وكذلك الاجتماع على الذكر فإنه اجتماع على ذكر الله ففي رواية أخرى أنه قال : «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة» الحديث المذكور ، لا الاجتماع للذكر على صوت واحد ، وإذا اجتمع القوم على التذكر لنعم الله ، أو التذاكر في العلم إن كانوا علماء ، أو كان فيهم عالم فجلس إليه متعلمون ، أو اجتمعوا يذكر بعضهم بعضا بالعمل بطاعة الله والبعد عن معصيته ـ وما أشبه ذلك مما كان يعمل به رسول الله صلىاللهعليهوسلم في أصحابه ، وعمل به الصحابة والتابعون ـ فهذه المجالس كلها مجالس ذكر وهي التي جاء فيها من الأجر ما جاء.
كما يحكى عن ابن أبي ليلى أنه سئل عن القصص ، فقال : أدركت أصحاب محمد صلىاللهعليهوسلم يجلسون ويحدث هذا بما سمع وهذا بما سمع ـ فأما أن يجلسوا خطيبا فلا ـ وكان كالذي نراه معمولا به في المساجد من اجتماع الطلبة على معلم يقرئهم القرآن أو علما من العلوم الشرعية ، أو تجتمع إليه العامة فيعلمهم أمر دينهم ويذكرهم بالله ويبين لهم سنّة نبيهم ليعملوا بها ، ويبين لهم المحدثات التي هي ضلالة ليحذروا منها ، ويتجنبوا مواطنها والعمل بها.
فهذه مجالس الذكر على الحقيقة وهي التي حرمها الله أهل البدع من هؤلاء الفقراء الذين زعموا أنهم سلكوا طريق التصوف ، وقل ما تجد منهم من يحسن قراءة الفاتحة في الصلاة إلا على اللحن ، فضلا عن غيرها ، ولا يعرف كيف يتعبد ولا كيف يستنجي أو يتوضأ أو يغتسل من الجنابة ، وكيف يعلمون ذلك وهم قد حرموا مجالس الذكر التي تغشاها الرحمة ، وتنزل فيها السكينة ، وتحف بها الملائكة فبانطماس هذا النور عنهم ضلوا ، فاقتدوا بجهال أمثالهم ، وأخذوا يقرءون الأحاديث النبوية والآيات القرآنية فينزلونها على آرائهم ، لا على ما قال أهل العلم فيها ، فخرجوا عن الصراط المستقيم ، إلى أن يجتمعوا ويقرأ أحدهم شيئا من القرآن يكون حسن الصوت طيب النغمة جيد التلحين تشبه قراءته الغناء المذموم ، ثم يقولون : تعالوا نذكر الله فيرفعون أصواتهم يمشون ذلك الذكر مداولة ، طائفة من جهة ، وطائفة من جهة أخرى ، على صوت واحد يشبه الغناء ، ويزعمون أن هذا من مجالس الذكر المندوب إليها ، وكذبوا : فإنه لو كان حقّا لكان السلف الصالح أولى بإدراكه وفهمه والعمل به ، وإلا فأين في الكتاب أو في السنّة الاجتماع للذكر على صوت واحد جهرا عاليا؟ وقد قال
__________________
ـ مسلم في كتاب : الذكر والدعاء ، باب : فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (الحديث : ٢٧٠).
![الإعتصام [ ج ١ ] الإعتصام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3388_alitisam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)