المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - ج ٢

المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - ج ٢

المؤلف:


المحقق: عبدالاله بن سلمان بن سالم الأحمدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

وذكر بقية الحديث وفى آخره ولا يحل بيعهن ولا شراؤهن وتعليمهن وتجارة فيهن وثمنهن حرام (١) يعنى الضاربات ، وفرج بن فضالة مختلف فيه أيضا ووثقه الإمام أحمد (٢) وغيره. وخرج الإسماعيلي وغيره من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ثمن المغنية حرام وغناؤها حرام» (٣) وإسناده كلهم ثقات متفق عليهم سوى يزيد بن عبد الملك النوفلى (٤) فإنه مختلف فى أمره ، وخرج حديثه هذا محمد بن يحيى الهمذانى فى صحيحه وقال : فى النفس من يزيد بن عبد الملك مع أن ابن معين قال : ما كان به بأس ، وبوب الهمذانى هذا فى صحيحه على تحريم بيع المغنيات وشرائهن وهو من أصحاب ابن خزيمة وكان عالما بأنواع العلوم (٥) ... اه

قلت : من هنا يتضح لنا أن تحريم الغناء هو قول العلماء المعتد بهم ومن أثر عنه الترخيص فى ذلك فمراده ذلك الإنشاد المسمى بالحداء حاشاهم أن يبيحوا الغناء المشاهد اليوم المشتمل على الفجور والدعوة المبطنة للزنا والسفور وكما قيل : الغناء رقية الزنى (٦).

يقول ابن رجب : ... فتبين بهذه الروايات أن ترخص الصحابة رضى الله عنهم إنما كان فى إنشاد شعر الجاهلية وفيه من الحكم وغيرها ـ على طريقة الحداء ونحوه ـ مما لا يهيج الطباع إلى الهوى ، ولهذا كانوا يفعلونه فى مسجد المدينة ولم يكن فى شيء من ذلك غزل ولا تشبيب بالنساء ولا وصف محاسنهن ولا

__________________

(١) ذكر المؤلف فى جامع العلوم والحكم ص : ٣٠٢ أن فى إسناده مقالا.

(٢) قال ابن هانئ : سئل ـ أى أحمد ـ عن فرج بن فضالة فقال : أما ما روى عن الشاميين فصالح الحديث وما روى عن يحيى بن سعيد فمضطرب الحديث مسائل ابن هانئ ٢ / ٢١٥.

(٣) أخرجه الطبرانى فى الكبير ١ / ٢٨ وضعف إسناده ـ أعنى ابن رجب ـ انظر جامع العلوم والحكم ص : ٣٠٢.

(٤) قال ابن حجر : ضعيف. تقريب ٢ / ٣٦٨.

(٥) نزهة الأسماع ص : ٢٥ ـ ٣٣.

(٦) ذكره ابن الجوزى من قول الفضيل بن عياض. تلبيس إبليس ص : ٢٣٥.

٣٠١

وصف خمر ونحوه مما حرمه الله تعالى.

وقال ابن جريج : سألنا عطاء عن الغناء بالشعر فقال : لا أرى به بأسا ما لم يكن فحشا وهذا يشير إلى ما ذكرناه ، وعلى مثل ذلك يحمل ما روى فيه عن عروة بن الزبير وغيره من التابعين من الرخصة.

وقال إسحاق بن منصور (الكوسج) قلت لأحمد بن حنبل : ما تكره من الشعر قال : الهجاء والشعر الرقيق الّذي يشبب بالنساء ، وأما الكلام الجاهلى فيما أنفعه قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن من الشعر لحكمة» (١).

قال إسحاق بن راهويه : كما قال ، وقد كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسمع شعر حسان وغيره واستنشد من شعر أمية بن أبى الصلت (٢) فمن استدل بشيء من ذلك على إباحة الغناء المذموم فقد غلط وقد روى المنع من الغناء عن خلق التابعين فمن بعدهم حتى قال الشعبى : لعن المغنى والمغنى له وكان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه‌الله وهو من أعلام التابعين وأحد الخلفاء الراشدين يبالغ فى إنكار الغناء والملاهى ويذكر أنها بدعة فى الإسلام وكفى بأمير المؤمنين قدوة ...

وروى ابن أبى الدنيا بإسناد له : أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى مؤدب ولده : ليكن أول ما يعتقدون من أدبك ، بغض الملاهى ، التى بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن جل جلاله ، فإنه بلغنى عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعازف واستماع الأغانى واللهج بها ينبت النفاق فى القلب كما ينبت النبت الماء (٣).

وقد حكى زكريا بن يحيى الساجى فى كتابه اختلاف العلماء : اتفاق العلماء على النهى عن الغناء إلا إبراهيم بن سعد المدنى وعبيد الله بن الحسن العنبرى قاضى البصرة ، وهذا فى الغناء دون سماع آلات الملاهى فإنه لا يعرف عن أحد

__________________

(١) رواه أحمد ١ / ٢٦٩ ، ٣ / ٤٥٦ ، والبخارى ١٠ / ٥٣٧ وغيرهما.

(٢) انظر : صحيح مسلم ٤ / ١٧٦٧.

(٣) رواه ابن الجوزى بسنده من طريق ابن أبى الدنيا. تلبيس إبليس ص : ٢٣٥.

٣٠٢

ممن سلف الرخصة فيه إنما يعرف ذلك عن بعض المتأخرين من الظاهرية والصوفية ممن لا يعتد بهم.

ومن حكى شيئا من ذلك عن مالك فقد أبطل ... وقد قال الإمام أحمد حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع قال : سألت مالك بن أنس عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال : إنما يفعله عندنا الفساق (١) وكذا قال إبراهيم بن المنذر الحزامى وهو من علماء المدينة (٢) فتبين بهذا موافقة علماء أهل المدينة المعتبرين لعلماء سائر الأمصار فى النهى عن الغناء وذمه ومنهم القاسم بن محمد وغيره كما هو قول علماء أهل مكة كمجاهد وعطاء وعلماء أهل الشام كمكحول والأوزاعى وعلماء أهل مصر كالليث بن سعد ، وعلماء أهل الكوفة كالثورى وأبى حنيفة ومن قبلهما كالشعبى والنخعى وحماد ومن قبلهم من التابعين أصحاب ابن مسعود وقول الحسن وعامة أهل البصرة وهو قول فقهاء أهل الحديث كالشافعى وأحمد وإسحاق وأبى عبيد وغيرهم وكان الأوزاعى يعد قول من رخص فى الغناء من أهل المدينة من زلات العلماء التى يؤمر باجتنابها وينهى عن الاقتداء بها.

وقد صنف القاضى أبو الطيب الطبرى الشافعى رحمه‌الله مصنفا فى ذم السماع وافتتحه بأقوال العلماء فى ذمه وبدأ بقول الشافعى ... ثم قال : فقد أجمع علماء الأمصار على كراهته والمنع منه قال : وإنما فارق الجماعة هذان الرجلان : إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبرى فالمصير إلى قول الجماعة أولى.

وهذا الخلاف الّذي ذكره فى سماع الغناء المجرد.

فأما سماع آلات اللهو فلم يحك فى تحريمه خلاف وقال : إن استباحتها فسق قال : وإنما يكون الشعر غناء إن لحن وصيغ صيغة تورث الطرب وتزعج القلب وتثير الشهوة الطبيعية (٣).

__________________

(١) أخرجه أبو بكر الخلال فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ص : ٩٩.

(٢) أخرجه أبو بكر الخلال أيضا. نفس المصدر.

(٣) نزهة الأسماع ص : ٥٧ ـ ٦٤.

٣٠٣

قال ابن رجب : والمعنى المقتضى لتحريم الغناء : أن النفوس مجبولة على حب الشهوات كما قال تعالى : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ) (١) الآية. فجعل النساء أول الشهوات المزنية والغناء المشتمل على وصف ما جبلت النفوس على حبه والشغف به ، من الصور الجميلة يثير ما كمن فى النفوس من تلك المحبة ويشوق إليها ويحرك الطبع ويزعجه ويخرجه عن الاعتدال ويؤزه إلى المعاصى أزا ... وقد افتتن بسماع الغناء خلق كثير فأخرجهم استماعه إلى العشق وفتنوا فى دينهم فلو لم يرد نص صريح فى تحريم الغناء بالشعر الّذي توصف فيه الصور الجميلة لكان محرما بالقياس على النظر إلى الصور الجميلة التى يحرم النظر إليها بالشهوة بالكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من علماء الأمة فإن الفتنة كما تحصل بالنظر والمشاهدة فكذلك تحصل بسماع الأوصاف واجتلائها من الشعر الموزون المحرك للشهوات ولهذا نهى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن تصف المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها (٢) لما يخشى من ذلك من الفتنة وقد جعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «زنا العينين النظر وزنا الأذنين الاستماع» (٣) (٤). اه

تنبيه : الإمام أحمد ـ كما هو واضح من مجموع الروايات عنه ـ وكما بينه آنفا ابن رجب ـ كغيره من العلماء يمنع من الغناء ولا يرخص فيه البتة ومن حكى عنه الرخصة ـ فإنما أراد بذلك سماع القصائد الزهدية المجردة ففى ذلك عنه روايتان. فليتنبه لهذا.

يقول ابن الجوزى : وقد ذكر أصحابنا عن أبى بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء وإنما أشار إلى ما كان فى زمانهما من القصائد الزهديات (٥) وعلى هذا يحمل ما لا يكرهه أحمد ويدل على ما قلت أن أحمد بن حنبل سئل عن

__________________

(١) سورة آل عمران / ١٤.

(٢) رواه البخارى ٩ / ٣٣٨ وغيره.

(٣) رواه مسلم ٤ / ٢٠٤٧ ونحوه عند البخارى ١١ / ٢٦.

(٤) نزهة الأسماع ص : ٥٧ ـ ٦٧.

(٥) قال ابن رجب : وإنما أرادوا سماع هذه القصائد الزهدية المرققة لم يرخصوا فى أكثر من ذلك. نزهة الأسماع ص : ٧٢.

٣٠٤

رجل مات وترك ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبى إلى بيعها. فقال : لا تباع على أنها مغنية فقيل له إنها تساوى ثلاثين ألف درهم ولعلها إذا بيعت ساذجة تساوى عشرين دينارا فقال : لا تباع على أنها ساذجة.

وهذا دليل على أن الغناء محظور إذ لو لم يكن محظورا ما أجاز تفويت المال على اليتيم ، وصار هذا كقول أبى طلحة للنبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : عندى خمر لأيتام فقال : أرقها (١). فلو جاز استصلاحها لما أمره بتضييع أموال اليتامى .. فبان أن الروايتين عن أحمد فى الكراهة وعدمها تتعلق بالزهديات ...

فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده كيف ولو علم ما أحدث الناس من الزيادات (٢). اه

قلت : أما آلات الملاهى ـ كالمعازف الموجودة سابقا والمحدثة فهى محرمة بنص الحديث الصحيح الّذي رواه البخارى فى صحيحه إذ قال : «قال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية ابن قيس الكلابى حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعرى قال : حدثنى أبو عامر أو أبو مالك الأشعرى ـ والله ما كذبنى : سمع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «ليكونن من أمتى أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم ، يأتيهم ـ يعنى الفقير ـ لحاجة فيقولون ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» (٣).

قال ابن رجب : هكذا ذكره البخارى فى كتابه بصيغة التعليق المجزوم به والأقرب أنه مسند فإن هشام بن عمار أحد شيوخ البخارى وقد قيل : إن البخارى إذا قال فى صحيحه : قال فلان ولم يصرح بروايته عنه وكان قد سمعه منه فإنه يكون قد أخذه عنه عرضا أو مناولة أو مذاكرة وهذا كله لا يخرجه

__________________

(١) رواه أحمد ـ وغيره ـ انظر : الفتح الربانى ١٧ / ١٤٠.

(٢) تلبيس إبليس ص : ٢٢٨ ـ ٢٢٩. وانظر : إغاثة اللهفان ص : ٢٣٠ ، ونزهة الأسماع فى تحريم السماع لابن رجب ص : ٧٢ ـ ٧٣.

(٣) فتح البارى ١٠ / ٥١.

٣٠٥

عن أن يكون مسندا. والله أعلم (١).

وقال ابن حجر : الحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح (٢).

قال ابن رجب : وخرجه البيهقى من طريق الحسن بن سفيان حدثنا هشام ابن عمار فذكره.

فالحديث صحيح محفوظ عن هشام بن عمار وخرج أبو داود (٣) هذا الحديث مختصرا بإسناد متصل إلى عبد الرحمن بن جابر بهذا الإسناد ...

وخرجه ابن ماجة (٤) وابن حبان فى صحيحه (٥) ....

ثم ذكر ـ أى ابن رجب ـ أحاديث أخرى مشابهة له ثم قال :

وقد روى فى هذا المعنى أحاديث متعددة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من رواية ابن مسعود وسلمان وعبادة بن الصامت وعبد الله بن بسر وعائشة وغيرهم رضى الله عنهم ولا تخلو أسانيدها من مقال لكن تقوى بانضمام بعضها إلى بعض ويعضد بعضها بعضا (٦) وقد ذكر البيهقى أنها شواهد لحديث أبى مالك الأشعرى.

وخرج الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عباس أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لوفد عبد القيس «إن الله حرم عليّ ـ أو حرم الخمر والميسر والكوبة» (٧) قال : والكوبة : الطبل كذا فسره بعض رواة الحديث.

__________________

(١) نزهة الأسماع ص : ٣٩ ـ ٤٠.

(٢) فتح البارى ١٠ / ٥٢.

(٣) فى سننه ٤ / ٣١٩.

(٤) فى سننه ٢ / ١٣٣٣.

(٥) موارد الظمآن ح ١٣٨٤.

(٦) وقد جمعها ابن القيم فى إغاثة اللهفان ص : ٢٥٨ ـ ٢٦٦. وانظر : كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع للهيثمى ص : ٤١ ـ ٤٤.

(٧) تقدم تخريجه ٢ / ٢٩٤.

٣٠٦

وخرج أحمد وأبو داود أيضا من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى عن الخمر والميسر والكوبة (١).

قال الإمام أحمد : أكره الطبل وهو الكوبة نهى عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (٢). اه

أما الضرب بالدف فى الأعراس للنساء فهو جائز على أن لا يصاحبه كلام فاحش وأن لا يظهر صوت المرأة وإلا امتنع والله تعالى أعلم وهو الهادى إلى سواء السبيل.

النرد والشطرنج

قال أبو داود السجستانى :

٨٣٤ ـ سمعت أحمد سئل عن قوم يلعبون الشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا فأخذ الشطرنج فرمى به؟ فقال : قد أحسن. فقيل لأحمد : ليس عليه شيء؟ قال : لا (٣).

قال إسحاق الكوسج :

٨٣٥ ـ قلت : الرجل يمر على قوم يلعبون بالنرد أو بالشطرنج يسلم عليهم؟ قال : ما هؤلاء بأهل أن يسلم عليهم. قال إسحاق ـ أى ابن راهويه ـ : لا بل إن كان يريد أن يبين لهم ما هم فيه ثم أمر ونهى وإن لم يرد ذلك فلا كرامة (٤).

__________________

(١) تقدم تخريجها ٢ / ٢٩٤.

(٢) نزهة الأسماع ص : ٤٠ ـ ٤١. وراجع لما تقدم : إغاثة اللهفان ١ / ٢٢٤ ـ ٢٦٨ فقد قتل ابن القيم هذه المسألة بحثا. وانظر أيضا : كتاب كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع لأحمد بن محمد ابن حجر الهيتمى (ت ٩٧٤ ه‍). وغيرهما من المؤلفات التى عنيت ببحث هذه المسائل إما استقلالا وإما ضمنا.

(٣) مسائل أبى داود ص : ٢٧٩.

(٤) مسائل الكوسج : ١ / ٥٧٦. ورواها الخلال فى الأمر بالمعروف ص : ٩٤ ـ ٩٥ بدون كلام ابن راهويه.

٣٠٧

قال أبو بكر الخلال :

٨٣٦ ـ أخبرنى محمد بن أبى هارون والحسن بن جحدر (١) أن الحسن بن ثواب حدثهم قال : سمعت أبا عبد الله وقال له رجل ـ وأنا أسمع ـ : ما ترى فى القوم يلعبون بالشطرنج أجيبهم فى حاجة؟ أسلم عليهم؟ قال : انههم ، عظهم.

٨٣٧ ـ أخبرنى عبد الملك بن عبد الحميد أن مملوكا سأل أبا عبد الله فقال : إن مولاه يرسله إلى قوم يلعبون بالشطرنج ، فأسلم أو لا أسلم؟ فقال له : عظهم ، قل لهم : هذا لا يحل لكم ، ولا يسعكم ، مرهم فأعاد عليه المملوك ، فأعاد عليه الكلام.

٨٣٨ ـ أخبرنا أحمد بن محمد بن مطر أن أبا طالب حدثهم أنه سأل أبا عبد الله : أمر بالقوم يلعبون بالشطرنج أقلبها أو أنهاهم؟ قال : النرد أشد والشطرنج أيضا. فقلت : إن غطوها أو جعلوها خلفهم قال : لا تتعرض لهم إذا سترها أو ستروها عنك.

٨٣٩ ـ أخبرنى محمد بن على السمسار قال : حدثنى مهنا ، سألت أبا عبد الله عن اللعب بالشطرنج ، هل تعرف فيه شيئا؟ قال : لا أعلم إلا قول على. قلت : كيف هو اذكره ، قال : فحدثنى غير واحد منهم : وكيع ، عن فضيل بن مرزوق (٢) ، عن ميسرة بن حبيب النهدى (٣) قال : مر على بقوم يلعبون بالشطرنج فقال : ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون.

فسألت أحمد فقلت : أدرك ميسرة عليا؟ قال : لا. فقلت : من أين

__________________

(١) ذكره الخطيب فى التاريخ ٧ / ٢٩٢ وسكت عنه.

(٢) فى الأصل : «ابن غزوان» والصواب ما هو مثبت كما فى رواية ابن أبى الدنيا فى ذم الملاهى (ق : ٨٨ / أ) والبيهقى فى السنن الكبرى : ١٠ / ٢١٢ وغيرهم. وروى البيهقى فى السنن الكبرى : ١٠ / ٢١٢ عن عمار بن أبى عمار قال : مر على بن أبى طالب بمجلس تيم وهم يلعبون بالشطرنج فوقف عليهم فقال : أما والله لغير هذا خلقتم.

(٣) فى المطبوع : الفهرى. والصواب ما هو مثبت. قال عنه ابن حجر : صدوق ، من السابعة ، تقريب : ٢ / ٣٩١.

٣٠٨

ميسرة؟ فقال : كوفى روى عن شعبة. قلت : سمع ميسرة من شعبة؟ قال : نعم. وسألت أحمد مرة أخرى ، قلت : كرهه أحد غير على؟ قال نعم. قلت : من؟ قال : ابن عمر. قلت : من ذكره؟ قال : أبو بدر شجاع (١) عن عبيد الله بن عمر (٢) كذا قال : ليس فيه نافع : أن ابن عمر كره لعب الشطرنج (٣) (٤).

التعليق :

النرد : هو قطع صغيرة من العاج أو العظم أو الخشب وله أوجه ستة ولكل وجه من الأوجه نقاط مرتبة من الواحد إلى الستة وهى جميعا منقسمة بحيث يكون مجموع النقاط فى وجهين متقابلين سبعة.

يقال : وضعه أردشير بن بابك أحد ملوك الفرس ولهذا يقال النرد شير وهو اسم أعجمى معرب (٥).

وفى العصر الحديث له أسماء من أكثرها شيوعا : الطاولة.

وأما الشطرنج : فقد عرف قديما. واختلف فى أول من أحدثه.

وقد جاء النهى عن اللعب بالنرد :

__________________

(١) هو : شجاع بن الوليد السكونى ، صدوق ورع له أوهام. توفى سنة أربع ومائتين. قال الذهبى : كان من أبناء التسعين. السير : ٩ / ٣٥٣. تقريب : ١ / ٣٤٧.

(٢) فى المطبوع : عبد الله. والصواب ما هو مثبت وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر ابن الخطاب ، ثقة ، ثبت. قدمه أحمد بن صالح على مالك فى نافع. السير : ٦ / ٣٠٤ ، تقريب : ١ / ٥٣٧.

(٣) روى ابن أبى الدنيا فى ذم الملاهى (ق ٨٨ / ب) والبيهقى فى السنن الكبرى : ١٠ / ١١٢ ، عن عبيد الله ابن عمر قال : سئل ابن عمر عن الشطرنج ، فقال : «هى شر من النرد».

(٤) الأمر بالمعروف : ص ٩٤ ـ ٩٥.

(٥) انظر : تحريم النرد للآجرى ص ١٠ وتفسير القرطبى ٨ / ٣٣٨ ، والنهاية لابن الأثير ٤ / ٣٩ ، والقاموس المحيط ١ / ٣٥٣ ومحيط المحيط للبستانى ص : ٨٨٧.

٣٠٩

فقد روى أحمد (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) وابن ماجة (٤) عن بريدة بن الحصيب أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده فى لحم خنزير ودمه».

وروى مالك (٥) والبخارى (٦) وأبو داود (٧) وابن ماجة (٨) ـ وغيرهم ـ عن سعيد بن أبى هند عن أبى موسى الأشعرى قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله».

وسعيد لم يدرك أبا موسى.

وروى أحمد (٩) عن سعيد بن أبى هند عن رجل عن أبى موسى أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من لعب بالكعاب فقد عصى الله ورسوله».

وروى أحمد (١٠) أبو داود (١١) والنسائى (١٢) عن عبد الله بن مسعود : كان نبى الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكره عشر خلال : ... والضرب بالكعاب. اه فذهب كثير من العلماء إلى إطلاق التحريم.

يقول النووى : وهذا الحديث ـ أى حديث بريدة الّذي فى الصحيح ـ حجة للشافعى والجمهور فى تحريم اللعب بالنرد وقال : وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا : يكره ولا يحرم (١٣) اه.

__________________

(١) فى المسند ٥ / ٣٦١.

(٢) فى الصحيح ٤ / ١٧٧٠.

(٣) فى السنن ٥ / ٢٣٠ ـ ٢٣١.

(٤) فى السنن ٢ / ١٢٣٨.

(٥) فى الموطأ (بشرح الزرقاني ٤ / ٣٥٦).

(٦) فى الأدب المفرد ص : ٤٣٤.

(٧) فى السنن ٥ / ٢٣٠.

(٨) فى السنن ٢ / ١٢٣٧ ـ ١٢٣٨.

(٩) فى المسند ٤ / ٣٩٢.

(١٠) فى المسند ١ / ٣٨٠.

(١١) فى السنن ٤ / ٤٢٧.

(١٢) فى السنن ٨ / ١٤١.

(١٣) مسلم بشرح النووى ١٥ / ١٥.

٣١٠

قلت : واللعب به على شرط المال محرم باتفاق وإن لم يكن كذلك ففيه خلاف والجمهور على تحريمه والبعض يقول : مكروه (١). قال ابن القيم : وتحرير المسألة وفقهها أن الله سبحانه لما حرم الميسر هل هو لأجل ما فيه من المخاطرة المتضمنة لأكل المال بالباطل فعلى هذا إذا خلا عن العوض لم يكن حراما فلهذا طرد من طرد ذلك الأصل وقال : إذا خلا النرد أو الشطرنج عن العوض لما يكونا حراما ولكن هذا القول خلاف النص والقياس كما سنذكره ، أو حرمه لما يشتمل عليه فى نفسه من المفسدة وإن خلا من العوض فتحريمه من جنس تحريم الخمر فإنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وأكل المال وفيه عون وذريعة إلى الإقبال عليه واشتغال النفوس به فإن الداعى حينئذ يقوى من وجهين : من جهة المغالبة ومن جهة أكل المال فيكون حراما من الوجهين وهذا المأخذ أصح نصا وقياسا وأصول الشريعة وتصرفاتها تشهد له بالاعتبار قال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (٢). فقرن الميسر بالأنصاب والأزلام وأخبر أن الأربعة رجس وأنها من عمل الشيطان ثم أمر باجتنابها وعلق الفلاح باجتنابها ثم نبه على وجود المفسدة المقتضية للتحريم فيها وهو ما يوقعه الشيطان بين أهلها من العداوة والبغضاء ومن الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وكل أحد يعلم أن هذه المفاسد ناشئة من نفس العمل من مجرد أكل المال به فتعليل التحريم بأنه متضمن لأكل المال بالباطل تعليل بغير الوصف المذكور فى النص وإلغاء للوصف الّذي نبه النص عليه وأرشد إليه (٣). اه

قلت : والكلام فى الشطرنج لا يختلف كثيرا عن الكلام فى النرد. إلا أن النرد جاء فيه نص صحيح ، أما الشطرنج فغاية ما فيه أقوال أثرت عن بعض الصحابة والتابعين.

__________________

(١) انظر : المغنى لابن قدامة ٩ / ١٧٠ ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ٨ / ٣٣٧.

(٢) سورة المائدة / ٩٠ ـ ٩١.

(٣) الفروسية ص : ٦٢ ، وراجع مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣٢ / ٢٢١ ـ ٢٤٥.

٣١١

والعلماء لم يختلفوا فى أن اللعب بالشطرنج على شرط المال حرام واختلفوا إن لم يكن كذلك.

يقول النووى : وأما الشطرنج فمذهبنا أنه مكروه ليس بحرام وهو مروى عن جماعة من التابعين وقال مالك وأحمد : حرام ، قال مالك : هو شر من النرد وألهى عن الخير وقاسوه على النرد وأصحابنا يمنعون القياس ويقولون هو دونه (١). اه

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن اللعب بالشطرنج أحرام هو أم مكروه أم مباح؟ فقال : اللعب بها : منه ما هو محرم متفق على تحريمه ومنه ما هو محرم عند الجمهور ومكروه عند بعضهم وليس من اللعب بها ما هو مباح مستوى الطرفين عند أحد من أئمة المسلمين فإن اشتمل اللعب بها على العوض كان حراما بالاتفاق. قال أبو عمر بن عبد البر : أجمع العلماء على أن اللعب بها على العوض قمار لا يجوز. وكذلك لو اشتمل اللعب بها على ترك واجب أو فعل محرم : مثل أن يتضمن تأخير الصلاة عن وقتها أو ترك ما يجب فيها من أعمالها الواجبة باطنا أو ظاهرا فإنها حينئذ تكون حراما باتفاق العلماء ...

قال ابن تيمية : والمقصود أن الشطرنج متى شغل عما يجب باطنا أو ظاهرا حرام باتفاق العلماء ، وشغله عن إكمال الواجبات أوضح من أن يحتاج إلى بسط وكذلك لو شغل عن واجب من غير الصلاة : من مصلحة النفس أو الأهل أو الأمر بالمعروف أو النهى عن المنكر أو صلة الرحم أو بر الوالدين ... وقلّ عبد اشتغل بها إلا شغلته عن واجب فينبغى أن يعرف أن التحريم فى مثل هذه الصورة متفق عليه ، وكذلك إذا اشتملت على محرم أو استلزمت محرما فإنها تحرم بالاتفاق : مثل اشتمالها على الكذب واليمين الفاجرة أو الخيانة ... أو على الظلم أو الإعانة عليه فإن ذلك حرام باتفاق المسلمين ولو كان ذلك فى المسابقة والمناضلة فكيف إذا كان بالشطرنج والنرد ونحو ذلك وكذلك إذا قدر أنها مستلزمة فسادا غير ذلك : مثل اجتماع على مقدمات الفواحش أو التعاون على العدوان أو غير ذلك ومثل أن يفضى اللعب بها إلى الكثرة والظهور الّذي يشتمل معه على ترك واجب أو فعل محرم فهذه الصورة وأمثالها مما يتفق المسلمون على تحريمها فيها.

__________________

(١) مسلم بشرح النووى ١٥ / ١٥ ـ ١٦.

٣١٢

وإذا قدر خلوها عن ذلك كله فالمنقول عن الصحابة المنع من ذلك وصح عن على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ وذكر الخبر ثم قال : والمنقول عن أبى حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه تحريمها.

وأما الشافعى فإنه قال : أكره اللعب بها للخبر ، واللعب بالشطرنج والحمام بغير قمار وإن كرهناه أخف حالا من النرد ، وهكذا نقل عنه غير هذا اللفظ مما مضمونه : أنه يكرهها ، ويراها دون النرد ، ولا ريب أن كراهته كراهة تحريم فإنه قال للخبر ، ولفظ الخبر الّذي رواه هو عن مالك : «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله» ... وقد نقل عنه أنه توقف فى التحريم وقال : لا يتبين لى أنها حرام وما بلغنا أن أحدا نقل عنه لفظا يقتضي نفى التحريم.

وقد تنازع الجمهور هل يسلم على اللاعب بالشطرنج؟ فمنصوص أبى حنيفة وأحمد والمعافى بن عمران وغيرهم : أنه لا يسلم عليه ، ومذهب مالك وأبى يوسف ومحمد : أنه يسلم عليه. ومع هذا فإن مذهب مالك أن الشطرنج شر من النرد ، ومذهب أحمد أن النرد شر من الشطرنج ، كما ذكره الشافعى. والتحقيق فى ذلك أنهما إذا اشتملا على عوض أو خلوا عن عوض فالشطرنج شر من النرد. لأن مفسدة النرد فيها وزيادة مثل صد القلب عن ذكر الله وعن الصلاة وغير ذلك ... واشتغال القلب بالتفكير فى الشطرنج أكثر ، وأما إذا اشتمل على عوض فالنرد شر ، لاستشعارهم أن العوض يكون فى النرد دون الشطرنج (١). اه

قلت : وخلاصة القول إن من أقوى ما استدل به من ذهب إلى تحريم الشطرنج مطلقا هو القياس فقد قال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).

فهذه العلل متحققة فى الغالب فيمن يمارس هذا الأمر ، وأيضا التصريح

__________________

(١) مجموع الفتاوى ٣٢ / ٢١٦ ـ ٢٢٠. وانظر : المغنى لابن قدامة ٩ / ١٧١ ـ ١٧٢.

٣١٣

فى الحديث بتحريم النرد وقد يقاس عليه. والله تعالى أعلم.

٣١٤

قول الإمام أحمد : فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

قال أبو بكر المروزي :

٨٤٠ ـ قلت لأبى عبد الله : كيف الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟ فقال : باليد وباللسان ، وبالقلب هو أضعف.

٨٤١ ـ وشكوت إلى أبى عبد الله جارا لنا يؤذينا بالمنكر. قال : تأمره بينك وبينه. قلت : قد تقدمت إليه مرارا فكأنه تمحل. قال : أى شيء عليك ، إنما هو على نفسه ، أنكر بقلبك ودعه. قلت لأبى : فيستعان بالسلطان عليه؟ قال : لا. ربما يأخذ منه الشيء ويترك (١).

وقال إسحاق بن هانئ :

٨٤٢ ـ قلت لأبى عبد الله : متى يجب على الأمر؟ قال : ما لم تخف سوطا ولا عصا (٢).

٨٤٣ ـ قلت : متى يجب على الرجل الأمر والنهى. قال : ليس هذا زمان نهى ، إذا غيرت بلسانك فإن لم تستطع فبقلبك فهو أضعف الإيمان وقال لى : لا تتعرض للسلطان فإن سيفه مسلول وعصاه (٣).

٨٤٤ ـ سألت أبا عبد الله قلت : رجل تكلم بكلام سوء يجب عليّ أن أغيره فى ذلك الوقت فلا أقدر على تغييره وليس لى أعوان يعينونى عليه.

قال : إذا علم الله عزوجل من قلبك أنك منكر لذلك فأرجو أن لا يكون عليك شيء(٤).

__________________

(١) الورع ص : ١٥٤ ورواهما الخلال فى الأمر بالمعروف ص ٤٢ ، ٤٤ ، وانظر ص : ٥٢.

(٢) مسائل ابن هانئ ٢ / ١٧٣ وأخرجها الخلال فى الأمر بالمعروف ص ٣٦ ـ ٣٧.

(٣) نفس المصدر ٢ / ١٧٥ وأخرجها الخلال فى المصدر السابق ص : ٤١.

(٤) مسائل ابن هانئ ٢ / ١٧٣ وأخرجها الخلال فى الأمر بالمعروف ص : ٤٠.

٣١٥

وقال أبو داود السجستانى :

٨٤٥ ـ قلت لأحمد : مثل زماننا ترجو أن لا يلزم الرجل القيام بالأمر والنهى؟ قال : إذا خاف أن ينال منه. قلت : فالصلاة تراهم لا يحسنون؟ قال : مثل هذا تأمرهم. قال : قلت : يشتم؟ قال : يتحمل من يريد أن يأمر وينهى لا يريد أن ينتصر بعد ذلك (١).

٨٤٦ ـ سمعت أحمد قيل له : يصلى الرجل فى المسجد فيرى أهل المسجد يسيئون الصلاة؟ قال يأمرهم. قال : إنهم يكثرون وربما كان عامة أهل المسجد؟ قال : يقول لهم. قيل له : يقول لهم مرتين أو ثلاثا فلا ينتهون يتركهم بعد ذلك؟ قال : أرجو أن يسلم أو كلمة نحوها (٢).

٨٤٧ ـ سمعت أحمد سئل عن رجل له جار يعمل بالمنكر لا يقوى ينكر عليه وآخر ضعيف يعمل بالمنكر أيضا يقوى على هذا الضعيف أن ينكر عليه؟ قال : نعم ينكر على هذا الّذي يقوى أن ينكر عليه (٣).

٨٤٨ ـ قيل لأحمد : فإن أصابه من قبل السلطان فى ذلك مكروه وترجو أن يؤجر فرأى له فضلا. تكلم بشيء كأنه يغبطه.

٨٤٩ ـ سمعت أحمد يقول : نحن نرجو إن أنكره بقلبه فقد سلم ، وإن أنكره بيده فهو أفضل (٤) (٥).

قال أبو بكر الخلال :

٨٥٠ ـ أخبرنى موسى بن سهل قال : حدثنا محمد بن أحمد الأسدى قال : حدثنا إبراهيم بن يعقوب ، عن إسماعيل بن سعيد قال : سألت أحمد عمن ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عند من لا يخاف سيفه ولا سوطه. قال :

__________________

(١) أخرجها الخلال فى الأمر بالمعروف ص : ٥٠.

(٢) أخرجها الخلال فى الأمر بالمعروف ص : ٦٧.

(٣) أخرجها الخلال فى الأمر بالمعروف ص : ٥٦.

(٤) أخرجها الخلال فى الأمر بالمعروف ص : ٤٤.

(٥) انظر الروايات فى مسائل أبى داود ص : ٢٧٨ ـ ٢٧٩.

٣١٦

إذا استطاع فليغير ، فلا يسعه غيره (١).

٨٥١ ـ أخبرنى أبو بكر المروزى ، أن أبا بكر الأثرم قال : قيل لأبى عبد الله : رجل رأى منكرا ، أيجب عليه تغييره؟ قال : إذا غير بقلبه فأرجو. ثم قال : إن منهم من يخاف منه ، فإذن يغير بقلبه.

٥٨٢ ـ وأخبرنى الحسين بن محمد ببيت المقدس قال : كتبت من مسائل أبى على الدينورى ، من مسائل ابن مزاحم (٢) : أن أبا عبد الله قيل له : رجل رأى منكرا أيجب عليه تغييره؟ قال : إذا غير بقلبه فأرجو (٣).

٨٥٣ ـ أخبرنى منصور بن الوليد ، حدثنا جعفر بن محمد النسائى قال : قلت لأبى عبد الله : يجب الأمر والنهى على الإنسان؟ قال : يا أبا محمد ، فى هذا الزمان أظنه شديدا ، مع أن فى حديث أبى سعيد تسهيلا. قلت له : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده». قال : نعم ، قال : «بقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٤).

قلت : هذا أشدها عليّ. قال : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما أمرتكم من الأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٥) فسكت (٦).

٨٥٤ ـ وأخبرنى محمد بن على قال : حدثنا صالح أن أباه قال : التغيير باليد ، ليس بالسيف والسلاح (٧).

٨٥٥ ـ وأخبرنى محمد بن على ، حدثنا مهنا قال : سئل أبو عبد الله

__________________

(١) الأمر بالمعروف ص : ٣٧.

(٢) لم أجد لهم تراجم فيما اطلعت عليه من المصادر ولعل الأخير هو : موسى بن عبيد الله. انظر ج : ٢ / ٤٠٢.

(٣) المصدر السابق ج : ٢ / ٣٢١.

(٤) سيأتى الحديث وتخريجه ص : ٨٣٧.

(٥) رواه البخارى ١٣ / ٢٥١ ومسلم ٤ / ١٨٣٠ من حديث أبى هريرة.

(٦) الأمر بالمعروف ص : ٤٠ ـ ٤١.

(٧) المصدر السابق ص : ٤٤.

٣١٧

عن الرجل يأمر المعروف بيده؟ فقال : إن قوى على ذلك فلا بأس به. فقلت : أليس قد جاء عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ليس للمؤمن أن يذل نفسه» (١) بأن يعرضها من البلاء ما لا طاقة له به؟ قال : ليس هذا من ذلك (٢).

٨٥٦ ـ أخبرنى عصمة بن عصام قال : حدثنا حنبل ، أنه سمع أبا عبد الله يقول : والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق فى الأمر بالمعروف بلا غلظة ، إلا رجلا مباينا معلنا بالفسق والردى فيجب عليك نهيه وإعلانه ، لأنه يقال : ليس لفاسق حرمة ، فهذا لا حرمة له.

٨٥٧ ـ أخبرنى جعفر بن محمد أن يعقوب بن بختان حدثهم أن أبا عبد الله سئل عن الأمر فقال : كان أصحاب عبد الله (٣) يقولون : مهلا رحمكم الله مهلا.

٨٥٨ ـ وأخبرنا محمد بن أبى هارون قال : سمعت أبا العباس قال : صلى بأبى عبد الله يوما جوين ، فكان إذا سجد جمع ثوبه بيده اليسرى ، وكنت بجنبه ، فلما صلينا قال لى وخفض من صوته : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا قام أحدكم فى الصلاة فلا يكف شعرا ولا ثوبا» (٤) ، فلما قمنا قال لى جوين : أى شيء كان يقول لك؟ قلت : قال لى كذا وكذا ، وما أحسب المعنى إلا لك (٥).

٨٥٩ ـ أخبرنى محمد بن على السمسار قال : حدثنى مهنا قال : سألت أبا عبد الله عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. كيف ينبغى أن يأمر؟

__________________

(١) رواه أحمد ٥ / ٤٠٥ وابن ماجة ٢ / ١٣٣٢ وغيرهما عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا ينبغى للمؤمن أن يذل نفسه» قالوا : وكيف يذل نفسه؟ قال : «يتعرض من البلاء لما لا يطيقه».

(٢) الأمر بالمعروف ص : ٤٥.

(٣) ابن مسعود كما فى رواية أخرى.

(٤) رواه أحمد ١ / ٢٢١ والبخارى ٢ / ٢٩٥ ، ٢٩٧ ، ٢٩٩ ، ومسلم ١ / ٣٥٤ ـ ٣٥٥ عن ابن عباس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أمرت أن أسجد على سبعة ، لا أكف شعرا ولا ثوبا».

(٥) الأمر بالمعروف ص : ٤٦ ـ ٤٧.

٣١٨

قال : يأمر بالرفق والخضوع. ثم قال : إن أسمعوه ما يكره لا يغضب ، فيكون يريد ينتصر لنفسه.

٨٦٠ ـ أخبرنى زكريا بن يحيى الناقد أن أبا طالب حدثهم أنه قال لأبى عبد الله : إذا أمرته بالمعروف فلم ينته ، ادعه ، لا أقول له شيئا؟ قال الأمر بالمعروف ، وصرت تنتصر لنفسك ، فتخرج إلى الإثم فإذا أمرت بالمعروف فإن قبل منك وإلا فدعه (١).

٨٦١ ـ وأخبرنى زكريا بن يحيى الناقد أن أبا طالب حدثهم : سئل أبو عبد الله : إذا أمرت بالمعروف فلم ينته ، ما أصنع؟ قال : فدعه ، قد أمرته ، وقد أنكرت عليه بلسانك وجوارحك ، لا تخرج إلى غيره ، ولا ترفعه للسلطان يتعدى عليه ، كان أصحاب عبد الله إذا تلاحى قوم قالوا ، مهلا بارك الله فيكم ، مهلا بارك الله فيكم.

٨٦٢ ـ وأخبرنى محمد بن أبى هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال : سألت أبا عبد الله قلت : الرجل يأمر بالمعروف فلا يقبل منه ، فترى إذا رأى منكرا وهو يعلم أنه لا يقبل منه إن سكت ولا يتكلم؟ قال : إذا رأى المنكر فليغير بما أمكنه. قلت له : فإن أمره ونهاه وتقدم إليه فى ذلك فلم يقبل منه ، ترى أنه يستعين عليه بالسلطان؟ قال : أما السلطان فما أرى ذلك (٢).

٨٦٣ ـ أخبرنا أبو بكر المروزي قال : قلت لأبى عبد الله : فإن كان للرجل قرابة فيرى عندهم المنكر ، فيكره أن يغيره ، أو يقول لهم فيخرج إلى ما يغتم به من أهل بيته ، وهو لا يرى بدا. أو يرى المنكر فى غيره فيكره أن يغير للذى فى قرابته. قال : إن صحت نيتك لم تبال.

٨٦٤ ـ أخبرنى عمر بن صالح بطرسوس قال : قال لى أبو عبد الله : يا أبا حفص ، يأتى على الناس زمان يكون المؤمن فيه بينهم مثل الجيفة ، ويكون

__________________

(١) المصدر السابق ص : ٥٠ ـ ٥١.

(٢) المصدر السابق ص : ٥٣.

٣١٩

المنافق يشار إليه بالأصابع. فقلت : يا أبا عبد الله ، وكيف يشار إلى المنافق بالأصابع؟ فقال : يا أبا حفص ، صيروا أمر الله فضولا. وقال : المؤمن إذا رأى أمرا بالمعروف أو نهيا عن المنكر لم يصبر حتى يأمر وينهى. يعنى قالوا : هذا فضول. قال : والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه. فقالوا : نعم الرجل ، وليس بينه وبين الفضول عمل.

٨٦٥ ـ أخبرنى أحمد بن محمد بن مطر قال : حدثنى عباس العنبرى (١) قال : كنت مارا مع أبى عبد الله بالبصرة ، قال : فسمعت رجلا يقول لرجل : يا ابن الزانى. فقال الآخر : يا ابن الزانى. قال : فوقفت ومضى أبو عبد الله فالتفت فقال لى : يا أبا الفضل ، امش ، قال : فقلت : قد سمعنا قد وجب علينا. قال : امض ليس هذا من ذلك (٢) (٣).

التعليق :

المعروف : اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه ، وكل ما ندب إليه الشرع ، والمنكر ضد ذلك (٤).

والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قد يكون فرضا على الكفاية وقد يتعين والأصل فيه قول الله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (٥) ، وقوله جل وعلا : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) (٦) ، وقوله عزوجل : (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ

__________________

(١) عباس بن عبد العظيم ، ثقة حافظ. تقريب ١ / ٣٩٧ ، طبقات الحنابلة ١ / ٢٣٥.

(٢) المصدر السابق ص ٥٧ ـ ٥٩.

(٣) وانظر روايات أخر عن الإمام أحمد فى كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر للقاضى أبى يعلى بن الفراء. وهو مخطوط له صورة فى مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ـ ضمن مجموعة برقم ٩٠.

(٤) انظر : النهاية لابن الأثير ٣ / ٢١٦.

(٥) سورة آل عمران / ١٠٤.

(٦) سورة الحج / ٤١.

٣٢٠