التفصّي بين كون المأمور به المكره عليه أمراً واحداً شخصيّاً كما لو قال : «بع دارك وإلّا لأقتلنّك» أو أمرين على وجه التخيير الّذي صرّح به الآمر كما لو قال : «بع دارك أو طلّق زوجتك وإلّا لأقتلنّك» فاختار بيع الدار ، أو أمراً كلّيّاً حكم العقل بالتخيير بين أفراده كما لو قال : «بع واحداً من عبيدك وإلّا لأقتلنّك» وعنده عبيد متعدّدون فباع واحداً معيّناً منهم ، فإنّه في الجميع مكره في نظر العرف. وبالجملة تعدّد المكره على أحدهما أو كلّيّته لا يمنع من تحقّق موضوع الإكراه ، ولا يرفع صدق اسم المكره عرفاً فيما إذا اختار أحد الفردين المخيّر فيهما بنصّ الآمر أو بحكم العقل.
ثمّ إنّه هل يعتبر في الإكراه المانع من صحّة العقد مع العجز عن التفصّي عن الضرر العجز عن التورية لدهشة أو جهل بطريق التورية فالعقد مع القدرة عليها لا يدخل في عقد المكره ، أو لا يعتبر العجز منها فالعقد من القادر عليها ليس بخارج عن عقد المكره؟ قولان ، عزي (١) ثانيهما إلى الأكثر ، وهو ظاهر النصّ والفتاوى ومعاقد الإجماع في عقد المكره ، وظاهر خصوص النصوص الواردة في طلاق المكره وعتقه. وقيل بالأوّل. والصحيح ما عليه الأكثر.
والقول بالاعتبار إمّا أن يراد به اعتبار العجز عنها في موضوع الإكراه وصدق اسم المكره كالعجز عن التفصّي ، أو يراد به اعتباره في حكم الإكراه وهو إبطاله العقد على معنى كونه شرطاً تعبّديّاً فيه.
وأيّاً ما كان فهو غير سديد ، أمّا الأوّل : فلأنّ مناط موضوع الإكراه بالنسبة إلى المعاملة كونها لا عن طيب نفس ورضا بوقوع مضمون العقد وأثره في الخارج ، وهذا يجامع كلاًّ من عدم قصد ظاهر اللفظ مادّة أو هيئة وقصد خلاف ظاهره مادّة وهيئة وقصد ظاهره كذلك ، وقضيّة ذلك عدم توقّف تحقّق موضوعه وصدق اسمه على التورية ، سواء اريد بها عدم قصد الظاهر أو قصد خلاف الظاهر.
وأمّا الثاني : فلأنّ جعل العجز عن التورية شرطاً تعبّديّاً تقييد في نصوص الباب وفتاوى الأصحاب ومعاقد إجماعاتهم ، وهو يحتاج إلى دليل من نصّ أو إجماع ،
__________________
(١) المكاسب ٣ : ٣١٣.
![ينابيع الأحكام [ ج ٥ ] ينابيع الأحكام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1482_yonabi-alahkam-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
