صنعت في رأس العلم؟ قال : وما رأس العلم؟ قال : هل عرفت الرب؟ قال : نعم ، قال : فما صنعت في حقه؟ قال : ما شاء الله ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : اذهب فأحكم ما هنالك ثم تعال أعلمك من غرائب العلم» ، وهذا المعنى هو مقتضى الحكمة ، لا تعلم الغرائب إلا بعد إحكام الأصول ، وإلّا دخلت الفتنة ، وقد قالوا في العالم الرباني : إنه الذي يربي بصغار العلم قبل كباره.
وهذه الجملة شاهدها في الحديث الصحيح مشهور ، وقد ترجم على ذلك البخاري فقال : (باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا) ، ثم أسند عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ (١) ثم ذكر حديث معاذ الذي أخبر به عند موته تأثما ، وإنما لم يذكره إلا عند موته لأن النبي صلىاللهعليهوسلم لم يأذن له في ذلك لما خشي من تنزيله غير منزلته ، وعلمه معاذا لأنه من أهله.
وفي مسلم مرفوعا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٢). قال ابن وهب : وذلك أن يتأولوه غير تأويله ويحملوه على غير وجهه.
وخرّج شعبة عن كثير بن مرة الحضرمي أنه قال : إن عليك في علمك حقّا كما أن عليك في مالك حقّا ، لا تحدث بالعلم غير أهله فتجهل ، ولا تمنع العلم أهله فتأثم ، ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك ، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك.
وقد ذكر العلماء هذا المعنى في كتبهم وبسطوه بسطا شافيا والحمد لله ، وإنما نبهنا عليه لأن كثيرا ممن لا يقدر قدر هذا الموضع يزل فيه فيحدث الناس بما لا تبلغه عقولهم ، وهو على خلاف الشرع ، وما كان عليه سلف هذه الأمة.
ومن ذلك أيضا جميع ما تقدم في فضل السنّة ، التي يكون العمل بها ذريعة إلى البدعة ، من حيث إنها عمل بها ولم يعمل بها سلف هذه الأمة.
ومنه تكرار السورة الواحدة في التلاوة أو في الركعة الواحدة ، فإن التلاوة لم تشرع
__________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب : العلم ، باب : من خصّ قوما دون قوم في العلم (الحديث : ١ / ١٩٩).
(٢) أخرجه مسلم في المقدمة ، باب : في النهي عن الحديث بكل ما سمع (الحديث : ١ / ١١).
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)