وجعلك عمر أحد المستخلفين على الأمة ، واعلم أبا عبد الله ، إن الرعية أصبحت كالغنم المتفرّقة لغيبة الراعي ، فسارع رحمك الله إلى حقن الدماء ولمّ الشعث ، وجمع الكلمة ، وصلاح ذات البين ، قبل تفاقم الأمر وانتشار الأمة ، فقد أصبح الناس على شفا جرفٍ هارٍ عمّا قليل ينهار إن لم يُرأب ، فشمّر لتأليف الأمة ، وابتغ إلى ربّك سبيلا ، فقد أحكمت الأمر على مَن قِبَلي لك ولصاحبك على أن الأمر للمقدَّم ، ثمّ لصاحبه من بعده ، جعلك الله من أئمة الهدى ، وبغاة الخير والتقوى. والسلام.
وكتب إلى مروان بن الحكم : أمّا بعد فقد وصل إلي كتابك بشرح خبر أمير المؤمنين ، وما ركبوه به ونالوه منه ، جهلاً بالله وجرأة عليه ، واستخفافاً بحقّه ، ولأمانيّ لوّح الشيطان بها في شَرَك الباطل ليدهدههم(١) في أهويات الفتن ، ووهدات الضلال ، ولعمري لقد صدق عليهم ظنّه ، ولقد اقتنصهم بأنشوطة فخّه ، فعلى رسلك أبا عبد الله ، يمشي الهوينى ويكون أوّلاً ، فإذا قرأت كتابي هذا فكن كالفهد لا يصطاد إلّا غيلة ، ولا يتشازر(٢) إلّا عن حيلة ، وكالثعلب لا يفلِتُ إلّا روغانا ، واخف نفسك منهم إخفاء القنفذ رأسه عند لمس الأكفّ ، وامتهن نفسك امتهان من ييأس القوم من نصره وانتصاره ، وابحث عن أمورهم بحث الدجاجة عن حبّ الدخن عند فقاسها ، وأَنغِل(٣) الحجاز فإني منغلٌ الشام. والسلام.
وكتب إلى سعيد بن العاص : أمّا بعد ، فإن كتاب مروان ورد عليّ من ساعة وقت النازلة ، تقبل به البُرد بسير المطيّ الوجيف(٤) تتوجس توجّس الحيّة الذكر
______________________
(١) أي : ليرديهم.
(٢) التشازر : النظر بمؤخر العين.
(٣) أي احملهم على الضغن والعداوة.
(٤) الوجيف : السريع في سيره.
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٣ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1168_mosoa-abdollahebnabbas-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

