عفوية ، أم أنّه كان قد فرغ لتوّه من قراءة فاحصة في تاريخهم المتقدم وقد مرت به كما مرّت بنا في مكاتباتهم تشبيه أنفسهم وتشبيه بعضهم بعضاً بالحيوانات المفترسة وغير المفترسة. ألم يشبّه مروان نفسه بالفهد ؟ وبذلك شبهه معاوية أيضاً كما شبهه بالثعلب وبالقنفذ. كما شبّه آخرين بالحيوانات وأراد منهم أن يكونوا مثلها في طباعها. فشبّه الزبير بالثعبان وبالجمل الرديع ، وشبّه سعيد بن العاص بالحية الذكر ، وبالذرة ـ وهي صغار النمل ـ وشبه الآخرين بالدجاجه والرخمة والعُقاب والنعام والحرباء.
فهل رأى شوقي في الذين تواثبوا باعلان الخلاف على الإمام طباعَهم كطباع تلك الحيوانات ، وقارن بينهم وبينها فوجدهم أقرب إلى طباع الذئب ، و كأنه فرغ لتوّه من قراءة كتب الحيوان للجاحظ ومقارنته بحياة الحيوان للدميري ، فرأى طبائعهم تتفق وطبائع الذئاب ، في كثرة العواء ما دامت مُرسلة ، فإذا أُخذت وضُربت بالعصيّ والسيوف حتى تتقطع أو تهشّم لم يُسمَع لها صوت إلى أن تموت ؟
أو رأى أنّ ما قالوه العرب من أمثال في الذئب ينطبق الكثير منها على أولئك الناكثين والقاسطين والمارقين ، فإن العرب قالوا : «أغدر من ذئب ، وأختل ، وأخبث ، وأخون ، و... وأعتى ، وأعوى وأظلم... وأوقح ، وأعق ، وألأم من ذئب»(١).
فرأى شوقي ان كثيراً من هذه الأمثال ينطبق عليهم لكثرة مواقف الخيانة فاستدعت منه الإدانة والإهانة. فكان التشبيه عن سابق تفكير وحسن تقدير ، فمنحهم الهوية عن روّية ؟
______________________
(١) حياة الحيوان للدميري ـ الذئب.
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٣ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1168_mosoa-abdollahebnabbas-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

