قال ابن أبي الحديد : هذا آخر ما تكاتب القوم به ، ومَن وقف عليه علم أن الحال لم يكن حالاً يقبل العلاج والتدبير ، وأنه لم يكن بدٌّ من السيف ، وأنّ عليّاً عليهالسلام كان أعرف بما عمل»(١).
أقول : لقد تبيّن من تلك الرسائل المتبادلة الضمائر الحاقدة الّتي استفزّها مجيء الإمام للحكم فتعاوت لقص جناحِها ، وتعاورت بسموم رياحها ، من الشمال إلى الجنوب ، ومن الشرق إلى الغرب. (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّـهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(٢).
قال طه حسين في كتابه : «وكذلك استقبل عليّ خلافة المسلمين بما لم يستقبلها أحد من الذين سبقوه... ثمّ هو لم يطلب إلى الناس أن يبايعوه على ما كان يرى لنفسه من حق في الخلافة ، وإنما استكرهه الناس على البيعة استكراهاً ، استكرهه الثائرون بعثمان ليأمنوا بعض عواقب ثورتهم ، واستكرهه المهاجرون والأنصار ليقيموا للناس إماماً ينفّذ فيهم أمر الله... ولم يكن يستطيع أن يبقى في المدينة منتظراً حتى يغزوه فيها معاوية وأهل الشام ، ولا أن يبقى في المدينة منتظراً حتى يبلغ طلحة والزبير العراق فيجتازا ما وراءه من الثغور وفيها من الفيء والخراج ، ثمّ يكرّان عليه بعد ذلك ليغزواه في المدينة ، لم يكن له بُدّ إذا من أن يستعد للخروج إلى الشام حين أبى معاوية عليه البيعة ، وحجته على معاوية ظاهرة ، فقد بايعته الكثرة الكثيرة من المسلمين في الحجاز والأقاليم وأصبحت طاعته لازمة.
وكان الحقّ على معاوية لو أنصف وأخلص نفسه للحق أن يبايع كما بايع الناس ثمّ يأتي إلى عليّ مع غيره من أولياء عثمان فيطالبون بالإقادة ممّن قتله.
______________________
(١) شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ / ٥٧٩ ط الاُولى بمصر.
(٢) سورة الصف / ٨.
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٣ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1168_mosoa-abdollahebnabbas-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

