قولهم : كيف يحكم الرجال والله يقول : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) (١)؟ ففي ظنهم أن الرجال لا يحكمون بهذا الدليل ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : «يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم».
فقوله عليه الصلاة والسلام : «يحسبون أنه لهم» واضح فيما قلنا ، ثم إنهم يطلبون اتباعه بتلك الأعمال ليكونوا من أهله ، وليكون حجة لهم ، فحين ابتغوا تأويله وخرجوا عن الجادة كان عليهم لا لهم.
وفي معنى ذلك من قول ابن مسعود قال : وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم ، عليكم بالعلم وإياكم والبدع والتعمق ، عليكم بالعتيق.
فقوله : يزعمون كذا ، دليل على أنهم على الشرع فيما يزعمون.
ومن الشواهد أيضا حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم خرج إلى المقبرة فقال : «السلام عليكم دار قوم مؤمنين! وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أني قد رأيت إخواننا ـ قالوا : يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ ـ قال : بلى أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ، وأنا فرطكم على الحوض قالوا : يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال : أرأيت لو كان لأحدكم خيل غرّ محجلة في خيل دهم بهم ، ألا يعرف خيله؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : فإنهم يأتون يوم القيامة غرّا محجلين من الوضوء ، وأنا فرطهم على الحوض ، فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال ، أناديهم : ألا هلم ألا هلم! فيقال : قد بدلوا بعدك ، فأقول : فسحقا فسحقا فسحقا» (٢).
__________________
(١) سورة : الأنعام ، الآية : ٥٧.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب : الوضوء ، باب : فضل الوضوء والغر المحجلون (الحديث : ١ / ٢٠٧). وأخرجه مسلم في كتاب : الطهارة ، باب : استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء (الحديث : ٢٤٩). وأخرجه مالك في الموطأ في كتاب : الطهارة ، باب : جامع الوضوء (الأحاديث : ١ / ٢٨ ، ٣٠). وأخرجه النسائي في كتاب : الطهارة ، باب : حلية الوضوء (الأحاديث : ١ / ٩٣ ، ٩٥).
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)