بدينهم ، وسميت بدعة. والندب إليها يقتضي أن لا ابتداع فيها ، فكيف يجتمعان؟ ولكن للمسألة بيان فقد يذكر بحول الله.
وقيل : إن معنى قوله تعالى : (وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) إنهم تركوا الحق ، وأكلوا لحوم الخنازير ، وشربوا الخمر ، ولم يغتسلوا من جنابة ، وتركوا الختان (فَما رَعَوْها) يعني : الطاعة والملة (حَقَّ رِعايَتِها) فالهاء راجعة إلى غير مذكور ، وهو الملة المفهوم معناها من قوله : (وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) (١) ، لأنه يفهم منه أن ثم ملة متبعة ، كما دل قوله : (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِ) (٢) ، على الشمس حتى عاد عليها الضمير في قوله تعالى : (تَوارَتْ بِالْحِجابِ) (٣) ، وكان المعنى على هذا القول : ما كتبناها عليهم على هذا الوجه الذي فعلوه ، وإنما أمرناهم بالحق ، فالبدعة فيه إذا حقيقية لا إضافية ، وعلى كل تقدير ، فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء ، فلا نظر فيه بالنسبة إلى هذه الأمة.
وخرّج سعيد بن منصور وإسماعيل القاضي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال : أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم ، إنما كتب عليكم الصيام ، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه ، فإن أناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فعاتبهم الله بتركها فقال : (وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) الآية.
وفي رواية : فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضوان الله ، فلم يرعوها حق رعايتها ، فعاتبهم الله بتركها ، وتلا هذه الآية : (وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) الآية.
وهذا القول يقرب من قول بعض المفسرين في قوله : (فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها) (٤) ، يريد أنهم قصروا فيها ولم يدوموا عليها.
قال بعض نقلة التفسير : وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتطوع ونفل ، وأن يرعوه حق رعايته.
__________________
(١) سورة : الحديد ، الآية : ٢٧.
(٢) سورة : ص ، الآية : ٣١.
(٣) سورة : ص ، الآية : ٣٢.
(٤) سورة : الحديد ، الآية : ٢٧.
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)