المحكم في أصول الفقه - ج ٦

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٦

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٢٥
  نسخة غير مصححة

بناؤهم في سائر موارد الرجوع إلى أهل الخبرة على التوقف والتساقط مع الاختلاف.

نعم ، ناقش بعض مشايخنا في الإجماع بعدم كونه إجماعا تعبديا ، ليكشف عن رأي المعصومين عليهم السّلام.

وقد يؤيده ظهور بعض كلماتهم في عدم الاعتماد عليه ، بل على بعض الوجوه الاجتهادية التي لا تعويل عليها.

وكذا ظهور بعض النصوص في الرجوع للإمام عليه السّلام لمعرفة الحكم عند اختلاف الأصحاب فيه ، حيث يدل على عدم وضوح البناء في الصدر الأول على التخيير.

وهو وإن اختص بصورة تيسر الاطلاع على الحق بالرجوع له عليه السّلام إلا أنه يمنع من الوثوق بالإجماع المدعى ، بنحو لا يستكشف منه وضوح التخيير في صورة عدم تيسر الرجوع له التي لم يعلم مقدار الابتلاء بها في عصورهم عليهم السّلام ولا طريق لمعرفة حكمهم عليهم السّلام فيها ، ولا سيما مع مخالفة التخيير للسيرة الارتكازية. ومن ثم جزم (دامت بركاته) بوجوب الأخذ بأحوط القولين حينئذ ، لأنه مقتضى الأصل الذي ادعاه هو وغيره في صورة التساقط.

لكن الظاهر اختصاصه بما إذا كان أحوط القولين موافقا للأصل الشرعي أو العقلي الجاري في المسألة ، كما في مورد استصحاب التكليف وموارد الشك في المحصل وتعيين المكلف به ونحوها ، لحجية الأصول المذكورة في حق العامي بعد فرض سقوط الفتوى المخرجة عنه بالمعارضة ، أما لو كان القول الآخر هو الموافق للأصل ـ كما في موارد الاستصحاب النافي للتكليف والشك في أصل التكليف والنجاسة ـ جاز موافقته عملا بالأصل المذكور بعد فرض سقوط أحوط القولين بالمعارضة.

وليس المانع من رجوع العامي للأصل المذكور بنحو يستغني به عن

٣٦١

التقليد والنظر في أقوال المجتهدين إلا تنجز احتمال التكليف في مورده بالعلم الإجمالي الكبير بوجود تكاليف شرعية مسبب عن العلم بوجود الشريعة ، وبما دل على وجوب تعلم الأحكام ، بنحو يمنع من الرجوع قبل الفحص عن الرجوع للأصول الترخيصية.

والظاهر انحلال العلم الإجمالي الكبير بموارد الأصول الإلزامية في مورد الاختلاف ، وموارد اتفاق المجتهدين على ثبوت التكليف ، لوفائها بالمقدار المعلوم بالإجمال ، فلا يصلح العلم المذكور للتنجيز في غيرها.

كما أن ما دل على وجوب تعلم الأحكام إنما ينجز احتمال التكليف قبل الفحص والسؤال ، أما بعد الفحص عن التكليف وعدم العثور على حجة عليه ، لفرض سقوط الفتوى به بالمعارضة ، فلا يصلح للمنجزية ، نظير المجتهد ، حيث يجوز له الرجوع للأصول الترخيصية بعد الفحص عن الأدلة وظهور تعارضها في حقه ، وإن لم يجز له الرجوع قبل الفحص.

وبالجملة : لا مجال لإطلاق الفتوى بوجوب الاحتياط على العامي في فرض تساقط فتاوى المجتهدين في حقه ، بل يتعين التفصيل له بين الموارد على حسب ما ذكرناه.

نعم ، لو عجز عن تشخيص الموارد المذكورة وتعذر عليه التمييز بينها ، فحيث كان ذلك ناشئا من جهله بالحكم الظاهري للشبهة الحكمية لا الموضوعية لزمه الرجوع للمجتهدين في تعيينه ، وبدونه يلزمه الاحتياط بمتابعة أحوط القولين.

والإنصاف أن التمييز بين الموردين يعسر على العامي غالبا ، بل يتعذر خصوصا مع اختلاف المجتهدين في تحديد كبريات الأصول.

كما أن الاحتياط عسر عليه غالبا ، فإن تعلم مسائل الخلاف وكيفية الاحتياط والترجيح بين جهاته عند التزاحم مما لا يتهيأ لعامة الناس ، ولا سيما

٣٦٢

مع كثرة المجتهدين.

وخصوصا مع أن البناء على التساقط مع التساوي للأصل يقتضي البناء عليه مع احتماله ، لعدم إحراز المرجح ، كما يقتضي البناء عليه مع العلم بالتفاضل وعدم تعيين الأفضل ، ومع ما يأتي إن شاء الله تعالى من اختصاص مورد السيرة على ترجيح الأعلم بما إذا كان التفاضل بوجه معتد به. فإن ملاحظة جميع ذلك توضح كثرة موارد الاحتياط ولزوم الحرج منه.

وحينئذ يكون مقتضى قاعدة نفي الحرج عدم لزومه واكتفاء الشارع بالموافقة الاحتمالية ، بناء على ما سبق في تنبيهات البراءة من إمكان اكتفائه بها.

ولازم ذلك متابعة أحد المجتهدين تخييرا لتحقق مقتضي الحجية فيه ، ولأنه المتيقن من صور الموافقة الاحتمالية.

بل الالتفات لجميع ما ذكرنا ولكثرة اختلاف العلماء بالوجه المذكور في جميع العصور وغلبة عدم سهولة تشخيص الأعلم يوجب الاطمئنان بعدم تشريع التقليد بالوجه المقتضي للتساقط غالبا ، ويكشف عن تسامح الشارع في ذلك باكتفائه في جواز التقليد بالعلم والاقتصار في لزوم الترجيح بالأعلمية على صورة وجودها وتيسر تشخيص الأعلم ، كما هو مفاد الإجماع المدعى.

وبعبارة اخرى : الالتفات للاختلاف بين المجتهدين في العصور السابقة وإن كان نادرا ، لعدم تحرير الفتاوى ، ولذا منعنا من السيرة على التخيير ، إلا أنه لما كان كثيرا في نفسه ، خصوصا في عصور الأئمة عليهم السّلام بسبب الابتلاء بما يوجب خفاء الواقع ، فلو كان مبنى تشريع التقليد على التساقط بالتعارض لزم عدم وفاء تشريع التقليد واقعا بمقدار الحاجة في مقام العمل ، وإن تخيل وفاؤه به بسبب الاختلاف.

فالإنصاف أن الإجماع في المقام بعد الالتفات إلى لزوم الحرج نوعا من مخالفته بل الهرج والمرج يشرف بالمتأمل على القطع بالتخيير ، وأن التضييق

٣٦٣

بايجاب الاحتياط بعيد عن سليقة الشارع الأقدس.

وإن كان ينبغي الاقتصار على لزوم الحرج الفعلي بالوجه المعتد به ، لأنه المتيقن. والله سبحانه ولي التوفيق.

المقام الثاني : في صورة التفاضل ، ولا ريب في جواز الرجوع للأعلم ، وإنما الإشكال في تعيينه أو التخيير بينه وبين المفضول.

فقد صرح غير واحد من الأعاظم بلزوم الرجوع للأعلم ، وفي التقريرات أنه المعروف بين أصحابنا ، وعن النهاية أنه قول من وصل إلينا كلامه من الاصوليين ، وفي المعالم : أن تعيين الأرجح في العلم والعدالة هو قول من وصل إلينا كلامهم من الأصحاب ، وعن المحقق الثاني دعوى الإجماع عليه ، وقد يستظهر من كلام البهائي ، وعن ظاهر السيد في الذريعة أنه من مسلمات الشيعة.

ومع ذلك فقد ذكر السيد في الذريعة أن بعضهم ذهب إلى التخيير ، ولعل مراده بهم بعض العامة ، وفي التقريرات : أنه حدث لجماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني قول بالتخيير بين الأعلم وغيره. ثم قال : «وصار إليه جملة من متأخري أصحابنا حتى صار في هذا الزمان قولا معتدا به» ، وهو الذي أصر عليه في كتاب القضاء من الجواهر ، وجعله في الفصول أوضح ، واختاره بعض المحققين.

هذا ، وحيث سبق قصور إطلاقات الحجية عن شمول المتعارضين معا ، وكان الحمل على التخيير مع التساوي لأجل الإجماع ونحوه ، فلا يبعد حملها مع التفاضل على حجية خصوص الأعلم ، بقرينة ورودها مورد الإمضاء لسيرة العقلاء والمفروغية عنها ، وحيث لا إشكال عندهم في تعيين الأعلم عند الاختلاف ، لصلوح قوله للقرينية على خطأ المفضول وخروجه عن موضوع الحجية ، لزم تنزيل الإطلاقات عليه.

ولو غض النظر عن ذلك أمكن الرجوع إليه بمقتضى السيرة العقلائية التي

٣٦٤

لم يثبت الردع عنها ، وإن سلم صلوح الإطلاقات لإمضائها في ذلك ، لقصورها عن المتعارضين.

وأما دعوى : استفادة امضائها من الإجماع على حجية قوله ، لعدم الإشكال بينهم في ذلك ، وإنما الإشكال في أن حجيته تعيينية أو تخييرية.

فيشكل : بأن صلوح الإجماع للكشف عن إمضاء السيرة موقوف على مطابقته لها في إثبات الحجية التعيينية التي هي محل الكلام. بل يتعين التشبث بكفاية عدم الردع ، كما سبق.

اللهم إلا أن يدعى الإجماع على الحجية التعيينية ، لدعوى انعقاده إلى عصر الشهيد الثاني ، ولا يعتد بالخلاف بعده. فتأمل.

هذا ، وقد يستدل على تعيين الأعلم بأنه مقتضى الأصل ، بعد فرض الدوران في حجيته بين التعيين والتخيير ، لأصالة عدم حجية فتوى المفضول ، فلا يجتزأ بمتابعة قوله في الفراغ عن عهدة التكليف ، بل بمتابعة الأفضل للقطع بحجيته.

لكن الأصل وإن اقتضى عدم حجية فتوى المفضول ولو تخييرا إلا أنه لا يقتضي كون حجية فتوى الأفضل تعيينية مع فرض الشك واحتمال كونها تخييرية غير مقتضية وجوب المتابعة.

ولازم ذلك عدم وجوب متابعته مع مطابقة فتوى المفضول للأصل ، بل يجوز موافقة المفضول عملا بالأصل بعد فرض عدم وجوب الخروج عنه بفتوى الأفضل ، لاحتمال كون حجيته تخييرية ، وقد سبق في المقام الأول عدم المانع من رجوع العامي للأصل الترخيصي في مورد اختلاف المجتهدين بعد الفحص.

وإنما يجب متابعة الأفضل مع مخالفة فتوى المفضول للأصل ، لأن عدم إحراز حجيته مانع من الاعتماد عليه في الخروج عن الأصل ، كما لا يجوز العمل

٣٦٥

بالأصل لو كان مخالفا لهما ، للعلم بقيام الحجة على خلافه ، بل يتعين موافقة الأفضل ، للعلم بحجيته.

نعم ، يختص التفصيل المذكور بما إذا تمكن العامي من تمييز موارد الأصول ، وتعيين مفادها ، وقد سبق ندرة ذلك ، وانه يلزم مع عدمه الاحتياط ، الذي يقتضي في المقام متابعة الأفضل.

ثم إنه قد استدل لوجوب ترجيح الأعلم بوجوه اخرى لا تخلو عن إشكال ..

الأول : الإجماع المتقدمة دعواه صريحا عن غير واحد.

ويشكل : بعدم وضوح قيام إجماع تعبدي صالح للاستدلال مع عدم شيوع تحرير المسألة ، وقرب استناد مدعيه للسيرة الموجبة لوضوح الحكم عنده بنحو يعتقد استيضاح الكل له.

ولا سيما مع أن عمدة من حكي عنه دعوى الإجماع السيد المرتضى والمحقق الثاني ، وفي الجواهر : «لم نتحقق الإجماع على المحقق الثاني. وإجماع المرتضى مبني على مسألة تقليد المفضول في الإمامة العظمى مع وجود الأفضل ، وهو غير ما نحن فيه. وظني ـ والله أعلم ـ اشتباه كثير من الناس في هذه المسألة بذلك».

الثاني : ما تضمن ترجيح قضاء الأفضل عند الاختلاف ، كمقبولة ابن حنظلة وغيرها ، حيث يتعدى به للمقام ـ كما في التقريرات ـ إما بالإجماع المركب ، إذا لا قائل بالفصل بين تعيين الأعلم للقضاء وتعيينه للتقليد ، أو بأن ظاهر المقبولة الترجيح في مورد الاختلاف بينهما في الحكم الشرعي الكلي الذي يرجع فيه للشارع ، كما يشهد به بقية المرجحات المذكورة فيها ، التي هي من مرجحات الروايات المتعارضة في الأحكام الكلية.

لكن عرفت الإشكال في الاعتماد على الإجماع البسيط فضلا عن

٣٦٦

المركب في أمثال المقام.

مع أن عدم الفصل ـ لو تم ـ إنما هو بين تعيين الأعلم للقضاء بنحو لا يجوز نصب غيره أو الرجوع له وتعيينه للتقليد ، ولا تدل المقبولة ولا غيرها على تعيينه للقضاء لو لم تدل على عدمه ، والذي هو مدلولها هو ترجيح قضاء الأعلم عند تحكيم شخصين في واقعة واحدة واختلافهما في الحكم ، وعدم الفصل بينه وبين تعيين الأعلم للتقليد غير معلوم.

كما أن ظهورها في الترجيح في الحكم الكلي لا يجدي بعد اختصاصها بالقضاء الذي يمتنع فيه الحكم بالتخيير ، ولا وجه للتعدي منه للتقليد الذي لا يخلو تعيين الأعلم له من صعوبة.

مضافا إلى أنها إنما تقتضي ترجيح الأعلم من الحكمين ، لا الأعلم من جميع الناس ، الذي هو المدعى في المقام ، كما نبه له بعض مشايخنا.

إلا أن يتمم بعدم الفصل بين عدم جواز تقليد المفضول من الحكمين ولزوم تقليد الأعلم من جميع الناس ، وأن إعمال الترجيح بالأعلمية في التقليد في الجملة يستلزم الترجيح بها مطلقا ، فيكون مرجع إلغاء خصوصية القضاء ـ لو تمت ـ إلى استفادة إعمال الترجيح بالأعلمية في التقليد في من هو أهل له من إعماله في القضاء في من صدر الحكم منه. فتأمل جيدا.

الثالث : أن فتوى الأعلم أقرب ، فيجب اختيارها عند التعارض.

واورد عليه ..

تارة : بمنع وجوب الترجيح بالأقربية عند التعارض.

واخرى : بمنع الأقربية ، لإمكان اعتضاد فتوى المفضول بالشهرة أو بفتوى الميت الأعلم أو غيرهما.

وأجاب في التقريرات عن الأول : بأنه ثابت بحكم العقل بعد كون اعتبار التقليد من باب الطريقية ، لا من باب التعبد المحض في عرض الواقع.

٣٦٧

وعن الثاني : بأن الأعلمية من المرجحات المنضبطة التي يمكن رجوع العامي لها ، بخلاف المرجحات المذكورة ، فإنها مرجحات خارجية لا مجال لرجوع العامي لها بالإجماع والضرورة ، لعدم انضباطها.

وكلاهما كما ترى! للإشكال في الأول : بأن اعتبار الأمارة من باب الطريقية لا يستلزم كون الأقربية بنظر المكلف أو العقلاء علة تامة يدور الحكم مدارها وجودا وعدما ، بل كما يمكن أخذ قيود تعبدية ، كالحياة ، يمكن إهمال ما يقتضي الأقربية بنظرهم من دون أن يستلزم كون اعتبار الأمارة من باب الموضوعية ، الراجعة إلى كون مؤداها في قبال الواقع ، كون حجيتها بنحو الصفتية التي لم ينظر فيها الكشف أصلا.

وفي الثاني : بأن المدار في عموم الترجيح وخصوصه على حال دليله ، ولا يظهر الفرق بين المرجحات الداخلية والخارجية ، ولا بين الانضباط وعدمه في حكم العقل المدعى ، ولا مسرح معه للإجماع والضرورة الفقهية ، إلا أن يكشفا عن بطلان دعوى حكم العقل.

هذا ، وقد يستدل ببعض النصوص ، إلا أنه لا مجال لإطالة الكلام فيها بعد ضعف سندها ، وقصور دلالتها.

ولنكتف بما ذكرناه حولها في مباحث التقليد في الفقه.

وقد تحصل من جميع ما تقدم : أن عمدة الدليل على تعيين الأعلم سيرة العقلاء الارتكازية التي يكفي عدم ثبوت الردع عنها ، بل يمكن استفادة إمضائها من الإطلاقات بعد تنزيلها عليها. على أنه مقتضى الأصل الذي يلزم التعويل عليه غالبا ، على ما سبق توضيحه.

هذا ، ومما تقدم يظهر الإشكال في الاستدلال على التخيير بين الأعلم وغيره بالإطلاقات ، فقد وقع الاستدلال في كلامهم بإطلاقات أدلة التقليد كتابا وسنة.

٣٦٨

بل قال سيدنا الأعظم قدّس سرّه في عرض استدلالهم بها : «بل حمل مثل آيتي النفر والسؤال على صورة تساوي النافرين والمسئولين في الفضيلة حمل على فرد نادر».

وجه الإشكال : أن الاستدلال بها موقوف على شمولها لصورة الاختلاف ، ليتعين حملها على الحجية التخييرية ، كي يكون مقتضى الإطلاق ثبوتها مع التفاضل ، خصوصا مع فرض ندرة التساوي ، وقد عرفت عدم نهوضها بإثبات الحجية للمتعارضين ، لظهورها في الحجية التعيينية الممتنعة فيهما.

نعم ، لو فرض مع ذلك ندرة الاتفاق في الفتوى كان حمل الإطلاقات على خصوص الحجية التعيينية حملا على الفرد النادر ، إذ لا تصح إلا مع الاتفاق في الفتوى النادرة فرضا ، أو لخصوص فتوى الأعلم مع الاختلاف ، وهو نادر أيضا بالإضافة لبقية أفراد العناوين المأخوذة في الأدلة.

فيتعين لأجل ذلك حملها على الحجية التخييرية ، لتكون دليلا على التخيير مع التفاضل أيضا ، ولا سيما بعد فرض ندرة التساوي.

لكن من الظاهر عدم ندرة الاتفاق في الفتوى ، بل كثرته ، خصوصا في عصر صدور الآيتين ، لمعاصرة العلماء لمصدر التشريع وسهولة مقدمات الاستنباط ، وعدم ابتنائه على مقدمات حسية خفية يكثر الاختلاف فيها ، فلا مانع من حمل الإطلاقات على الحجية التعيينية ، إذ لا محذور في إخراج فتوى غير الأعلم مع مخالفتها لفتوى الأعلم من الإطلاقات رأسا ، وكذا فتاوى المتساوين في الفضيلة مع اختلافهم بالبناء فيها على الحجية التخييرية أو التساقط ، على ما سبق الكلام فيه.

وما سبق من كثرة الاختلاف بنحو يلزم من التساقط والاحتياط العسر والحرج ، بل اختلال النظام إنما يكشف عن تشريع التقليد بنحو يقتضي التخيير مع عدم المرجح ثبوتا أو إثباتا ، لا عن حمل الإطلاقات على الحجية التخييرية ،

٣٦٩

لإمكان استفادة التخيير معه لبا للمحذور المذكور أو غيره ، لا من الإطلاقات.

ومن هنا كان اللازم في البناء على التخيير بين الأعلم وغيره الاعتماد على أدلة خاصة غير الإطلاقات.

وقد استدل عليه بوجوه ..

أولها : سيرة المتشرعة في عصر المعصومين عليهم السّلام على الأخذ بفتاوى العلماء المعاصرين لهم ، من دون تقيد بالأعلم ولا فحص عنه ، مع العلم بتفاضلهم.

وفيه : ـ كما ذكره غير واحد ـ أن المتيقن من ذلك صورة عدم العلم بالاختلاف في الفتاوى المأخوذة منهم أو الغفلة عنه ، ومحل الكلام صورة العلم بالاختلاف ، وثبوت السيرة فيها غير معلوم.

بل يظهر من الأخبار المتضمنة للسؤال عن الحكم الذي اختلف فيه الأصحاب البناء على التوقف مع الاختلاف.

وهي وإن اختصت بصورة إمكان استعلام الحكم بالرجوع للإمام عليه السّلام ولم يتضح ورودها في مورد العلم بالتفاضل ، إلا أنها كافية في منع السيرة المتصلة بعصر المعصومين عليهم السّلام على الأخذ بفتوى المفضول مع مخالفتها لفتوى الأفضل.

وأضعف منه الاستدلال بما دل على الرجوع لمعاصري الأئمة عليهم السّلام من علماء الشيعة مع كونهم عليهم السّلام أعلم منهم.

لوضوح أن الرجوع لهم لم يكن مع العلم بمخالفة فتاواهم لأحكام أئمتهم ، بل مبنى الرجوع لهم على أخذ أحكامهم عليهم السّلام منهم ، فهو في طول الرجوع للأئمة عليهم السّلام ، ومقتضى كونهم من أهل الخبرة حجية فتاواهم وإحراز أحكام الأئمة عليهم السّلام بها ، نظير أخذ فتاوى الأعلم من ناقليها.

فهو خارج عما نحن فيه من الرجوع لغير الأعلم في مقابل الأعلم ، بل مع

٣٧٠

إحراز مخالفته له.

ثانيها : إرجاع الأئمة عليهم السّلام لبعض أصحابهم ، كأبي بصير ومحمد بن مسلم ويونس بن عبد الرحمن وزكريا بن آدم والعمري وابنه وغيرهم ، بدعوى : ان إطلاق الإرجاع إليهم يشمل ما لو وجد من هو أعلم منهم.

ويظهر الجواب عنه مما سبق في أدلة التقليد من احتمال الخصوصية للأشخاص المذكورين ، وعدم وضوح كون الإرجاع لهم بملاك كبرى التقليد.

على أن الإرجاع لهم لما كان قضية خارجية فلا إطلاق لها ، لإمكان كونهم أعلم من يمكن رجوع المخاطبين لهم.

ولو تم الإطلاق له كان كسائر الإطلاقات قاصرا عن شمول صورة الاختلاف في الفتوى ، لاستحالة حجية المتعارضين تعيينا ، كما سبق. إلا أن يقدم عليها لأنه أخص ، فيتعين تقديم الأشخاص المذكورين على غيرهم عند الاختلاف.

ثالثها : ما في الجواهر من أنه لما كان مقتضى إطلاق أدلة القضاء نفوذ قضاء المفضول في الواقعة الشخصية يلزمه حجية رأيه في الحكم الكلي ، وأنه من الحق والقسط والعدل وما أنزل الله تعالى ، فيجوز الرجوع إليه فيه تقليدا أيضا.

ويندفع : بعدم الملازمة بين نفوذ قضاء المفضول وحجية رأيه ، لعدم تكفل أدلة النفوذ بالتعبد بأن الكبريات التي يبتني عليها قضاء المجتهد حق في حق العامي.

غاية الأمر أن المجتهد يجب عليه أن يقضي بالحق والقسط والعدل وما أنزل الله تعالى ، ولا يراد بذلك تحقق هذه العناوين واقعا ، بل بنظر الحاكم ، وحصولها بنظره لا يستلزم حجيته في حق غيره.

ولذا لا إشكال عندهم في نفوذ حكم الحاكم في حق غيره من المجتهدين

٣٧١

مع عدم حجية رأيه عليهم. على أن نفوذ القضاء لو كان مستلزما للحجية فهو غير مستلزم للحجية التخييرية ، بل التعيينية التي يمتنع ثبوتها للمتعارضين معا ، كما تقدم في الإطلاقات.

رابعها : لزوم العسر والحرج من الاقتصار على تقليد الأعلم ، لصعوبة تشخيصه وصعوبة رجوع جميع المسلمين له مع اختلاف أماكنهم وتباعد أوطانهم ، فلا يتيسر لهم استفتاؤه ولا يتيسر له إفتاء جميعهم.

وكأن المراد بالحرج في المقام الحرج النوعي ، حيث يظهر من جملة من النصوص أن الاحكام الشرعية ليست بنحو يلزم منها الحرج نوعا ، ومن هنا يمكن تمامية الاستدلال في حق من لا يلزم الحرج من رجوعه للأعلم.

وفيه : أن الترجيح بالأعلمية لما كان فرع الابتلاء بفتوى الفقيه والالتفات للاختلاف فهو لا يقتضي رجوع جميع المسلمين لشخص واحد ، بل اكتفاء كل مكلف بالترجيح بها بين من يتيسر له معرفة رأيه كل في مكانه.

نعم ، قد يلزم ذلك في عهودنا التي شاع فيها تسجيل الآراء وانتشار الرسائل العملية وكثرت فيها وسائط النقل والاتصال.

لكن في لزوم الحرج من رجوع الكل للشخص الواحد إشكال ، بل منع ، لأن انتشار الرسائل العملية وتكثر نسخها بالطبع يسهل معرفة آراء الشخص في جميع الاقطار ولو بمعونة أهل العلم المنتشرين فيها الذين يتعارف منهم التصدي لبيان فتاوى المرجع.

غاية الأمر أنه قد يصعب تشخيص الأعلم ، لكون المعلوم حدسيا ليس له أثر محسوس ، وليس كالطب ـ مثلا ـ الذي يظهر أثر الإصابة فيه بشفاء المريض.

إلا أنه لا يكشف عن عموم الحجية لغير الأعلم تخييرا ، ولا سيما في حق من لا يلزم الحرج عليه.

لوضوح أن قاعدة نفي الحرج ـ مع أن المعيار فيها الحرج الشخصي لا

٣٧٢

النوعي ـ إنما تنهض بنفي الأحكام الحرجية ، لا بتشريع أحكام يتدارك بها الحرج ، ولا يكفي في رفع الحرج في المقام نفي حجية فتوى الأعلم تعيينا ، بل لا بد فيه من إثبات الحجية لغير الأعلم تخييرا.

وكذا الحال في ما تضمن أن الأحكام الشرعية ليست بنحو يلزم منه الحرج نوعا لو فرض كون الحرج في المقام نوعيا غالبيا.

نعم ، قد يقطع بعدم جعل الشارع للتقليد بنحو لا يفي بحاجة المكلفين ويحتاج معه للاحتياط الموجب الحرج ، نظير ما تقدم في وجه التخيير مع التساوي ، وذلك لا يقتضي عدم لزوم الترجيح بالأعلمية تبعا للسيرة مع عدم لزوم الحرج من معرفة الأعلم ، حيث لا يلزم الاحتياط حينئذ. وربما يأتي ما يتعلق بالمقام عند الكلام في حكم الشك في الأعلمية.

وينبغي التنبيه على امور ..

الأول : لما كان المعيار في العلمية في كبرى التقليد هو قوة الحدس المستند لمقدمات الاستنباط بمعرفة المباني الاصولية ونحوها مما يرجع إليه الفقيه ، والقدرة على تشخيص صغرياتها ، وفهم الأدلة ، والاستظهار منها ، ومعرفة الجمع بينها ، كان المعيار في الأعلمية التفاضل في ذلك ، فالأعلم هو الذي تكون مبانيه الاصولية أقوى وكبريات استدلاله أنسق ، ويكون أقدر على تشخيص صغرياتها ، وأقوى على فهم الأدلة ، والاستظهار منها ، والجمع بينها ، فيكون أقوى استدلالا.

وإليه يرجع ما قيل من رجوعها لقوة الملكة ، قال سيدنا الأعظم قدّس سرّه : «المراد به الأعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية عقلية كانت أم شرعية ، فلا بد أن يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله».

أما تشخيص ذلك فهو مما قد يقدر عليه بعض أهل العلم ممن يكون جيد النظر في نفسه خبيرا بآراء العلماء الذين يبحث عن التفاضل بينهم محيطا

٣٧٣

بطرقهم في الاستدلال عارفا بأساليبهم ، بعيدا عن المؤثرات الخارجية من عاطفة غالبة أو انصهار بالشخص يقتضيان خضوعه لآرائه والغفلة عن جهات الضعف فيه ، وإعراضه عن غيره. إلا أن وجود هذا الشخص وتمييز العامي له في غاية الندرة.

واللازم على العامي ـ مع إدراكه ـ بذل الجهد في ذلك احتياطا لدينه ، كما يلزم ذلك على المسئول عن تعيين الأعلم احتياطا في شهادته وأداء لأمانته. ولا يهم مع ذلك الخطأ والصواب ، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ومنه سبحانه نستمد العون والتسديد.

ومما ذكرنا في معيار الأعلمية يظهر أنها قائمة بكل مسألة مسألة ، فيمكن اختلاف الأشخاص في الأعلمية باختلاف آحاد المسائل أو أنواعها ، لاختلاف المسائل في سنخ الأدلة ، فربما يكون الشخص أعلم في بعض المسائل مفضولا في بعضها ، نظير ما سبق في التجزي.

ويلزم حينئذ تبعيض التقليد ، كما صرح به غير واحد ، لعموم سيرة العقلاء على تعيين الأعلم عند الاختلاف ، وعدم ثبوت ما يمنع من العمل بمقتضاها.

نعم ، لو وصلت النوبة للتخيير ، للتساوي بين المجتهدين ، أو العجز عن تشخيص الأعلم منهم ، فحيث لم يكن هو مقتضى السيرة ، ولم يكن لدليله إطلاق ، وكان التبعيض في التقليد خارجا عن المتيقن لزم الاقتصار على التقليد في تمام المسائل.

الثاني : الظاهر أن سيرة العقلاء على تقديم الأعلم عند الاختلاف مختصة في موارد إمكان الاحتياط بما إذا كان الفرق معتدا به ، ولا يكفي فيه الأفضلية بمرتبة ضعيفة ، حيث يكون احتمال خطأ الأفضل معتدا به عند العقلاء.

نعم ، مع تعذر الاحتياط لا يبعد عندهم الترجيح بذلك في فرض الاهتمام بتحصيل الواقع ، لأنه الأقرب في الجملة ، لا لحجيته في مقام التعذير والتنجيز.

٣٧٤

فالبناء على تعيين الأعلم مع قلة الفارق في المقام مبني على الإجماع المدعى على جواز التقليد للعامي وعدم لزوم الاحتياط عليه ، الذي تقدم التعرض له في وجه التخيير مع التساوي ، حيث يكون الأعلم ولو بمرتبة ضعيفة هو المتيقن من ذلك.

أما بناء على التساقط ولزوم الاحتياط مع عدم المرجح فاللازم البناء عليه في الفرض بعد ما ذكرنا من قصور السيرة عن الترجيح. وكما ذكرنا ذلك في تقريب مقتضى الإجماع المذكور. فلاحظ.

الثالث : إن علم تساوي المجتهدين أو تفاضلهم مع تعيين الأفضل فالعمل على ما سبق.

أما لو احتمل كون بعضهم أفضل فإن كان معينا وجب تقليده بناء على تمامية التخيير مع التساوي ، للعلم بحجيته تعيينا أو تخييرا أو الشك في حجية غيره ، نظير ما سبق في تقريب الأصل مع العلم بالأعلمية. أما بناء على التساقط مع التساوي فاللازم التوقف في المقام ، لعدم ثبوت الأعلمية المرجحة ، فلا يكون الشخص المذكور معلوم الحجية.

وإن كان محتمل الأعلمية مرددا لم يصلح للترجيح ، كما هو الحال لو علم بالتفاضل وتردد الأفضل بين شخصين ، بل يجب الفحص لتعيين الحجية والعمل عليها ، لما دل على وجوب تعلم الأحكام.

واللازم الاحتياط في مدة الفحص ، لعدم ثبوت التخيير فيه بعد ما سبق من عدم الدليل عليه الا الإجماع المعتضد بأن الاقتصار في التقليد على موارد الاتفاق في الفتوى وإحراز الأعلمية في المعين مع الاختلاف مستلزم لقصور التقليد وعدم وفائه بحاجة المكلفين الرافعة للعسر والحرج واختلال النظام ، لكثرة موارد وجوب الاحتياط حينئذ.

إذ من الظاهر أن ذلك لا ينهض باثبات التخيير في مدة الفحص ، لقصرها

٣٧٥

غالبا.

نعم ، لو طالت المدة ولزم المحذور المذكور لم يبعد جواز تقليد أحدهم تخييرا مع البقاء على الفحص بالمقدار الممكن.

وأما ما تقدم في فرض التساوي بين المجتهدين من أنه لو لم نقل بالتخيير فيختص وجوب الاحتياط مع الاختلاف بمن يتعذر عليه تمييز مقتضى الأصل في الواقعة التي يبتلى بها ، وأنه مع القدرة على تمييزه يجوز العمل بالأصل الترخيصي ، فهو مختص بفرض عدم حجية ما وصل إليه من فتاوى المجتهدين لسقوطها بالمعارضة ، ولا يجري في المقام ، حيث يعلم أو يحتمل أعلمية أحدهما المستلزم لحجيته وإن لم يعلم بعينه ، لأن ما دل على وجوب التعلم مانع من الرجوع للأصل الترخيصي في زمان الفحص ، وإنما يجوز الرجوع إليه بعد اليأس عن الظفر بالدليل ، ومعرفة مؤداه ، حيث يسقط وجوب التعلم ، لعدم الموضوع له.

ثم إنه مع اليأس عن معرفة الأعلم مع احتمال التفاضل أو العلم به فقد يدعى عدم جواز تقليد أحد المجتهدين تخييرا ، بل يلزم التوقف والأخذ بأحوط القولين حتى بناء على التخيير مع التساوي. وأما مع احتمال التفاضل فلعدم إحراز موضوع التخيير وهو التساوي.

وأما دعوى : أن موضوع التخيير هو عدم التفاضل ، فمع إحرازه بالأصل يتوجه البناء عليه.

فهي ليست بأولى من دعوى : أن موضوعه التساوي الذي لا مجال لإحرازه بالأصل ، إذ لا طريق لتحديد مفهوم موضوع الحكم ، ولا ينهض بذلك دليل التخيير بعد كونه لبيا ، وهو الإجماع المدعى ونحوه مما لا تصدي فيه لذلك ، وليس كالأدلة اللفظية التي يؤخذ فيها عناوين محددة المفهوم كثيرا.

وأما مع العلم بالتفاضل فللعلم بعدم التخيير وانحصار الحجة بالأعلم ،

٣٧٦

فيكون المقام من موارد اشتباه الحجة باللاحجة ، الذي يلزم معه الاحتياط بمتابعة جميعها فيما لو كان لكل من الأطراف فتاوى مطابقة للاحتياط يمتاز بها عن الباقين ، للعلم الإجمالي بقيام الحجة على بعض ما يطابق الاحتياط من موارد الاختلاف.

نعم ، لو انفرد بعضهم ببعض الفتاوى المطابقة للاحتياط دون غيره ، بحيث كان بين فتاواه الاحتياطية وفتاواهم الاحتياطية عموم مطلق اتجه عدم وجوب متابعته فيها لو كانت مخالفة للأصل ، لعدم صلوحه لتنجيزها ـ لفرض عدم ثبوت حجيته ـ وعدم كونها طرفا للعلم الإجمالي ، بل يجوز الرجوع في مواردها للأصول الترخيصية لو أدركها العامي.

ولعله لذا توقف سيدنا الأعظم قدّس سرّه في منهاجه عن البناء على التخيير عند تعذر تعيين معلوم الأعلمية أو محتملها مع بنائه على التخيير مع التساوي.

لكن توقفه عن التخيير مبني على عدم استيضاح عموم دليله ، وهو الإجماع على جواز التقليد للعامي وعدم تكليفه بالاحتياط.

وهو خلاف ظاهر معقده في كلماتهم ، بل خلاف ما صرح قدّس سرّه به في مستمسكه في المسألة الواحدة والعشرين ، والثامنة والثلاثين من مباحث التقليد.

بل قال في المسألة الثامنة والثلاثين : «ولا تبعد دعوى السيرة أيضا على ذلك ، لندرة تساوى المجتهدين وغلبة حصول التفاوت بينهم ولو يسيرا ، وشيوع الجهل بالأفضل ، وفقد أهل الخبرة في أكثر البلاد. وكون بنائهم على الاحتياط في مثل ذلك بعيد جدا».

وأنكر ذلك بعض مشايخنا مدعيا أن المورد من الموارد النادرة التي لا يمكن تحصيل السيرة فيها ، لغلبة التمكن من تعيين الأعلم ولو بالامارات الشرعية ، كما عليه عمل الناس في عصرنا وما سبقه من الأعصار.

لكن الانصاف صعوبة الاطلاع على الأعلمية بوجه معتبر شرعا ، خصوصا

٣٧٧

مع كثرة المجتهدين وتباعد أماكنهم وعدم ظهور أثر علمي لكثير منهم ليتسنى تمييز حاله ، ولا سيما مع عدم الداعي لكثير ممن يمتلك قابلية التمييز للتصدي لذلك ، لما فيه من الكلفة الزائدة وتحمل المسئولية العظيمة.

وأما من هو متصل به من تلامذته ونحوهم فهم ـ بعد فرض حسن الظن بهم والثقة بتورعهم ـ كثيرا ما ينصهرون به ، أو بمدرسته العلمية ، بنحو لا تبتني شهاداتهم له على اختباره مع غيره بوجه كاف ، بل على الإعجاب به حتى يعتقدون تفوقه وإن لم يختبروا غيره ، او على ألفة مطالبه العلمية والتنفر من مطالب غيره ، لبعدها عن أذواقهم المكتسبة منه أو من غيره. ومن هنا نرى تضارب الشهادات كثيرا.

وليس عمل عامة الناس في عصورنا مبنيا على الالتفات لهذه النكات والتحفظ على الميزان الشرعي ، بل على الغفلة أو التسامح ، فكثيرا ما يعتمدون في تعيين المرجع على غير أهل الخبرة ممن لهم اتصال به من أهل العلم أو ممن يتزيى بزيهم ، كما تتدخل امور جانبية كالشهرة والعواطف وغيرها في تصرفهم كثيرا.

لكن ليس مرجع ذلك إلى قيام السيرة من عامة الناس على التخيير مع العجز عن تعيين الأعلم ، كما ذكره سيدنا الأعظم قدّس سرّه ، بل الى الغفلة أو التسامح في تعيين المرجع مع عدم الخروج عن مقتضى السيرة الارتكازية على أهمية الأعلمية ومرجحيتها.

ولا يخلو عن ذلك إلا الخاصة الذين لا تنعقد بعملهم سيرة صالحة للاستدلال ، لتبعية عملهم لفتاوى العلماء على اختلافها ، فلا تكون دليلا عليها.

بل لا تصلح سيرة العامة لذلك أيضا ـ لو غض النظر عما مضى من ابتنائها على الغفلة أو التسامح ـ لعدم إحراز اتصالها بحضور المعصومين عليهم السّلام ، للفرق بين عصرنا وتلك العصور ، حيث لا يبعد قلة الالتفات فيها للاختلاف وبناؤهم

٣٧٨

معه على التوقف لتيسر معرفة الحكم بالرجوع للإمام عليه السّلام.

كما أنه سبق عند الكلام في التساوي الإشكال في الاستدلال بالإجماع المتقدم هناك فضلا عنه هنا.

فالعمدة في وجه تعميم التخيير للمقام ما سبق ذكره عاضدا للإجماع في فرض التساوي من أن البناء على مقتضى القواعد في التقليد من التساقط مع الاختلاف مستلزم لكثرة موارد الاحتياط بسبب ظهور آراء المجتهدين وكثرة اختلافهم وعدم تحقق المرجح ثبوتا أو إثباتا ، وهو مستلزم للحرج ، بل اختلال النظام.

بل لازمه قصور تشريع التقليد عن الوفاء بحاجة المكلفين ، وهو بعيد عن مذاق الشارع الأقدس في التسهيل عليهم والرفق بهم ، بنحو يقطع معه باكتفائه بالتخيير.

وإن كان المتيقن من ذلك ما إذا لزم من الاحتياط العسر بمقدار معتد به ، كما ذكرناه هناك أيضا.

ومنه يظهر أن الفحص اللازم عن الاعلم هو الفحص بالمقدار الذي لا يلزم منه الحرج أو اختلال النظام.

ثم إنه لا يبعد بناء على التخيير مع تعذر معرفة الأعلم ترجيح مظنون الأعلمية ـ كما جزم السيد الطباطبائي قدّس سرّه في العروة الوثقى ـ لعدم القطع بالتخيير بينه وبين غيره ، فيتعين اختياره ، للدوران فيه بين التعيين والتخيير. فلاحظ. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم ، ومنه نستمد العون والتوفيق.

الرابع : سبق أنه مع إحراز اتفاق المجتهدين في الفتوى يجوز الرجوع لكل منهم وإن كان مفضولا ، ومع إحراز اختلافهم يلزم اختيار الأعلم مع معرفته والفحص عنه مع الجهل به ، مع الكلام في التخيير مع التساوي أو تعذر معرفة الأعلم.

٣٧٩

أما مع الجهل بالاختلاف فقد صرح غير واحد بجواز الرجوع للمفضول وعدم وجوب الفحص عن الاختلاف. وقد استدل عليه بوجوه ..

أولها : ما ذكره سيدنا الأعظم قدّس سرّه من إطلاق أدلة الحجية. قال : «واحتمال الاختلاف بين الفتويين الموجب لسقوط الإطلاق عن الحجيّة لا يعتنى به في رفع اليد عن الإطلاق ، كما في سائر موارد التخصيص اللبي».

وقد أشار بذلك إلى ما بنى عليه قدّس سرّه من جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف الخاص ، إذا كان المخصص لبيا ، كما في المقام ، إذ لا دليل على قصور الإطلاق عن شمول الفتويين المتعارضتين إلا حكم العقل بامتناع حجيتهما معا.

لكن المبنى المذكور ـ مع أنه غير تام في نفسه ، على ما ذكرناه في مباحث العموم والخصوص ـ مختص عندهم بما إذا كان المخصص خفيا غير مانع من انعقاد ظهور العام في العموم ، ولا يشمل ما لو كان جليا مانعا من انعقاده ، كما في المقام ، حيث يرجع للتمسك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف العام ، الممتنع بلا كلام ، كما نبه له شيخنا الأستاذ قدّس سرّه.

مضافا إلى لزوم الاقتصار في ذلك على الشبهات الموضوعية التي لا يجب الفحص فيها ، دون مثل المقام مما كان مرجع الشك فيه إلى الشك في الحكم الشرعي الكلي ، لأن ما دل على وجوب الفحص صالح لتنجيز احتمال التخصيص ، ومع تنجيزه تمتنع حجية العام ، على ما سيأتي توضيحه.

ثانيها : ما في التقريرات من أصالة عدم المعارض. حيث يحرز بذلك بقاء الفتوى تحت دليل الحجية وعدم المانع منها.

وهو راجع في الحقيقة إلى التمسك بإطلاق دليل الحجية ، بضميمة الأصالة المذكورة.

لكن ذلك قد يتم مع عدم تنجز احتمال وجود المعارض في نفسه ، دون

٣٨٠