المقدمة الاولى :
اشتهر بين القوم ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقابا لا خطابا ، فلو اضطر الانسان الى ارتكاب محرم اختيارا ـ كما لو القى نفسه من شاهق ـ فتكليفه بحفظ نفسه حال النزول ساقط عنه ، ولا يمكن انبعاثه نحو العمل لعدم القدرة عليه ـ حينئذ ـ وان كان باستطاعته فى بداية الامر ان لا يجعل نفسه كذلك ، ولكن عقابه صحيح.
وخالف فى تمامية هذه القاعدة طائفتان ـ فقد ادعى ابو هاشم ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقابا وخطابا ، فللمولى ان يأمر الانسان بحفظ نفسه نظرا الى ان تكليفه بغير المقدور مسبب عن سوء اختياره ، كما وقد ادعى بعض : منافاته للاختيار عقابا وخطابا نظرا الى ان كل ما ليس بمقدور لا يمكن البعث نحوه ، ولا العقاب على تركه.
وفى كلا القولين نظر ، (اما الاول) : فلان حقيقة التكليف هو البعث نحو المأمور به وايجاد الداعى للمكلف بالنسبة اليه فلا بدّ من كونه مقدورا وإلّا لكان التكليف لغوا ، اما كون العجز مسببا عن سوء الاختيار فهذا لا يصحح تكليف المولى للعاجز وإلّا لصح للمولى ان يأمر عبده بالجمع بين الضدين على تقدير الصعود على السطح وهو باطل اتفاقا ، (واما فى الثانى) فلان الخطاب وان تعذر فى حقه لانه بعث نحو امر غير مقدور فيكون التكليف لغوا لعدم امكان التحريك نحوه ، إلّا ان العقاب لا مانع منه باعتبار استطاعته فى بداية الامر ان لا يجعل نفسه مضطرا الى الارتكاب فيكون بحكم العقل عاصيا ، ومستحقا للعقوبة ، لانه ارتكب مبغوض المولى بسوء اختياره ، فالصحيح ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقابا لا خطابا.
