المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - ج ٢

المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - ج ٢

المؤلف:


المحقق: عبدالاله بن سلمان بن سالم الأحمدي
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

قول الإمام أحمد فى السحر

قال إسحاق الكوسج :

٥٨٨ ـ قلت : السحر حق؟ قال : بلى ، أليس قد سحر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال إسحاق : كما قال (١). اه

٥٨٩ ـ وفى رواية إبراهيم بن هاشم (٢) قال : سئل أحمد وأنا أسمع : الكاهن شر أو الساحر؟ قال : كل شر (٣).

٥٩٠ ـ وفى رواية جعفر بن محمد قال : الكاهن يدعى الغيب والساحر يعقد (٤).

التعليق :

يقول ابن قدامة : (السحر) عقد ورقى وكلام يتكلم به أو يكتبه أو يعمل شيئا يؤثر فى بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له وله حقيقة فمنه ما يقتل وما يمرض وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه وما يبغض أحدهما إلى الآخر أو يحبب اثنين وهذا قول الشافعى (٥). اه

__________________

(١) مسائل الكوسج ١ / ٥٧٨.

(٢) هو : إبراهيم بن هاشم بن الحسين ، أبو إسحاق البيع ، المعروف بالبغوى سمع أحمد بن حنبل وعنه أحمد بن سلمان النجاد وعبد الباقى بن قانع وأبو بكر الشافعى وغيرهم ، قال الدارقطنى : ثقة ، توفى سنة سبع وتسعين ومائتين ت / بغداد ٦ / ٢٢ ، ط / الحنابلة ١ / ٩٨ ، المنهج الأحمد ١ / ٣٠٩.

(٣) أحكام أهل الملل للخلال ص ٢٠٨.

(٤) انظر : الرواية بأكملها فى المصدر السابق.

(٥) المغنى ٨ / ١٥٠.

١٠١

ثم تطرق إلى النزاع فى حقيقة السحر ثم قال :

إذا ثبت هذا فإن تعلم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم قال أصحابنا : ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته (١). اه

والسحر حق ، قال تعالى : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ) (٢).

يقول ابن قدامة : ولو لا أن السحر له حقيقة لما أمر الله تعالى بالاستعاذة منه وقال الله تعالى : (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ) إلى قوله : (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) (٣). ثم ذكر حديث عائشة (٤).

وحديث عائشة رضى الله عنها فيه دلالة قوية على حقيقة السحر. فقد روى مسلم (٥) عن عائشة قالت : سحر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يهودى من يهود بنى زريق يقال له : لبيد بن الأعصم قالت : حتى كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم دعا ثم دعا ثم قال : «يا عائشة أشعرت أن الله أفتانى فيما استفتيته فيه؟ جاءنى رجلان فقعد أحدهما عند رأسى والآخر عند رجلى فقال الّذي عند رأسى للذى عند رجلى والّذي عند رجلى للذى عند رأسى ما وجع الرجل؟ قال : مطبوب. قال : من طبه؟ قال : لبيد بن الأعصم. قال : فى أى شيء قال : فى مشط ومشاطة. قال : وجب طلعة ذكر. قال : فأين هو؟ قال : فى بئر ذى أروان ...» اه

__________________

(١) نفس المصدر ٨ / ١٥١.

(٢) سورة الفلق / ١ ـ ٤.

(٣) سورة البقرة / ١٠٢.

(٤) المغنى ٨ / ١٥١.

(٥) فى الصحيح ٤ / ١٧٢٠.

١٠٢

وأنكر المعتزلة وغيرهم أن يكون للسحر حقيقة وذكروا أنه ضرب من التخييل ، يقول المازرى : مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافا لمن أنكر ذلك ، ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها وقد ذكره الله تعالى فى كتابه وذكر أنه مما يتعلم وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به وأنه يفرق بين المرء وزوجه وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له ، وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته وأنه أشياء دفنت وأخرجت وهذا كله يبطل ما قالوه (١). اه

والأحاديث فى ذم السحر والتحذير من تعاطيه وأنه من الموبقات كثيرة وبالله التوفيق.

__________________

(١) مسلم بشرح النووى ١٤ / ١٧٤ ـ ١٧٦. وانظر : شرح العقيدة الطحاوية ص : ٥٦٩ ـ ٥٧٢.

١٠٣

قول الإمام أحمد فى حكم الساحر والساحرة

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل.

٥٩١ ـ سمعت أبى يقول : إذا عرف بذلك فأقر يقتل ، يعنى الساحر (١)

* وفى قتل الساحر والساحرة إن كانوا مسلمين نقل عنه :

٥٩٢ ـ إسحاق الكوسج قال : قلت لأحمد الساحر والساحرة قال : يقتلان. قال إسحاق ـ أى ابن راهويه ـ كما قال. قال سفيان : إذا تبين سحرهما بإقرار له علم ذلك (٢).

٥٩٣ ـ حنبل بن إسحاق ويعقوب بن بختان : أن أبا عبد الله سئل عن الزنديق والساحر فرأى قتلهما.

٥٩٤ ـ أبو الصقر الوراق (٣) قال : سألت أبا عبد الله ما الحكم فى الساحر وما السحر؟ قال : الحكم فى الساحر إذا عرف السحر القتل.

٥٩٥ ـ حرب الكرمانى قال : سألت أحمد قلت : الساحر إذا أخذ ما يصنع به؟ قال : يقتل. قلت : كيف يعلم أنه ساحر؟ قال : الشأن فى هذا أن يعلم أنه ساحر وكان علم هذا عنده شديد.

__________________

(١) مسائل عبد الله ص ٤٢٧ وأخرجها الخلال فى أحكام أهل الملل ص ٢٠٧.

(٢) مسائل الكوسج ١ / ٥٧٨ وأخرجها الخلال فى أحكام أهل الملل ص ٢٠٧.

(٣) هو : يحيى بن يزداد الوراق. ذكره أبو بكر الخلال فقال : عنده جزء مسائل حسان. وقال ابن حجر : مقبول ط / الحنابلة ١ / ٤٠٩ ، تقريب ٢ / ٣٦٠.

١٠٤

٥٩٦ ـ أبو بكر المروزي : أنه سأل أبا عبد الله عن الساحر والساحرة أيقتلان؟ قال نعم إذا بان ذلك أنهم مسلمون قتلا. قيل : فإن كانون يهودا؟ قال : الكفر أعظم وكأنه وقف فى قتل اليهود.

٥٩٧ ـ ابن هانئ قال : سألت أبا عبد الله عن الساحر والساحرة يقتلان فذكر مثله وقال : الكفر أشد ووقف فى قتله.

٥٩٨ ـ أبو طالب : أنه سأل أبا عبد الله عن الساحر والساحرة يقتلان؟ قال : نعم إذا صح ذلك وعلم منه. قلت : فإذا كان ساحرا من أهل الكتاب من غير المسلمين. قال : ما فيه من الكفر أعظم قد سحر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجل من اليهود فلم يقتله.

٥٩٩ ـ عبد الملك الميمونى : أن أبا عبد الله قال : حفصة قتلت ساحرة فبلغ ذلك عثمان فكرهه لأنه كان دونه فقال نافع عن ابن عمر أنه قال : ذهب إلى عثمان فقال : إنها أقرت (١). قال أبو عبد الله : فثلاثة من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى قتل الساحر. اه

وهم : عمر وحفصة وجندب بن كعب بن عبد الله.

٦٠٠ ـ أبو بكر الأثرم قال : سمعت أبا عبد الله يسأل : تحفظ عن ابن عمر رضى الله عنهما فى المرتدة تقتل؟ قال : رأى ابن عمر قتل الساحر.

٦٠١ ـ حنبل بن إسحاق أيضا قال : بعد ذكره لقصة حفصة والتى فيها : أنها أمرت عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فقتلها ـ أى جاريتها التى سحرتها ـ بعد اعترافها فأنكر ذلك عثمان ... قال عمى ـ أى أحمد بن حنبل ـ : أمرهم إلى السلطان هو يحكم فى ذلك والقتل عليهم إذا كان ذلك وتبين أمرهم (٢). ونقل عنه حبسهم فقط ، وسيأتى إيضاح هذا عند قول الإمام أحمد فى الكاهن والعراف وحكمهما (٣).

__________________

(١) رواه عبد الرزاق فى المصنف ١٠ / ١٨٠ والبيهقى فى السنن الكبرى ٨ / ١٣٦.

(٢) الروايات المتقدمة فى أحكام أهل الملل للخلال ص ٢٠٦ ـ ٢٠٧.

(٣) وهو المبحث التالى.

١٠٥

قول الإمام أحمد فى الكاهن والعراف وحكمهما

قال أبو بكر الخلال :

٦٠٢ ـ أخبرنى منصور بن الوليد أن جعفر بن محمد حدثهم قال : سمعت أبا عبد الله سئل عن الساحر والكاهن شيء واحد؟ قال : لا. الكاهن يدعى الغيب والساحر يعقد ويفعل كذا (١).

٦٠٣ ـ ونقل عنه حنبل بن إسحاق أنه سئل عن الكاهن فقال : هو نحو العراف والساحر أخبث لأن السحر شعبة من الكفر.

وقد تقدم عند الكلام عن السحرة ذكر الروايات عن الإمام أحمد فى حكمهم وأوردت مجموعة من الروايات عنه تفيد قتل الساحر والساحرة إذا أقرا وكانا مسلمين لكن هل القتل يكون على الفور بمجرد المعرفة والإقرار أم أنهم يستتابون كما هو الحال فى غيرهم أم أنه يكتفى بحبسهم حتى يتوبوا؟

٦٠٤ ـ وفى ما نقله أبو بكر المروزي دلالة على أنهم يستتابون. فقد سأل أبا عبد الله عن الزنادقة فقال : هل يستتاب هؤلاء؟ قال أحمد : أنا أرى أن أستتيب الزنادقة وغيرهم(٢).

٦٠٥ ـ وفى رواية أخرى لحنبل بن إسحاق سئل عن الساحر والكاهن والعراف ثم قيل له : فإن كان رجلا يتقلد الإسلام وهو يعمل هذا. قال : أرى أن يستتاب من هذه الأفاعيل كلها فإنه عندى فى معنى المرتد فإن تاب وراجع. قلت له : يقتل؟ قال : لا ، يحبس. قلت له : لم؟ قال : إذا كان يصلى لعله يتوب ويرجع.

__________________

(١) أحكام أهل الملل للخلال ص ٢٠٨.

(٢) الرواية تقدم ذكرها ج : ٢ / ٦٩.

١٠٦

٦٠٦ ـ وفى رواية أخرى لحنبل قال : الساحر والكاهن حكمهما القتل لأنهما يلبسان أمرهم أو الحبس حتى يتوبا وحديث عمر رضى الله عنه «اقتلوا كل ساحر وكاهن (١) ، وليس هو من أمر الإسلام (٢) (٣).

التعليق.

قال أبو السعادات : الكاهن الّذي يتعاطى الخبر عن الكائنات فى مستقبل الزمان ويدعى معرفة الأسرار. وقد كان فى العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما. فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن ورئيا يلقى إليه الأخبار ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله وهذا يخصونه باسم العراف ، كالذى يدعى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوها (٤). اه

قلت : فكل من ادعى أمرا من أمور الغيب فهو يندرج ضمن هذه المسميات. لذا قال ابن تيمية : العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ، ممن يتكلمون فى معرفة الأمور بهذه الطرق (٥). اه

وهذا ما تفيده الروايات عن أحمد.

وقد جاءت الأحاديث متضمنة الوعيد الشديد لهؤلاء ولمن أخذ عنهم وفى بعض هذه الأحاديث التصريح بكفرهم.

من ذلك ما رواه البزار عن عمران بن حصين مرفوعا «ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له. ومن أتى كاهنا فصدقه

__________________

(١) روى عبد الرزاق فى المصنف ١٠ / ١٧٩ والبيهقى فى السنن الكبرى ٨ / ١٣٦ أن عمر كتب إلى عامله جزء بن معاوية : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة.

(٢) يقصد السحر والكهانة.

(٣) انظر هذه الروايات فى أحكام أهل الملل ص ٢٠٨ ـ ٢٠٩.

(٤) النهاية : ٤ / ٢١٤.

(٥) انظر : تيسير العزيز الحميد ص : ٤١١.

١٠٧

بما يقول : فقد كفر بما أنزل على محمد» (١) وإسناده جيد كما قال ابن حجر (٢). وقال الهيثمى : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن ربيع وهو ثقة (٣).

وكذا ما رواه أحمد (٤) وابن ماجة (٥) وأبو داود (٦) عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ...» الحديث. وهذا لفظ أحمد وابن ماجة.

وروى مسلم (٧) عن بعض أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة».

ولمسلم (٨) أيضا عن معاوية بن الحكم السلمى قال : قلت يا رسول الله أمورا كنا نصنعها فى الجاهلية كنا نأتى الكهان. قال : «فلا تأتوا الكهان».

مما تقدم يتضح أن إتيان الكهان والسحرة والمشعبذين ومن هو على شاكلتهم فيه مخالفة لما أمر الله تعالى به من التوكل والاعتماد عليه وحده وتفويض الأمور إليه جل وعلا. والّذي يجب على المسلم أن يعيه ويؤمن به هو أن ما أصابه لم يكن ليخطأه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. فمن آمن بذلك وأيقن به اطمأنت نفسه ، وترك الالتفات إلى ما سوى الله؟ وحقق التوكل عليه. يقول الله تعالى : (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِ

__________________

(١) كشف الأستار ٣ / ٣٩٩.

(٢) فتح البارى ١٠ / ٢١٣.

(٣) مجمع الزوائد ٥ / ١١٧.

(٤) فى المسند ٢ / ٤٧٥.

(٥) فى السنن ١ / ٢٠٩.

(٦) فى السنن ٤ / ٢٢٥.

(٧) فى الصحيح ٤ / ١٧٥١.

(٨) فى الصحيح ٤ / ١٧٤٨ ـ ١٧٤٩.

١٠٨

شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١).

وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «قد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله عليك لم يقدروا عليه» (٢).

يقول شارح الطحاوية : والواجب على ولى الأمر وكل قادر أن يسعى فى إزالة هؤلاء المنجمين والكهان والعرافين ... وهؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة أنواع : نوع منهم أهل تلبيس وكذب وخداع ، الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له ، أو يدعى الحال من أهل المحال ، من المشايخ النصابين (٣).

وبعد أن أوضحت بعض ما يتعلق بالسحر والكهانة وتبين الوعيد الشديد لمن تعاطاهما ولمن سار فى فلك السحرة والكهان. بقى أن أذكر حكم الشرع فى الساحر والكاهن.

أما الساحر : فمعظم الروايات عن أحمد تفيد بأن حكمه : القتل إذا كان مسلما (٤) وعرف ذلك وتحقق منه وأقر بما نسب إليه. والمشهور عنه بالنظر إلى مجمل الروايات عنه فى المرتدين والزنادقة وغيرهم استتابته ثلاثا ، والله أعلم.

يقول ابن قدامة : وحد السحر القتل روى ذلك عن عمر وعثمان بن عفان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر ابن عبد العزيز وهو قول أبى حنيفة ومالك ولم ير الشافعى عليه القتل بمجرد السحر وهو قول ابن المنذر ورواية عن أحمد (٥). ووجه ذلك أن عائشة رضى الله عنها باعت مدبرة سحرتها ولو وجب قتلها لما حل بيعها. ولأن النبي صلى الله عليه

__________________

(١) سورة الأنعام / ١٧.

(٢) أخرجه أحمد ١ / ٢٩٣ ، والترمذي ٤ / ٦٦٧ من حديث ابن عباس. قال الترمذي : حسن صحيح.

(٣) شرح العقيدة الطحاوية ص : ٥٦٨ ـ ٥٦٩.

(٤) انظر الخلاف فى الساحر الغير مسلم فى المغنى لابن قدامة ٨ / ١٥٥.

(٥) يقصد رواية حنبل الأخيرة. انظرها ج : ٢ / ١٠٧.

١٠٩

وسلم قال : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير حق» (١) ولم يصدر منه أحد الثلاثة فوجب أن لا يحل دمه.

ثم ذكر الأخبار الدالة على الرأى الأول.

ثم قال : وهل يستتاب الساحر فيه روايتان :

إحداهما : لا يستتاب وهو ظاهر ما نقل عن الصحابة فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحرا. وفى الحديث الّذي رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الساحرة سألت أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهم متوافرون هل لها من توبة. فما أفتاها أحد ، ولأن السحر معنى فى قلبه لا يزول بالتوبة فيشبه من لم يتب.

والرواية الثانية : يستتاب فإن تاب قبلت توبته لأنه ليس بأعظم من الشرك ، والمشرك يستتاب ومعرفته السحر لا تمنع قبول توبته فإن الله تعالى قبل توبة سحرة فرعون وجعلهم من أوليائه فى ساعة ، ولأن الساحر لو كان كافرا فأسلم صح إسلامه وتوبته فإذا صحت التوبة منهما صحت من أحدهما كالكفر ولأن الكفر والقتل إنما هو بعمله بالسحر لا بعلمه بدليل الساحر إذا أسلم والعمل به يمكن التوبة منه وكذلك اعتقاد ما يكفر باعتقاده يمكن التوبة منه كالشرك وهاتان الروايتان فى ثبوت حكم التوبة فى الدنيا من سقوط القتل ونحوه فأما فيما بينه وبين الله تعالى وسقوط عقوبة الدار الآخرة عنه فيصح فإن الله تعالى لم يسد باب التوبة عن أحد من خلقه ومن تاب إلى الله قبل توبته لا نعلم فى هذا خلافا (٢).

يقول شارح الطحاوية : وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر كما هو مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد فى المنصوص عنه. وهذا هو المأثور عن الصحابة كعمر وابنه وعثمان وغيرهم ، ثم اختلف هؤلاء هل يستتاب أم لا؟ وهل يكفر

__________________

(١) تقدم تخريجه ج : ٢ / ٦٣.

(٢) المغنى ٨ / ١٥٣ ـ ١٥٤.

١١٠

بالسحر أم يقتل لسعيه فى الأرض بالفساد؟ وقال طائفة : إن قتل بالسحر يقتل وإلا عوقب بدون القتل ، إذا لم يكن فى قوله وعمله كفر وهذا هو المنقول عن الشافعى وهو قول فى مذهب أحمد (١). اه

هذا بالنسبة للساحر أما الكاهن ومن فى حكمه فقد قال ابن قدامة ـ بعد أن ذكر الروايات التى أوردتها آنفا عن حنبل بن إسحاق ـ : «وهذا يدل أن كل واحد منهما فيه روايتان. إحداهما : أنه يقتل إذا لم يتب. والثانية : لا يقتل لأن حكمه أخف من حكم الساحر وقد اختلف فيه. فهذا بدرء القتل عنه أولى» (٢). اه

ويقول شارح الطحاوية ـ فى معرض كلامه عن الكهان ومن فى حكمهم ـ : فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التى تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس. وقد يكون فى هؤلاء من يستحق القتل ، كمن يدعى النبوة بمثل هذه الخزعبلات أو يطلب تغيير شيء من الشريعة ونحو ذلك (٣). اه

__________________

(١) شرح العقيدة الطحاوية ص : ٥٦٩. وانظر كتاب تيسير العزيز الحميد ، باب ما جاء في السحر ص : ٣٨٢ ـ ٣٩٤.

(٢) المغنى ٨ / ١٥٥.

(٣) شرح العقيدة الطحاوية ص : ٥٦٩. وانظر كتاب تيسير العزيز الحميد باب ما جاء فى الكهان ص : ٤٠٥ ـ ٤١٥.

١١١

قول الإمام أحمد فى الرقى

٦٠٧ ـ قال إسحاق الكوسج : قلت : ما يكره من الرقى وما يرخص منها؟ قال (١) : التعليق كله يكره والرقى ما كان من القرآن فلا بأس به. قال إسحاق (٢) : كما قال(٣).

٦٠٨ ـ قلت : يكره التفل فى الرقية؟ قال : أليس قال : إذا رقى نفخ ولم يتفل قال إسحاق : كما قال (٤).

قال القاضى أبو يعلى بن الفراء :

٦٠٩ ـ قال أحمد فى رواية الفرج بن على الصباح البرزاطى (٥) فى الرجل يزعم أنه يعالج المجنون من الصرع بالرقى والعزائم ، ويزعم أنه يخاطب الجن ويكلمهم ، ومنهم من يخدمه ويحدثه.

(قال) : ما أحب لأحد أن يفعله وتركه أحب إلى (٦).

٦١٠ ـ قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : رأيت أبى يكتب التعاويذ للذى يفزئع (٧) للحمى لأهله وقراباته ، ويكتب للمرأة إذا عسر عليها الولادة فى

__________________

(١) أى أحمد بن حنبل.

(٢) ابن راهويه.

(٣) مسائل الكوسج ٢ / ١٦٩.

(٤) المصدر نفسه ٢ / ٢١٠.

(٥) ذكره ابن أبى يعلى فيمن نقل عن الإمام أحمد. وأورد له بعض المسائل.

انظر : طبقات الحنابلة ١ / ٢٥٥ والمنهج الأحمد ١ / ٤٤١.

(٦) الأحكام السلطانية ص : ٣٠٨.

(٧) جاء فى المطبوع : «يقرع» ولعل ما أثبته هو الصواب وهو من الفزع أى الخوف. النهاية (٣ / ٤٤٤).

١١٢

جام (١) أو شيء لطيف ويكتب حديث ابن عباس إلا أنه كان يفعل ذلك عند وقوع البلاء ، ولم أره يفعل هذا قبل وقوع البلاء ، ورأيته يعوذ فى الماء ويشربه المريض ، ويصب على رأسه منه. قال عبد الله بن أحمد : قرأت على أبى : يعلى ابن عبيد قال : حدثنا سفيان ، عن محمد بن أبى ليلى ، عن الحكم ، عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال : إذا عسر على المرأة ولادتها فلتكتب : بسم الله الّذي لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين. (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ) قال أبى : وزاد فيه وكيع : وينضح ما دون سرتها (٢) (٣).

ونحو هذا نقل عنه :

٦١١ ـ أبو داود قال : قلت لأحمد : الرقية من العين قال : لا بأس بها.

٦١٢ ـ سمعت أحمد سئل عن الرجل يكتب القرآن فى شيء ثم يغسله ويشربه قال : أرجو أن لا يكون به بأس.

٦١٣ ـ سمعت أحمد قبل له : يكتبه فى شيء ثم يغسله فيغتسل به؟ قال : لم أسمع فيه بشيء (٤).

٦١٤ ـ ابنه صالح قال : كنت ربما اعتللت فيأخذ أبى قدحا فيه ماء

__________________

(١) إناء من فضة (لسان العرب ١٤ / ٣٧٩).

(٢) مسائل عبد الله ص ٤٤٧.

(٣) ورواه ابن السنى فى عمل اليوم والليلة ص ٢٣١ من طريق آخر عن سفيان به ـ مرفوعا. وفى الطريق إلى سفيان : عبد الله بن محمد بن المغيرة قال العقيلى : يروى عن الثورى عن مسعر وكان يخالف فى بعض حديثه ويحدث بما لا أصل له وقال ابن عدى : وسائر أحاديثه مما لا يتابع عليه ومع ضعفه يكتب حديثه. وقال ابن يونس : منكر الحديث وقال أبو حاتم : ليس بقوى.

وفى الإسناد أيضا : محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ، قال عنه ابن حجر : صدوق سيئ الحفظ جدا.

(٤) مسائل أبى داود ص ٢٦٠.

١١٣

فيقرأ فيه ثم يقول : اشرب منه واغسل وجهك ويديك (١).

التعليق.

الرقية : العوذة التى يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات(٢).

وقد جاء فى بعض الأحاديث إباحة الرقية وفى بعضها منعها.

فمن الأول : ما رواه مسلم (٣) وأبو داود (٤) عن عوف بن مالك قال : كنا نرقى فى الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى فى ذلك فقال : «اعرضوا عليّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك».

ومن الثانى : ما رواه أحمد (٥) وأبو داود (٦) وابن ماجة (٧) عن عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».

ولا تعارض ولله الحمد فإنما رخص الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الرقى التى لا ضرر فيها من جهة الشرع ، كأن تكون بآيات قرآنية أو بأسماء الله تعالى وصفاته وإذا كانت بغير ذلك فهى ممنوعة.

قال ابن حجر : وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط : أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته وباللسان العربى أو بما يعرف معناه من غيره ، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى (٨) انتهى

__________________

(١) مناقب أحمد لابن الجوزى ص ٢٤٢.

(٢) النهاية ٢ / ٢٥٤.

(٣) فى الصحيح ٤ / ١٧٢٧.

(٤) فى السنن ٤ / ٢١٤.

(٥) فى المسند ١ / ٣٨١.

(٦) فى السنن ٤ / ٢١٢.

(٧) فى السنن ٢ / ١١٦٧.

(٨) فتح البارى ١٠ / ١٩٥.

١١٤

كلام ابن حجر. وأما من استحق الثناء فلتركه الاسترقاء ـ أى الطلب من غيره أن يرقيه ـ فاستحقاقه للثناء ليس لتركه ما هو جائز من الرقى وإنما لعدم التفاته إلى غير الله اعتمادا وتوكلا على الله وهذا التوكل والاعتماد على الله هو ما أورثه دخول الجنة بغير حساب ، كما فى قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الحديث الّذي فيه : عرضت على الأمم ... ثم قيل لى انظر إلى هذا الجانب الآخر فإذا سواد عظيم فقيل : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ... فقال : «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» (١).

والإمام أحمد كما تقدم عنه وافق السلف فى جواز الرقية بالشروط المذكورة. أما إذا كانت الرقية بخزعبلات أو كلمات يزعم أنه يخاطب بها الجن كما هو الحاصل فى كثير من الأحيان فهذه محرمة قطعا وقد تكون شركا بل هى شرك كما فى قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».

فائدة : جاء فى رواية أبى داود قلت لأحمد : الرقية من العين؟ قال : لا بأس بها. اه.

يقول ابن حجر : والعين : نظر باستحسان مشوب بحسد يحصل للمنظور منه ضرر (٢) اه

وروى البخارى (٣) ومسلم (٤) من حديث أبى هريرة يرفعه «العين حق».

وعند مسلم (٥) من حديث ابن عباس يرفعه : «العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا».

__________________

(١) أخرجه البخارى ١٠ / ١٥٥ ومسلم ١ / ١٩٩ وأحمد ١ / ٢٧١ من حديث ابن عباس.

(٢) فتح البارى ١٠ / ٢٠٠.

(٣) فى الصحيح ١٠ / ٢٠٣.

(٤) فى الصحيح ٤ / ١٧١٩.

(٥) فى الصحيح ٤ / ١٧١٩.

١١٥

قال النووى : ومعناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى وسبق بها علمه فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى وفيه صحة أمر العين وأنها قوية الضرر (١). اه

وللبخارى (٢) ومسلم (٣) عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمرنى أن أسترقي من العين.

وروى مالك (٤) أن عامر بن ربيعة رأى سهل بن حنيف يغتسل ، فقال : والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة عذراء. قال : فلبط سهل فأتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عامرا ، فتغيظ عليه وقال : علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت ، اغتسل له ، فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخله : إزاره فى قدح ، ثم صب عليه ، فراح مع الناس.

وفى رواية أخرى للحديث : «أن العين حق ، توضأ له» فتوضأ له.

وفى البخارى (٥) ومسلم (٦) عن أم سلمة أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى فى بيتها جارية فى وجهها سفعة فقال : «استرقوا لها فإن بها النظرة».

قال المازرى : أخذ جماهير العلماء بظاهر هذه الأحاديث وقالوا : العين حق وأنكره طوائف من المبتدعة ، والدليل على فساد قولهم أن كل معنى ليس مخالفا فى نفسه ولا يؤدى إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل فإنه من مجوزات العقول إذا أخبر الشرع بوقوعه وجب اعتقاده ولا يجوز تكذيبه وهل من فرق بين تكذيبهم بهذا وتكذيبهم مما يخبر به من أمور الآخرة (٧) اه

__________________

(١) مسلم بشرح النووى ١٤ / ١٧٤.

(٢) فى الصحيح ١٠ / ١٩٩.

(٣) فى الصحيح ٤ / ١٧٢٥.

(٤) فى الموطأ (بشرح الزرقانى ٤ / ٣١٩).

(٥) فى الصحيح ١٠ / ١٩٩.

(٦) فى الصحيح ٤ / ١٧٢٥.

(٧) مسلم بشرح النووى ١٤ / ١٧١.

١١٦

ويقول ابن حجر : وقد أشكل ذلك على بعض الناس فقال : كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون (١) اه. ونقل أقوالا كثيرة فى كيفية تأثير العين ، وكذا فعل ابن القيم فى كتابيه زاد المعاد (٢) والطب النبوى (٣) وما ذكرا لا يعدو كونه اجتهادا لكون هذا الأمر من الأمور الغيبية التى يقف العقل عندها ولا يستطيع مجاوزتها ومعرفة كيفيتها. والله أعلم.

__________________

(١) فتح البارى ١٠ / ٢٠٠.

(٢) انظره ٣ / ١١٧.

(٣) انظره ص : ٢٣٢ ـ ٢٣٤.

١١٧

قول الإمام أحمد فى تعليق التمائم

٦١٥ ـ قال إسحاق الكوسج :

قلت : ما يكره من المعاليق؟ قال : كل شيء يعلق فهو مكروه قال : من يعلق تميمة وكل إليها. قال إسحاق : كما قال. إلا أن يفعله بعد نزول البلاء فهو حينئذ مباح له. قالت عائشة ذلك (١) اه

٦١٦ ـ قال أبو داود : رأيت على ابن لأحمد وهو صغير تميمة فى رقبته من أديم (٢).

التعليق.

يقول ابن الأثير : التمائم جمع تميمة وهى خزرات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين فى زعمهم فأبطلها الإسلام. كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء (٣). اه

وقبل ذكر الخلاف فى تعليق التمائم وما يصح منها وما لا يصح سأورد بعض الأحاديث المتعلقة بالتمائم وتعليقها ، فمن تلك الأحاديث :

ما روى عن عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إن الرقى والتمائم والتولة (٤) شرك» (٥).

__________________

(١) مسائل الكوسج ٢ / ٢١٧.

(٢) مسائل أبى داود ص : ٢٦٠.

(٣) النهاية ١ / ١٩٧ ـ ١٩٨.

(٤) قال ابن الأثير : التولة : ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى. النهاية ١ / ٢٠٠.

(٥) الحديث تقدم تخريجه ج : ٢ / ١١٤.

١١٨

وروى أحمد (١) عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة (٢) فلا ودع الله له».

وروى أحمد (٣) عن عبد الله بن عكيم عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «من تعلق شيئا وكل إليه».

وروى أحمد (٤) عن عقبة بن عامر الجهنى أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد فقالوا : يا رسول الله بايعت تسعة وتركت هذا قال : «إن عليه تميمة» فأدخل يده فقطعها فبايعه وقال : «من علق تميمة فقد أشرك».

قال ابن الأثير : وإنما جعلها شركا لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم ، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الّذي هو دافعه (٥) اه

قلت : ولا خلاف فى تحريم التمائم المستندة إلى ما عدا القرآن الكريم وأسماء الله وصفاته ، وأنها شرك كما جاء فى الحديث.

والخلاف وقع فى تلك التمائم التى من القرآن وأسماء الله وصفاته ، وقد لخصه الشيخ سليمان بن عبد الله ـ (ت ١٢٣٣ ه‍) ـ إذ يقول :

اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا فى جواز تعليق التمائم التى من القرآن وأسماء الله وصفاته ، فقالت طائفة : يجوز ذلك وهو قول

__________________

(١) فى المسند ٤ / ١٥٤.

(٢) قال ابن الأثير : الودع : جمع ودعة وهو شيء أبيض يجلب من البحر يعلق فى حلوق الصبيان وغيرهم وإنما نهى عنها لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين وقوله : لا ودع الله له : أى لا جعله فى دعة وسكون وقيل : هو لفظ مبنى من الودعة أى لا خفف الله عنه ما يخافه.

النهاية ٥ / ١٦٨.

(٣) فى المسند ٤ / ٣١١.

(٤) فى المسند ٤ / ١٥٦.

(٥) النهاية ١ / ١٩٨.

١١٩

عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره وهو ظاهر ما روى عن عائشة وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد فى رواية. وحملوا الحديث على التمائم الشركية ، أما التى فيها القرآن وأسماء الله وصفاته فكالرقية بذلك. قلت : وهو ظاهر اختيار ابن القيم.

وقالت طائفة : لا يجوز ذلك وبه قال ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم رضى الله عنهم وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد فى رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون واحتجوا بهذا الحديث وما فى معناه فإن ظاهره العموم لم يفرق بين التى فى القرآن وغيرها بخلاف الرقى فقد فرق فيها ، ويؤيد ذلك أن الصحابة الذين رووا الحديث فهموا العموم كما تقدم عن ابن مسعود ... وأما القياس على الرقية بذلك فقد يقال بالفرق ، فكيف يقاس التعليق الّذي لا بد فيه ورق أو جلود ونحوهما على ما لا يوجد ذلك فيه فهذا إلى الرقى المركبة من حق وباطل أقرب.

هذا اختلاف العلماء فى تعليق القرآن وأسماء الله وصفاته فما ظنك بما حدث بعدهم من الرقى بأسماء الشياطين وغيرهم وتعليقها؟ بل والتعلق بهم ، والاستعاذة بهم والذبح بها وسؤالهم كشف الضر ، وجلب الخير مما هو شرك محض ، وهو غالب على كثير من الناس إلا من سلم الله (١).

__________________

(١) تيسير العزيز الحميد ص : ١٦٧ ـ ١٦٨.

١٢٠