المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - ج ٢

المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - ج ٢

المؤلف:


المحقق: عبدالاله بن سلمان بن سالم الأحمدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

١
٢

قول الإمام أحمد فى طاعة ولاة الأمر والواجب تجاههم

قال أبو بكر الخلال :

٤٣٠ ـ أنبأ أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروزي قال : سمعت أبا عبد الله وذكر له السنة والجماعة والسمع والطاعة فحث على ذلك وأمر به (١).

الروايات عن الإمام أحمد فى هذا المعنى كثيرة ومتنوعة. وممن نقلها عنه :

٤٣١ ـ أبو بكر المروزي أن أبا عبد الله قال : السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية(٢).

٤٣٢ ـ قال : سمعت أبا عبد الله وذكر الخليفة المتوكل رحمه‌الله فقال : إنى لأدعو له بالصلاح والعافية (٣).

٤٣٣ ـ قال : سمعت أبا عبد الله يأمر بكف الدماء وينكر الخروج إنكارا شديدا (٤).

٤٣٤ ـ أن أبا عبد الله ذكر الحسن بن صالح (٥) فقال : كان يرى السيف ولا نرضى مذهبه (٦).

__________________

(١) السنة (ق ١ / أ).

(٢) المصدر السابق (ق ١٠ / أ).

(٣) المصدر نفسه (ق ٢ / أ).

(٤) المصدر نفسه (ق ٧ / ب).

(٥) هو : ابن حي. قال عنه ابن حجر : ثقة فقيه عابد ، رمى بالتشيع. توفى سنة تسع وتسعين ومائة. تقريب ١ / ١٦٧ وانظر أحواله فى سير أعلام النبلاء ٧ / ٣٦٢.

(٦) السنة للخلال (ق ٨ / ب) وذكرها أبو يعلى فى الأحكام السلطانية ص ٢١.

٣

٤٣٥ ـ أحمد بن الحسين بن حسان قال : سمعت أبا عبد الله وسئل عن طاعة السلطان فقال بيده عافى الله السلطان ، تنبغى ، سبحان الله السلطان (١).

٤٣٦ ـ محمد بن عوف الطائى قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول : والفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس (٢).

٤٣٧ ـ ابنه صالح أن أباه قال لابن الكلبى والمظفر رسول الخليفة : أرى طاعته فى العسر واليسر والمنشط والمكره والأثرة (٣).

٤٣٨ ـ أبو الحارث الصائغ قال : سألت أبا عبد الله فى أمر كان حدث ببغداد. وهمّ قوم بالخروج. فقلت : يا أبا عبد الله ما تقول فى الخروج مع هؤلاء؟ فأنكر ذلك عليهم. وجعل يقول : سبحان الله الدماء الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به. الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يسفك فيها الدماء ويستباح فيها الأموال وينتهك فيها المحارم أما علمت ما كان الناس فيه ـ يعنى أيام الفتنة ـ قلت : والناس اليوم أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؟ قال : وإن كان فإنما هى فتنة خاصة فإذا وقع السيف عمت الفتنة وانقطعت السبل. الصبر على هذا ، ويسلم لك دينك خير لك. ورأيته ينكر الخروج على الأئمة وقال : الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به (٤).

٤٣٩ ـ حنبل بن إسحاق قال : فى ولاية الواثق اجتمع فقهاء بغداد إلى أبى عبد الله: أبو بكر بن عبيد وإبراهيم بن على المطبخى وفضل بن عاصم فجاءوا إلى أبى عبد الله ، فاستأذنت لهم. فقالوا : يا أبا عبد الله هذا الأمر قد

__________________

(١) المصدر نفسه (ق / أ).

(٢) المصدر نفسه (ق ١ / ب) وطبقات الحنابلة ١ / ٣١١ والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص : ١٩.

(٣) المصدر نفسه (ق ١ / ب ـ ٢ / أ).

(٤) المصدر السابق (ق ٧ / ب ـ ٨ / أ).

٤

تفاقم وفشا ـ يعنون إظهاره لخلق القرآن وغير ذلك ـ فقال لهم أبو عبد الله : فما تريدون؟ قالوا : أن نشاورك فى أنا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه فناظرهم أبو عبد الله ساعة وقال لهم: عليكم بالنكرة فى قلوبكم ولا تخلعوا يدا من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم انظروا فى عاقبة أمركم واصبروا حتى يستريح بر ويستراح من فاجر ودار فى ذلك كلام كثير لم أحفظه. ومضوا ودخلت أنا وأبى على أبى عبد الله بعد ما مضوا فقال أبى لأبى عبد الله : نسأل الله السلامة لنا ولأمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما أحب لأحد أن يفعل هذا. وقال أبى : يا أبا عبد الله هذا عندك صواب؟ قال : لا. هذا خلاف الآثار التى أمرنا فيها بالصبر (١).

٤٤٠ ـ عبدوس بن مالك قال : سمعت أحمد يقول : ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأى وجه كان بالرضا أو الغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإن مات الخارج مات ميتة جاهلية ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق (٢).

٤٤١ ـ الحسن الربعى قال : قال لى أحمد : ... والصبر تحت لواء السلطان على ما كان فيه من عدل أو جور وأن لا تخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا (٣).

٤٤٢ ـ محمد بن حبيب قال : سمعت أحمد يقول : ... ولا تخرج عليهم بسيفك (٤).

__________________

(١) المصدر نفسه (ق / أ) وذكرها حنبل في ذكر محنة الإمام أحمد ص ٧٠ بسياق أتم من هذا. ونقلها أبو يعلى بن الفراء فى الأحكام السلطانية ص ٢١ ، وابنه فى طبقات الحنابلة ١ / ١٤٤ مختصرة.

(٢) رسالة عبدوس (ق ٥ / أ) وطبقات الحنابلة ١ / ٢٤٤.

(٣) المصدر الأخير ١ / ١٣٠.

(٤) نفس المصدر ١ / ٢٩٥.

٥

وفى كتاب السنة له ورسالة الإصطخرى عنه قال : ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا وفى موضع آخر قال : فإن أمرك السلطان بأمر هو لله عزوجل معصية فليس لك أن تطيعه البتة وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه (١).

وفى الصلاة خلفهم وخلف من ولوه نقل عنه :

٤٤٣ ـ أبو بكر المروزي ، أن أبا عبد الله قال : قد قلت لابن الكلبى صاحب الخليفة : ما أعرف نفسى منذ كنت حدثا إلى ساعتى هذه إلا أدى الصلاة خلفهم وأعتد إمامته (٢).

٤٤٤ ـ يوسف بن موسى قال : قيل له : صلاة الجمعة والعيدين جائزة خلف الأئمة : البر والفاجر ما داموا يقيمونها؟ قال : نعم (٣). وعند ابن أبى يعلى : قال ـ أى يوسف ـ : قال أحمد : صلاة الجمعة ... إلى يقيمونها. جعلها من قوله (٤).

٤٤٥ ـ عبدوس بن مالك قال : سمعت أحمد يقول : ... وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة تامة ركعتين من أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة (٥).

٤٤٦ ـ مسدد بن مسرهد كتب أحمد إليه ... والصلاة خلفهم صلاة الجمعة والعيدين (٦).

٤٤٧ ـ وفى كتاب السنة له ورسالة الإصطخرى عنه قال : والجمعة والعيدان مع الأئمة وإن لم يكونوا بررة عدولا أتقياء (٧).

__________________

(١) السنة لأحمد ضمن شذرات البلاتين ص ٤٦ ورسالة الإصطخرى فى طبقات الحنابلة ١ / ٢٦ ـ ٢٧.

(٢) السنة للخلال (ق ٧ / ب).

(٣) نفس المصدر (ق ١ / أ).

(٤) طبقات الحنابلة ١ / ٤٢١.

(٥) رسالة عبدوس (ق ٤ / ب).

(٦) طبقات الحنابلة ١ / ٣٤٤.

(٧) السنة ضمن شذرات البلاتين ص ٤٦ والإصطخرى فى طبقات الحنابلة ١ / ٢٦.

٦

٤٤٨ ـ محمد بن حبيب قال : سمعت أحمد يقول ... وصلاة العيدين والجمعة والجماعات مع كل أمير بر وفاجر (١). وفى الحج والجهاد معهم نقل عنه :

٤٤٩ ـ عبدوس بن مالك قال : سمعت أحمد يقول ... والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك. وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم. ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة من دفعها إليهم أجزأت عنه برا كان أو فاجرا (٢).

٤٥٠ ـ مسدد بن مسرهد كتب إليه أحمد ... والخروج مع كل إمام فى غزوة وحجة (٣).

٤٥١ ـ الحسن الربعى قال : قال لى أحمد : ... والجهاد مع كل خليفة بر وفاجر(٤).

٤٥٢ ـ محمد بن حبيب قال : سمعت أحمد يقول : ... والجهاد ماض منذ بعث الله عزوجل محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى آخر عصابة يقاتلون الدجال لا يضرهم جور جائر (٥).

٤٥٣ ـ وفى كتاب السنة له ورسالة الإصطخرى عنه قال : والجهاد ماض قائم مع الإمام برا أو فاجرا ولا يبطله جور جائر ولا عدل عادل (٦) (٧).

__________________

(١) مناقب أحمد ص ٢١٦. وطبقات الحنابلة ١ / ٢٩٤.

(٢) رسالة عبدوس (ق ٤ / ب).

(٣) طبقات الحنابلة ١ / ٣٤٤.

(٤) نفس المصدر ١ / ١٣٠.

(٥) نفس المصدر ١ / ٢٩٥.

(٦) السنة ضمن شذرات البلاتين ص ٤٦ والإصطخرى فى طبقات الحنابلة ١ / ٢٦.

(٧) روى أبو داود ٣ / ٤٠ عن أنس بن مالك يرفعه : «والجهاد ماض منذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل».

٧

٤٥٤ ـ حنبل بن إسحاق قال : قال أبو عبد الله : الأضحى إلى الإمام والفطر إذا أفطر الإمام أفطر الناس وإذا ضحى الإمام ضحى الناس والصلاة إليه أيضا (١).

٤٥٥ ـ إسماعيل الشالنجى قال : سألت أحمد عن الجهاد والجمعات معهم؟ قال : تجاهد معهم (٢) وسئل عن بعض الأحاديث فى هذه المسألة وأجاب عنها كما فى رواية :

٤٥٦ ـ أبى داود قال : سمعت أبا عبد الله : ذكر حديث صالح بن كيسان ، عن الحارث بن فضيل الخطمى ، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم ، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة ، عن أبى رافع ، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ : «يكون أمراء يقولون ما لا يفعلون فمن جاهدهم بيده (٣). قال أحمد : جعفر هذا هو أبو عبد الحميد بن جعفر (٤) والحارث بن فضيل ليس بمحمود الحديث (٥). وهذا الكلام لا يشبه كلام

__________________

(١) السنة للخلال (ق ١ / أ).

(٢) المصدر نفسه (ق : ٧).

(٣) أخرج مسلم : ١ / ٧٠ بسنده عن صالح بن كيسان به إلى عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».

قال أبو رافع : فحدثت عبد الله بن عمر فأنكره علي ، فقدم ابن مسعود فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده. فانطلقت معه ، فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته ابن عمر. قال صالح : وقد تحدث بنحو ذلك عن أبي رافع. اه

وقد رواه مسلم من طريق آخر عن الحارث وقال : مثل حديث صالح ولم يذكر قدوم ابن مسعود واجتماع ابن عمر معه اه. وراجع مجمع الزوائد : ٥ / ٢٤٦ ، فقد ذكر نحوه غير واحد من الصحابة مرفوعا وليس فيه قتالهم بل فيه عدم إعانتهم على ظلمهم.

(٤) جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصارى ، والد عبد الحميد ، ثقة ، من الثالثة تقريب ، ص : ١٤٠.

(٥) هو : الحارث بن فضيل الأنصارى الخطمى ، قال عنه ابن حجر فى التهذيب : ٢ / ١٣٤ «قال ـ

٨

ابن مسعود. ابن مسعود يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اصبروا حتى تلقونى» (١) (٢).

٤٥٧ ـ إسماعيل الشالنجى قال : سألت أحمد : ما القول فى الأحاديث التى جاءت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر فى بعضها بالسمع والطاعة فى العسر واليسر وقال فى بعضها : قيل له : يحرمون من الفيء والعطاء قال : «قاتلوهم» قال : «أما ما صلوا فلا». وقال فى بعضها : «سلوا سيوفكم وبيدوا خضراءهم» (٣) فقلت : فما القول فى ذلك؟ قال : الكف لأنا نجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من غير وجه : أما ما صلوا فلا (٤) وحديث «سلوا سيوفكم» رواه ثوبان مرفوعا.

__________________

ـ النسائى : ثقة ، وكذا قال عثمان الدارمى عن ابن معين ، قلت : وقال مهنا عن أحمد : ليس بمحفوظ الحديث ، وقال أبو داود عن أحمد : ليس بمحمود الحديث وذكره ابن حبان فى الثقات». وفى التقريب : ١٤٧ قال : ثقة.

(١) مسائل أبى داود ص ٣٠٧ والسنة للخلال (ق ٩ / ب).

(٢) حديث ابن مسعود لم أجده عنه بهذا اللفظ ، وهو مروى عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن غيره من الصحابة.

وقد روى البخارى ١٣ / ٥ ومسلم ٣ / ١٤٧٢ وأحمد ١ / ٢٨٤ عن ابن مسعود يرفعه : «إنها ستكون بعدى أثرة وأمور تنكرونها ، قالوا : يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك قال : «تؤدون الحق الّذي عليكم وتسألون الله الّذي لكم».

أما النهى عن الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة فقد روى مسلم ٣ / ١٤٨١ عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «... وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» قيل يا رسول الله : أفلا ننابذهم بالسيف. فقال : «لا ما أقاموا فيكم الصلاة ...».

(٣) روى الطبرانى فى الصغير ١ / ٧٤ عن سالم بن أبى الجعد عن ثوبان مولى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم فإذا لم يفعلوا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم ...» الحديث. قال الهيثمى : رواه الطبرانى فى الصغير ورجال الصغير ثقات. مجمع الزوائد ٥ / ١٩٥ ، ٢٢٨. والعلة فى الانقطاع بين سالم وثوبان.

وسالم قال عنه ابن حجر : كان يرسل كثيرا. تقريب ١ / ٢٧٩.

وذكر الهيثمى عن النعمان بن بشير مثل حديث ثوبان يرفعه وقال : رواه الطبرانى وفيه من لم أعرفه.

(٤) السنة للخلال (ق / ٧).

٩

٤٥٨ ـ قال حنبل بن إسحاق : سمعت أبا عبد الله قال : الأحاديث خلاف هذا ـ وذكر أحمد بعض الأحاديث التى تحث على السمع والطاعة ـ ثم قال : فالذى يروى عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم خلاف حديث ثوبان وما أدرى ما وجهه. اه

٤٥٩ ـ وقال حمدان بن على : ذكرت لأحمد حديث الأعشى حديث ثوبان «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم» فقال : حدثنا وكيع قال : «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم» إلى هاهنا فقط.

٤٦٠ ـ وقال مهنا بن يحيى : سألت أحمد عن حديث الأعمش عن سالم بن أبى الجعد عن ثوبان : «أطيعوا قريشا ما استقاموا لكم» فقال : ليس بصحيح ، سالم بن أبى الجعد لم يلق ثوبان. قال : وسألت أحمد عن على بن عابس يحدث عنه الحمانى عن أبى فزارة عن أبى صالح مولى أم هانئ عن أم هانئ قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثل حديث ثوبان : «استقيموا لقريش». فقال : ليس بصحيح. هو منكر (١).

التعليق :

طاعة ولاة الأمر فرع من أصل مسألة عظيمة وهى الإمامة. ولا بدّ أن أتطرق إلى بعض جوانب هذه المسألة. ذلك لما لهذا الموضوع من أهمية كبرى فهو يمس كل فرد فى الأمة ولقد كانت هذه المسألة ـ بجميع جوانبها ـ وما تزال سببا مباشرا فى كثير من الويلات التى حلت بهذه الأمة.

ولعظم شأنها وخطرها نجد اهتمام علماء الأمة بها متقدميهم ومتأخريهم. والإمام أحمد له جهد كبير فى إيضاح بعض جوانبها. وقد كان له تجربة مباشرة مع بعض ولاة الأمر.

وكما ذكرت آنفا لا بدّ من إيضاح بعض جوانب هذه المسألة ولكن بإيجاز

__________________

(١) الروايات فى السنة للخلال (ق : ٧ / أ).

١٠

فأقول وبالله التوفيق :

إن نصب إمام للمسلمين أمر لا يستغنى عنه بحال بل هو واجب عنه عامة المسلمين (١) ولم يخالف فى هذا إلا من عميت بصيرتهم من الخوارج والمعتزلة (٢).

يقول ابن حزم رحمة الله : اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة والخوارج على وجوب الإمامة ، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل ، يقيم فيهم أحكام الله ، ويسوسهم بأحكام الشريعة التى أتى بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا : لا يلزم الناس فرض الإمامة ، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم (٣). اه

ووجوب نصب الإمام دل عليه الشرع قال الله عزوجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٤) ، وإن كان فى المراد بولى الأمر خلاف إلا أن الراجح أنهم من يلى أمر المسلمين «فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة (٥)».

وقال جل وعلا : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ) (٦). وفى جميع آيات الحدود والقصاص دلالة شرعية على وجوب نصب الإمام.

والأدلة من السنة من الكثرة بمكان أذكر منها ما رواه مسلم (٧) عن عبد الله

__________________

(١) انظر : الأحكام السلطانية للماوردى ص : ٥ ، ولأبى يعلى بن الفراء ص : ١٩ والسياسة الشرعية لابن تيمية ص ١٦١.

(٢) انظر : مقالات الإسلاميين ١ / ٢٠٥.

(٣) الفصل فى الملل ٤ / ٨٧.

(٤) سورة النساء / ٥٩.

(٥) وسيأتى إيضاح أكثر حول المراد بأولى الأمر.

(٦) سورة المائدة / ٤٩.

(٧) في الصحيح ٣ / ١٤٧٨.

١١

ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «... ومن مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».

فلا يمكن أن يتصور انضباط الناس دون إمام يسوسهم. وخلو أى مجتمع من إمام يدير شئونهم يعنى ضرورة انتشار الفوضى والتعدى على الأعراض والأنفس والأموال فى ذلك المجتمع. وكذا تفاقم الفتن.

والإمام أحمد يصور لنا هذا الوضع بقوله فى رسالة محمد بن عوف الطائى : والفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس (١).

وخلاصة القول : إن نصب الإمام وراءه من الفوائد ما لا يعد ولا يحصى فى جميع النواحي. ومن أهم تلك الفوائد وأعظمها على الإطلاق إقامة شرع الله عزوجل وأمره فى هذه الحياة. قال جل شأنه : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) (٢).

والإمامة تنعقد بالاختيار أو الاستخلاف وهما طريقان شرعيان متفق عليهما وقد تنعقد الإمامة عن طريق القهر والغلبة وهذه الطريقة وإن كانت دون الأولى إلا أن الإمامة تنعقد بها على الأصح وهو ما ذهب إليه أهل السنة. وفى بعض الروايات عن الإمام أحمد ما يدل على ذلك. ففى رسالة عبدوس بن مالك قال : «والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين : البر والفاجر ممن ولى الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به ، ومن خرج عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمى أمير المؤمنين» وفى موضع آخر قال : «ومن خرج على إمام من الأئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه ، وأقروا له بالخلافة ، بأى وجه كان بالرضا والغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين (٣).

__________________

(١) السنة للخلال (ق : ١ / ب) ونقلها أبو يعلى بن الفراء فى الأحكام السلطانية ص : ١٩.

(٢) سورة الحج / ٤١.

(٣) ط / الحنابلة ١ / ٢٤٤.

١٢

وفى رواية أبى الحارث الصائغ قال فى الإمام يخرج عليه من يطلب الملك فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم : تكون الجمعة مع من غلب. واحتج بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة فى زمن الحرة. وقال : «نحن مع من غلب (١)».

يقول النووى رحمه‌الله : «أما الطريق الثالث فهو القهر والاستيلاء ، فإذا مات الإمام فتصدى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلاف ولا بيعة ، وقهر الناس بشوكته وجنوده ، انعقدت خلافته ، لينتظم شمل المسلمين ، فإن لم يكن جامعا للشرائط ، بأن كان فاسقا أو جاهلا فوجهان أصحهما انعقادها لما ذكرناه وإن كان عاصيا بفعله» (٢).

وقال ابن بطال : وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما فى ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء (٣) اه

قلت : فإذا كان هذا هو موقف علماء الأمة ممن ولى أمر المسلمين بالقهر والغلبة فكيف بمن كانت ولايته بالاختيار أو الاستخلاف. ومن هنا يتضح لنا حرص أهل السنة والجماعة على وحدة المسلمين وحقن دمائهم وصيانتهم. والإمام أحمد يشدد على طاعة ولاة الأمر والصبر عليهم فى سبيل هذا الهدف.

وبعد أن أوضحت ما يدل على وجوب نصب إمام للمسلمين ، وكذا طرق انعقاد الإمامة أعود إلى ما عنونت له وهو : طاعة ولاة الأمر.

ولما لهذا الأمر من أهمية فالواجب معرفة بعض الحقوق التى يتوجب على الإمام القيام بها ، ومن المعلوم أن ولاية المسلمين أمانة عظمى لا يستطيع القيام بها إلا من كان على درجة تؤهله لحملها. ومن أدى هذه الأمانة بنية خالصة دخل في

__________________

(١) الأحكام السلطانية لأبى يعلى ص ٢٣.

(٢) روضة الطالبين ١٠ / ٤٦.

(٣) فتح البارى ١٣ / ٧.

١٣

عداد من يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله (١).

ومن أعظم الواجبات التى يتعين عليه القيام بها فى الأمة إقامة شرع الله عزوجل وأمره فى هذه الحياة قال تعالى : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) (٢).

فسياسة الناس وفق شرع الله أمر لا يمكن أن يتساهل فى تركه قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) (٣) وقال جل وعلا : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٤) وقال جل شأنه : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (٥).

وقال تبارك وتعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٦).

وقال سبحانه وتعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٧) وقال جل شأنه : (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) (٨) (إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٩) وقال تبارك

__________________

(١) روى البخارى ٢ / ١٤٣ ، ومسلم ٢ / ٧١٥ عن أبى هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ...» الحديث.

(٢) سورة الحج / ٤١.

(٣) سورة النساء / ٦٠.

(٤) سورة النساء / ٦٥.

(٥) سورة المائدة / ٤٤.

(٦) سورة المائدة / ٤٥.

(٧) سورة المائدة / ٤٧.

(٨) سورة النور / ٤٧ ، ٤٨.

(٩) سورة النور / ٥١.

١٤

وتعالى : (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (١)

وفى تحقيق الإمام لهذا المطلب الأساسى تحقيق لجميع المتطلبات من العدل وإزالة الظلم وحفظ الدين وكل ما تنشده الرعية ، فطاعة الإمام فى هذه الحالة من أوجب الواجبات قال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٢).

وقد ذكرت سابقا أن الّذي يترجح بالمراد بولاة الأمر هم من يلى أمر المسلمين وقيل إنها تشمل العلماء أيضا.

يقول ابن تيمية : «وأولو الأمر أصحابه وذووه ، وهم الذين يأمرون الناس وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام ، فلهذا كان أولو الأمر صنفين : العلماء والأمراء فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس (٣).

والأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الحث على طاعة ولاة الأمر فى غير معصية كثيرة جدا مما جعل الإمام أحمد يشدد على وجوب طاعة ولاة الأمر ـ فى غير معصية ـ وينكر الخروج عليهم.

ومن تلك الأحاديث :

ما رواه البخارى (٤) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى كأن رأسه زبيبة».

وروى مسلم (٥) عن أم الحصين قالت : حججت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حجة الوداع قالت : فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قولا كثيرا

__________________

(١) سورة المائدة / ٥٠.

(٢) سورة النساء / ٥٩.

(٣) الحسبة ص : ١١٨.

(٤) في الصحيح ١٣ / ١٢١.

(٥) في الصحيح ٣ / ١٤٦٨.

١٥

ثم سمعته يقول : «إن أمر عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا».

وروى البخارى (١) ومسلم (٢) عن عبادة بن الصامت قال : دعانا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فبايعناه. فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة فى منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله. قال : «إلا أن تروا كفرا بواحا (٣) عندكم من الله فيه برهان».

وروى البخارى (٤) ومسلم (٥) عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».

من هنا يتضح لنا أن طاعة ولاة الأمر ليست على إطلاقها ، قال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (٦).

يقول الطيبى : أعاد الفعل فى قوله : (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة ولم يعده فى أولى الأمر إشارة إلى أن يوجد فيهم من لا تجب طاعته. ثم بين ذلك بقوله : (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) كأنه قيل :

__________________

(١) فى الصحيح ١٣ / ٥.

(٢) فى الصحيح ٣ / ١٤٧٠.

(٣) قال الخطابى : معنى قوله «بواحا» يريد ظاهرا باديا من قولهم : باح الشيء يبوح به بوحا وبواحا إذا أذاعه وأظهره. فتح البارى ١٣ / ٨.

(٤) فى الصحيح ١٣ / ٢١.

(٥) فى الصحيح ٣ / ١٤٦٩.

(٦) سورة النساء / ٥٩.

١٦

فإن لم يعلموا بالحق فلا تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله (١).

ويقول ابن تيمية : فأهل السنة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقا إنما يطيعونهم فى ضمن طاعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما قال تعالى : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٢).

والروايات عن الإمام أحمد تشير إلى وجوب طاعته ما لم يأمر بمعصية.

وأما حثه فى روايات أخرى على السمع والطاعة وإن كان الإمام فاسقا أو جائرا ، فهو مذهب أهل السنة أيضا وهو لا يناقض القول الأول لأن هنالك فرقا بين أن يأمر ولى الأمر بالمعاصي ويجيز إظهارها والترويج لها ، وبين أن لا يفعل ذلك بل يكون فاسقا فى نفسه.

__________________

(١) فتح البارى ١٣ / ١١١ ـ ١١٢.

(٢) منهاج السنة ٢ / ٧٦.

١٧

قول الإمام أحمد فى قتال اللصوص

قال أبو بكر المروزي :

٤٦١ ـ قلت لأبى عبد الله : إن ابن شداد (١) يريد الخروج إلى الثغر وقد قال أن أسألك ، وهذا الطريق طريق الأنبار مخيف. فإن عرض له اللصوص ترى أن يقاتلهم؟ قال : إن طلبوا شيئه قاتلهم. لأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من قتل دون ماله فهو شهيد» (٢) (٣).

* نقل نحو هذا عن أحمد :

٤٦٢ ـ عبد الملك الميمونى : أن أبا عبد الله قال له فى هذه المسألة : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من قتل دون ماله فهو شهيد».

٤٦٣ ـ ابنه صالح أنه : سأل أباه عن قتال اللصوص فقال : كل من عرض لك يريد مالك ونفسك فلك أن تدفع عن نفسك ومالك.

٤٦٤ ـ عبد الكريم بن الهيثم العاقولى (٤) : أنه قال لأبى عبد الله : يقاتل اللصوص؟ قال : إن كان يدفع عن نفسه.

__________________

(١) انظر ج : ١ / ٢٤٧.

(٢) أخرجه البخارى ٥ / ١٢٣ ومسلم ١ / ١٢٥ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

(٣) كتاب الورع ص : ١٤٦.

(٤) هو : عبد الكريم بن الهيثم بن زياد ، أبو يحيى القطان العاقولى. ذكره أبو بكر الخلال فقال : جليل كبير ، عنده جزءان صغيران مسائل حسان مشبعة وذكره ابن ثابت فقال : سافر إلى بغداد وواسط والبصرة والكوفة والشام ومصر. وسمع مسلم بن إبراهيم الأزدى وسليمان بن حرب والفضل ابن دكين وغيرهم ومات بدير العاقول سنة ثمان وسبعين ومائتين. وكان ثقة ثبتا حدث عن جماعة منهم أبو بكر بن داود الفقيه ط / الحنابلة ١ / ٢١٦.

١٨

٤٦٥ ـ أحمد بن الحسن الترمذي قال : سألت أبا عبد الله عن اللصوص يخرجون يريدون مالى ونفسى قال : قاتلهم حتى تمنع نفسك ومالك.

٤٦٦ ـ محمد بن الحكم الأحول أنه : سأل أبا عبد الله عن قتال اللصوص قال : أرى قتال اللصوص إذا أرادوا مالك ونفسك (١).

التعليق :

قتال المسلم دون ماله مما أباحه له الشرع ، لأن الإسلام يصون حقوق المسلم أيا كانت. وكل ما يحصل للمتعدى من جرح أو قتل فهو هدر وليس على المدافع إثم (٢).

روى مسلم (٣) عن أبى هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى؟ قال : «فلا تعطه مالك» قال : أرأيت إن قاتلنى؟ قال : «قاتله». قال : أرأيت إن قتلنى؟ قال : «فأنت شهيد». قال : أرأيت إن قتلته؟ قال : «هو فى النار».

قال النووى : فيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق سواء كان المال قليلا أو كثيرا لعموم الحديث وهذا قول الجماهير من العلماء. وقال بعض أصحاب مالك : لا يجوز قتله إذا طلب شيئا يسيرا كالثوب والطعام وهذا ليس بشيء والصواب ما قاله الجماهير (٤) ... والمدافعة عن المال جائزة غير واجبة (٥). والله أعلم. وأما قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلا تعطه فمعناه لا يلزمك أن تعطيه وليس المراد تحريم الإعطاء. وأما قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الصائل إذا قتل هو فى النار فمعناه أنه يستحق ذلك وقد يجازى وقد يعفى عنه إلا أن يكون مستحلا لذلك

__________________

(١) الروايات المتقدمة فى السنة للخلال (ق ١٣ / أ).

(٢) انظر : مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣٤ / ٢٤٢.

(٣) في الصحيح ١ / ١٢٤.

(٤) راجع أيضا المصدر السابق ٢٨ / ٣١٩.

(٥) راجع المصدر السابق ٣٤ / ٢٤٢.

١٩

بغير تأويل فإنه يكفر ولا يعفى عنه. والله أعلم (١).

وقال الخطابى : وقد كره ذلك قوم ، زعموا أن الواجب عليه أن يستسلم ولا يقاتل عن نفسه ، وذهبوا فى ذلك إلى أحاديث رويت فى ترك القتال فى الفتن (٢) وفى الخروج على الأئمة. وليس هذا من ذاك فى شيء ، إنما جاء هذا فى قتال اللصوص وقطاع الطريق وأهل البغى والساعين فى الأرض بالفساد ، ومن دخل فى معناهم من أهل العبث والإفساد. اه

وبهذا يتضح لنا أن اللصوص إذا قصدوا المال فله أن يدفعه لهم وله أن يقاتل دونه. وإذا أرادوا ماله وقتله أيضا فروايتان عن أحمد.

يقول ابن تيمية : وأما إذا كان مقصوده قتل الإنسان ، جاز له الدفع عن نفسه وهل يجب عليه؟ على قولين للعلماء فى مذهب أحمد وغيره (٣).

__________________

(١) مسلم بشرح النووى ٢ / ١٦٥.

(٢) مثل حديث أبى ذر. انظر : مسند أحمد ٥ / ١٦٣ ، وسنن ابن ماجة ٢ / ١٣٠٨ ، وانظر : مجموع الفتاوى ٢٨ / ٣٢٠ وانظر أيضا قول الإمام أحمد فى قتال اللصوص فى الفتنة فى السنة للخلال (ق : ١٦ / ب).

(٣) مجموع الفتاوى ٢٨ / ٣٢٠ وانظر ج : ٢ / ٢٧ من هذا البحث.

٢٠