ألزموها الطريق.

(٦) لم يظلموه : أي لم يعدلوا عنه.

(٧) المرتع : هو الذي يخلي ركابه ترتع.

(٨) الضغث : ملء اليد من الحشيش المختلط.

(٩) عظم الناس : معظمهم.

(١٠) الشثل : الغليظ الأصابع خشنها.

(١١) الأقنى : ارتفاع في أعلى الأنف واحديداب في وسطه.

(١٢) يفرع الرجال طولا : أي يعلوهم.

(١٣) يقال : باذ الهيئة : أي رث الهيئة ، وهي صفة للتواضع.

(١٤) كثير خيلان الوجه الخال : الشامة في الوجه.

(١٥) حمّم شعر بالماء : أي سوّد ، لأن الشعر إذا غسل بالماء ظهر سواده.

(١٦) الشارف : الناقة المسنة.

١٠

رأيت فالدنيا وغدارة عيشها ، مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء ولم تتعلق منا ولم نردها ولم تردنا ، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا وهم أكثر منا أضعافا ، فمنهم المرتع ومنهم الآخذ الضغث ونجوا على ذلك ، ثم جاء عظم الناس فمالوا في المرج يمينا وشمالا فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأما أنت فمضيت على طريقة صالحة ، فلن تزال عليها حتى تلقاني ، وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة فالدنيا سبعة آلاف سنة ، أنا في آخرها ألفا ، وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشثل فذلك موسى عليه‌السلام ، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه ، والذي رأيت عن يساري الباذ الربعة الكثير خيلان الوجه كأنما حمم شعره بالماء ، فذلك عيسى ابن مريم نكرمه لإكرام الله إياه ، وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقا ووجها فذاك أبونا إبراهيم كلنا نؤمه ونقتدي به ، وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها فهي الساعة علينا تقوم لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي «قال : فما سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيء الرجل فيحدثه بها متبرعا.

وقوله تعالى : (عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) قال ابن عباس : أي مرمولة بالذهب يعني منسوجة به ، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم وقتادة والضحاك وغيره ، وقال السدي : مرمولة بالذهب واللؤلؤ ، وقال عكرمة : مشبكة بالدر والياقوت ، وقال ابن جرير (١) : ومنه يسمى وضين الناقة الذي تحت بطنها ، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مضفور ، وكذلك السرر في الجنة مضفورة بالذهب واللئالئ.

وقوله تعالى : (مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ) أي وجوه بعضهم إلى بعض ليس أحد وراء أحد (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ) أي مخلدون على صفة واحدة لا يتكبرون عنها ولا يشيبون ولا يتغيرون (بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) أما الأكواب فهي الكيزان التي لا خراطيم لها ولا آذان ، والأباريق التي جمعت الوصفين والكؤوس الهنابات ، والجميع من خمر من عين جارية معين ، ليس من أوعية تنقطع وتفرغ بل من عيون سارحة.

وقوله تعالى : (لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ) أي لا تصدع رؤوسهم ولا تنزف عقولهم ، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة ، وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : في الخمر أربع خصال : السكر ، والصداع ، والقيء ، والبول ، فذكر الله تعالى خمر الجنة ونزهها عن هذه الخصال. وقال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطية وقتادة والسدي (لا يُصَدَّعُونَ عَنْها) يقول ليس لهم فيها صداع رأس وقالوا في قوله : (وَلا يُنْزِفُونَ) أي لا تذهب بعقولهم.

وقوله تعالى : (وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) أي ويطوفون عليهم بما يتخيرون من الثمار ، وهذه الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها ، ويدل على

__________________

(١) تفسير الطبري ١١ / ٦٢٨.

١١

ذلك حديث عكراش بن ذؤيب الذي رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي رحمه‌الله في مسنده ، حدثنا العباس بن الوليد النرسي ، حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سوية ، حدثنا عبيد الله بن عكراش عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال : بعثني بنو مرة في صدقات أموالهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقدمت المدينة فإذا هو جالس بين المهاجرين والأنصار وقدمت عليه بإبل كأنها عروق الأرطى (١) قال : «من الرجل؟» قلت : عكراش بن ذؤيب ، قال «ارفع في النسب» فانتسبت له إلى مرة بن عبيد وهذه صدقة مرة بن عبيد ، فتبسم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «هذه إبل قومي هذه صدقات قومي» ثم أمر بها أن توسم بميسم إبل الصدقة وتضم إليها ، ثم أخذ بيدي فانطلقنا إلى منزل أم سلمة فقال : «هل من طعام؟» فأتينا بجفنة كالقصعة كثيرة الثريد والوذر(٢) ، فجعل يأكل منها فأقبلت أخبط بيدي في جوانبها فقبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده اليسرى على يدي اليمنى فقال : يا عكراش ، كل من موضع واحد فإنه طعام واحد. ثم أتينا بطبق فيه تمر أو رطب شك عبيد الله رطبا كان أو تمرا ، فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الطبق وقال : يا عكراش ، كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد. ثم أتينا بماء فغسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يده ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ثلاثا ثم قال : «يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار» (٣).

وهكذا رواه الترمذي مطولا وابن ماجة جميعا عن محمد بن بشار عن أبي الهذيل العلاء بن الفضل به ، وقال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من حديثه.

وقال الإمام أحمد (٤) : حدثنا بهز بن أسد وعفان ، وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا شيبان ، قالوا حدثنا سليمان بن المغيرة ، حدثنا ثابت قال : قال أنس كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تعجبه الرؤيا ، فربما رأى الرجل الرؤيا فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه ، فإذا أثنى عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه ، فأتته امرأة فقالت : يا رسول الله رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة ، فسمعت وجبة انتحبت لها الجنة ، فنظرت فإذا فلان بن فلان وفلان بن فلان فسمت اثني عشر رجلا ، كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد بعث سرية قبل ذلك فجيء بهم عليهم ثياب طلس (٥) تشخب أوداجهم ، فقيل اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيذخ ، قال فغمسوا فيه فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر ، فأتوا بصحفة من ذهب فيها بسر ، فأكلوا من بسره ما شاؤوا فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا ، وأكلت معهم فأتى البشير من تلك السرية ، فقال ما كان

__________________

(١) الأرطى : شجر عروقه حمر طوال.

(٢) الوذر : قطع من اللحم لا عظم فيها ، واحدتها : وذرة.

(٣) أخرجه الترمذي في الأطعمة باب ٤١ ، وابن ماجة في الأطعمة باب ١١.

(٤) المسند ٣ / ١٣٥.

(٥) ثياب طلس : ثياب مغبرة.

١٢

من رؤيا كذا وكذا فأصيب فلان وفلان حتى عد اثني عشر رجلا ، فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم المرأة ، فقال قصي رؤياك ، فقصتها وجعلت تقول فجيء بفلان وفلان كما قال. هذا لفظ أبي يعلى ، قال الحافظ الضياء : وهذا على شرط مسلم.

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا معاذ بن المثنى ، حدثنا علي بن المديني ، حدثنا ريحان بن سعيد عن عباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء ، عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة عادت مكانها أخرى».

وقوله تعالى : (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) قال الإمام أحمد (١) : حدثنا سيار بن حاتم ، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، حدثنا ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «إن طير الجنة كأمثال البخت يرعى في شجر الجنة» فقال أبو بكر : يا رسول الله إن هذه لطير ناعمة ، فقال «آكلها أنعم منها ـ قالها ثلاثا ـ وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها» انفرد به أحمد من هذا الوجه.

وروى الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة من حديث إسماعيل بن علي الخطمي عن أحمد بن علي الخيوطي عن عبد الجبار بن عاصم عن عبد الله بن زياد ، عن زرعة عن نافع عن ابن عمر قال : ذكرت عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم طوبى فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا أبا بكر هل بلغك ما طوبى؟» قال : الله ورسوله أعلم. قال «طوبى شجرة في الجنة ما يعلم طولها إلا الله يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفا ورقها الحلل يقع عليها الطير كأمثال البخت» فقال أبو بكر : يا رسول الله إن هناك لطيرا ناعما؟ قال «أنعم منه من يأكله وأنت منهم إن شاء الله تعالى» وقال قتادة في قوله تعالى : (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) وذكر لنا أن أبا بكر قال : يا رسول الله إني أرى طيرها ناعمة كأهلها ناعمون ، قال «من يأكلها والله يا أبا بكر أنعم منها وإنها لأمثال البخت وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر».

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني مجاهد بن موسى ، حدثنا معن بن عيسى ، حدثني ابن أخي ابن شهاب عن أبيه عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سئل عن الكوثر فقال : «نهر أعطانيه ربي عزوجل في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق الجزر» فقال عمر : إنها لناعمة ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «آكلها أنعم منها» (٢) وكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن القعنبي عن محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب عن أبيه عن أنس ، وقال حسن.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا أبو معاوية عن عبيد الله بن الوليد الرصافي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم

__________________

(١) المسند ٣ / ٢٢١.

(٢) أخرجه الترمذي في صفة الجنة باب ١٠.

١٣

«إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة فيقع على صحفة الرجل من أهل الجنة فينتفض ، فيخرج من كل ريشة يعني لونا أبيض من اللبن وألين من الزبد وأعذب من الشهد ، ليس منها لون يشبه صاحبه ثم يطير» هذا حديث غريب جدا والرصافي وشيخه ضعيفان ، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث ، حدثني الليث ، حدثنا خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن أبي حازم عن عطاء عن كعب قال : إن طائر الجنة أمثال البخت يأكل من ثمرات الجنة ويشرب من أنهار الجنة ، فيصطففن له فإذا اشتهى منها شيئا أتى حتى يقع بين يديه ، فيأكل من خارجه وداخله ثم يطير لم ينقص منه شيء ، صحيح إلى كعب وقال الحسن بن عرفة : حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال : قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا».

وقوله تعالى : (وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) قرأ بعضهم بالرفع وتقديره ولهم فيها حور عين! وقراءة الجر تحتمل معنيين : أحدهما أن يكون الإعراب على الإتباع بما قبله كقوله تعالى : (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ) كما قال تعالى : (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة : ٦] وكما قال تعالى : (عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ) [الإنسان : ٢١] والاحتمال الثاني أن يكون مما يطوف به الولدان المخلدون عليهم الحور العين ، ولكن يكون ذلك في القصور لا بين بعضهم بعضا ، بل في الخيام يطوف عليهم الخدام بالحور العين ، والله أعلم. وقوله تعالى : (كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) أي كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه كما تقدم في سورة الصافات (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) [الصافات : ٤٩] وقد تقدم في سورة الرّحمن وصفهن أيضا ، ولهذا قال : (جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل.

ثم قال تعالى : (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً) أي لا يسمعون في الجنة كلاما لاغيا أي عبثا خاليا عن المعنى أو مشتملا على معنى حقير أو ضعيف كما قال (لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً) [الغاشية : ١١] أي كلمة لاغية (وَلا تَأْثِيماً) أي ولا كلاما فيه قبح (إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً) أي إلا التسليم منهم بعضهم على بعض كما قال تعالى : (تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ) [إبراهيم : ٢٣] وكلامهم أيضا سالم من اللغو والإثم.

(وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ(٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (٤٠)

لما ذكر تعالى مآل السابقين وهم المقربون ، عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين وهم

١٤

الأبرار ، كما قال ميمون بن مهران أصحاب اليمين منزلتهم دون المقربين فقال (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ) أي أي شيء أصحاب اليمين وما حالهم وكيف مآلهم. ثم فسر ذلك فقال تعالى : (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ) قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو الأحوص وقسامة بن زهير والسفر بن نسير ، والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وأبو حزرة وغيرهم : هو الذي لا شوك فيه ، وعن ابن عباس : هو الموقر بالثمر ، وهو رواية عن عكرمة ومجاهد ، وكذا قال قتادة أيضا : كنا نحدث أنه الموقر الذي لا شوك فيه ، والظاهر أن المراد هذا وهذا ، فإن سدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر ، وفي الآخرة على عكس من هذا لا شوك فيه وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله.

كما قال الحافظ أبو بكر أحمد بن سلمان النجّاد ، حدثنا محمد بن محمد هو البغوي ، حدثني حمزة بن العباس ، حدثنا عبد الله بن عثمان حدثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال : كان أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقولون : إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم ، قال : أقبل أعرابي يوما فقال : يا رسول الله ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها ، فقال رسول الله : «وما هي؟» قال السدر فإن له شوكا مؤذيا. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أليس الله تعالى يقول (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ) خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة ، فإنها لتنبت ثمرا تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونا من طعام ، ما فيها لون يشبه الآخر».

[طريق آخر] قال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا محمد بن المصفى ، حدثنا محمد بن المبارك ، حدثني يحيى بن حمزة ، حدثني ثور بن يزيد ، حدثني حبيب بن عبيد عن عتبة بن عبد السلمي قال : كنت جالسا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فجاء أعرابي فقال : يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها ، يعني الطلح ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود ، فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لون آخر» وقوله (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ) الطلح شجر عظام يكون بأرض الحجاز من شجر العضاه واحدته طلحة ، وهو شجر كثير الشوك ، وأنشد ابن جرير لبعض الحداة : [البسيط]

بشّرها دليلها وقالا

غدا ترين الطلح والجبالا (١)

وقال مجاهد (مَنْضُودٍ) أي متراكم الثمر يذكر بذلك قريشا لأنهم كانوا يعجبون من وجّ ظلاله من طلح وسدر وقال السدي : (مَنْضُودٍ) مصفود. قال ابن عباس : يشبه طلح الدنيا ، ولكن له ثمر أحلى من العسل ، قال الجوهري والطلح لغة في الطلع قلت : وقد روى ابن أبي حاتم من حديث الحسن بن سعد عن شيخ من همدان قال : سمعت عليا يقول هذا الحرف في

__________________

(١) البيت للجعدي في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٧ / ٢٠٨ ، وفيه «والأحبالا» بدل «والجبالا» ، وبلا نسبة في تفسير الطبري ١١ / ٦٣٦.

١٥

(طَلْحٍ مَنْضُودٍ) ، قال : طلع منضود ، فعلى هذا يكون من صفة السدر ، فكأنه وصفه بأنه مخضود ، وهو الذي لا شوك له ، وأن طلعه منضود وهو كثرة ثمره ، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو معاوية عن إدريس عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة عن أبي سعيد (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ) قال الموز ، قال وروي عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة وقسامة بن زهير وقتادة وأبي حزرة مثل ذلك وبه قال مجاهد وابن زيد : وزاد فقال : أهل اليمن يسمون الموز الطلح ، ولم يحك ابن جرير غير هذا القول.

وقوله تعالى : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ، يبلغ به النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ، اقرءوا إن شئتم (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) (١) ورواه مسلم من حديث الأعرج به. وقال الإمام أحمد (٢) : حدثنا سريج ، حدثنا فليح عن هلال بن علي ، عن عبد الرّحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ، اقرءوا إن شئتم (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) وكذا رواه مسلم من حديث الأعرج به. وكذا رواه البخاري (٣) عن محمد بن سنان عن فليح به ، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ، وكذا رواه حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة والليث بن سعد عن سعيد المقبري ، عن أبيه عن أبي هريرة : وعوف عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة به.

وقال الإمام أحمد (٤) : حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا : حدثنا شعبة ، سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين ـ أو مائة ـ سنة هي شجرة الخلد». وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها ، واقرءوا إن شئتم (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) إسناده جيد ولم يخرجوه ، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن عبدة وعبد الرّحيم والبخاري ، كلهم عن محمد بن عمرو به ، وقد رواه الترمذي من حديث عبد الرّحمن بن سليمان به.

وقال ابن جرير (٥) : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن زياد مولى بني مخزوم عن أبي هريرة قال : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام

__________________

(١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٥٦ ، باب ١ ، ومسلم في الجنة حديث ٦ ، ٨.

(٢) المسند ٢ / ٤٨٢.

(٣) كتاب بدء الخلق باب ٨.

(٤) المسند ٢ / ٤٤٥.

(٥) تفسير الطبري ١١ / ٦٣٧.

١٦

اقرءوا إن شئتم (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) فبلغ ذلك كعبا فقال : صدق والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد ، لو أن رجلا ركب حقة أو جذعة ثم دار بأعلى تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما ، إن الله غرسها بيده ونفخ فيها من روحه ، وإن أفنانها لمن وراء ستار الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة.

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا محمد بن منهال الضرير : حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قول الله تعالى : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) قال : «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» وكذا رواه البخاري (١) عن روح بن عبد المؤمن عن يزيد بن زريع ، وهكذا رواه أبو داود الطيالسي عن عمران بن داود القطان عن قتادة به ، وكذا رواه معمر وأبو هلال عن قتادة به ، وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمّر (٢) السريع مائة عام ما يقطعها» (٣) فهذا حديث ثابت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد ، لتعدد طرقه وقوة أسانيده وثقة رجاله.

وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير (٤) : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا أبو حصين قال : كنا على باب في موضع ومعنا أبو صالح وشقيق يعني الضبي ، فحدث أبو صالح قال: حدثني أبو هريرة قال : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما ، قال أبو صالح: أتكذب أبا هريرة؟ قال : ما أكذب أبا هريرة ولكني أكذبك أنت ، فشق ذلك على القراء يومئذ. قلت : فقد أبطل من يكذب بهذا الحديث مع ثبوته وصحته ورفعه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال الترمذي : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا زياد بن الحسن بن الفرات القزاز عن أبيه عن جده عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب» (٥) ثم قال : حسن غريب.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن أبي الربيع ، حدثنا أبو عامر العقدي عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال : الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في كل نواحيها ، مائة عام ، قال : فيخرج إليها أهل الجنة أهل

__________________

(١) كتاب بدء الخلق باب ٨.

(٢) الجواد المضمّر : هو الذي يعلف حتى يسمن ، ثم يرد ليخف ، وقيل : هو الذي يشد عليه السرج حتى يعرق تحته فيذهب رهله ويشتد لحمه.

(٣) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٥١ ، ومسلم في الجنة حديث ٨.

(٤) تفسير الطبري ١١ / ٦٣٩.

(٥) أخرجه الترمذي في الجنة باب ١.

١٧

الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها ، قال : فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة ، فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا. هذا أثر غريب إسناده جيد قوي حسن.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن يمان حدثنا سفيان ، حدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون في قوله تعالى : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) قال سبعون ألف سنة ، وكذا رواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان مثله ، ثم قال ابن جرير (١) : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) قال : خمسمائة ألف سنة.

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا حصين بن نافع عن الحسن في قول الله تعالى : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) قال : في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها ، وقال عوف عن الحسن : بلغني أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» رواه ابن جرير وقال شبيب عن عكرمة عن ابن عباس : في الجنة شجر لا يحمل يستظل به ، رواه ابن أبي حاتم ، وقال الضحاك والسدي وأبو حزرة في قوله تعالى : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) لا ينقطع ، ليس فيها شمس ولا حر مثل قبل طلوع الفجر ، وقال ابن مسعود : الجنة سجسج (٢) كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وقد تقدمت الآيات كقوله تعالى : (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلاً) [النساء : ٥٧] وقوله : (أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها) [الرعد : ٣٥] وقوله : (فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ) [المرسلات : ٤١] إلى غير ذلك من الآيات وقوله تعالى : (وَماءٍ مَسْكُوبٍ) قال الثوري : يجري في غير أخدود ، وقد تقدم الكلام عند تفسير قوله تعالى : (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ) [محمد : ١٥] الآية. بما أغنى عن إعادته هاهنا.

وقوله تعالى : (وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ) أي وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، كما قال تعالى : (كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً) [البقرة : ٢٥] أي يشبه الشكل الشكل ولكن الطعم غير الطعم ، وفي الصحيحين في ذكر سدرة المنتهى : «فإذا ورقها كآذان الفيلة ونبقها مثل قلال هجر» (٣). وفيهما أيضا من حديث مالك عن زيد عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال : خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم والناس معه فذكر الصلاة ، وفيه قالوا : يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت ، قال : «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا».

__________________

(١) تفسير الطبري ١١ / ٦٣٧.

(٢) الجنة سجسج : أي ظلها معتدل ، لا حر ولا برد.

(٣) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٦ ، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٩.

١٨

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا عبيد الله ، حدثنا ابن عقيل عن جابر قال : بينا نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فتقدمنا معه ، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر ، فلما قضى الصلاة قال أبي بن كعب : يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما كنت تصنعه ، قال : «إنه عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة ، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه ، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقص منه» (١) وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر نحوه.

وقال الإمام أحمد (٢) : حدثنا علي بن بحر ، حدثنا هشام بن يوسف ، أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي يقول : جاء أعرابي إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فسأله عن الحوض وذكر الجنة ثم قال الأعرابي : فيها فاكهة؟ قال : «نعم وفيها شجرة تدعى طوبى». قال : فذكر شيئا لا أدري ما هو ، قال : أي شجر أرضنا تشبه؟ قال : «ليست تشبه شيئا من شجر أرضك؟» فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أتيت الشام؟ قال : لا. قال : «تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحدة وينفرش أعلاها». قال : ما عظم العنقود؟ قال : «مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يفتر». قال : ما عظم أصلها؟ قال : «لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما» قال : فيها عنب؟ قال : «نعم» قال : فما عظم الحبة؟ قال : «هل ذبح أبوك تيسا من غنمه قط عظيما؟» قال : نعم ، قال : «فسلخ إهابه فأعطاه أمك فقال اتخذي لنا منه دلوا؟» قال : نعم. قال الأعرابي : فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي؟ قال : «نعم وعامة عشيرتك».

وقوله تعالى : (لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ) أي لا تنقطع شتاء ولا صيفا بل أكلها دائم مستمر أبدا ، مهما طلبوا وجدوا لا يمتنع عليهم بقدرة الله شيء ، وقال قتادة : لا يمنعهم من تناولها عود ولا شوك ولا بعد ، وقد تقدم في الحديث «إذا تناول الرجل الثمرة عادت مكانها أخرى» وقوله تعالى : (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) أي عالية وطيئة ناعمة قال النسائي وأبو عيسى الترمذي : حدثنا أبو كريب ، حدثنا رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قوله تعالى : (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) قال : «ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام (٣) ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد ، قال : وقال بعض أهل العلم : معنى هذا الحديث ارتفاع الفرش في الدرجات وبعد ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، هكذا قال إنه لا يعرف هذا إلا من رواية رشدين بن سعد ، وهو المصري وهو ضعيف ، وهكذا رواه أبو جعفر بن جرير عن أبي

__________________

(١) أخرجه أحمد في المسند ٣ / ٣٥٣.

(٢) المسند ٤ / ١٨٤.

(٣) أخرجه الترمذي في الجنة باب ٨.

١٩

كريب عن رشدين به.

ثم رواه هو وابن أبي حاتم كلاهما عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث فذكره ، وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضا عن نعيم بن حماد عن ابن وهب ، وأخرجه الضياء في صفة الجنة من حديث حرملة عن ابن وهب به مثله ، ورواه الإمام (١) أحمد عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة ، حدثنا دراج فذكره. وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو معاوية عن جويبر عن أبي سهل يعني كثير بن زياد عن الحسن (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) قال : ارتفاع فراش الرجل من أهل الجنة مسيرة ثمانين سنة.

وقوله تعالى : (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً لِأَصْحابِ الْيَمِينِ) جرى الضمير على غير مذكور. ولكن لما دل السياق وهو ذكر الفرش على النساء اللاتي يضاجعن فيها اكتفى بذلك عن ذكرهن وعاد الضمير عليهن كما في قوله تعالى : (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) [ص : ٣١ ـ ٣٢] يعني الشمس على المشهور من قول المفسرين ، وقال الأخفش في قوله تعالى : (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) أضمرهن ولم يذكرهن قبل ذلك ، وقال أبو عبيدة : ذكرن في قوله تعالى : (وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) فقوله تعالى : (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَ) أي أعدناهن في النشأة الأخرى بعد ما كن عجائز رمصا (٢) ، صرن أبكارا عربا أي بعد الثيوبة عدن أبكارا عربا متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة.

وقال بعضهم (عُرُباً) أي غنجات ، قال موسى بن عبيدة الربذي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) قال نساء عجائز كن في الدنيا عمشا رمصا» (٣) رواه الترمذي وابن جرير (٤) وابن أبي حاتم ثم قال الترمذي : غريب ، وموسى ويزيد ضعيفا ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا آدم يعني ابن أبي إياس ، حدثنا شيبان عن جابر عن يزيد بن مرة عن سلمة بن يزيد قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول في قوله تعالى : (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) يعني الثيب والأبكار اللاتي كن في الدنيا. وقال عبد بن حميد : حدثنا مصعب بن مقدام ، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال : أتت عجوز فقالت يا رسول الله ادع الله تعالى أن يدخلني الجنة فقال : «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز» قال : فولت تبكي. قال : «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ، إن الله تعالى يقول (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً). وهكذا رواه الترمذي في الشمائل عن عبد بن حميد.

__________________

(١) المسند ٣ / ٧٥.

(٢) الرمص ، بفتحتين : وسخ أبيض يجتمع في العين.

(٣) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٥٦ ، باب ٥.

(٤) تفسير الطبري ١١ / ٦٤١.

٢٠