المحكم في أصول الفقه - ج ٦

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٦

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٢٥
  نسخة غير مصححة

مثل المقام مما كان مرجع الشك فيه إلى الشك في الحكم الشرعي الكلي ، حيث يكون دليل وجوب الفحص منجزا لاحتمال وجود المعارض ومانعا من الرجوع للأصالة المذكورة.

على أن المراد بأصالة عدم المعارض إن كان هو الاستصحاب الشرعي ـ كما لعله الظاهر من التقريرات ـ كان راجعا لما ذكره غير واحد من استصحاب عدم المعارض الأزلي ، بلحاظ حال ما قبل وجود الفتوى.

وأشكل : بأن التعارض لم يؤخذ بعنوانه في الأدلة مانعا من الحجية ، لينفع استصحاب عدمه في البناء عليها ، لوضوح أن دليل عدم حجية المتعارضين ليس لفظيا عنوانيا ، بل لبّي راجع إلى استحالة حجية المتعارضين بواقعهما ، بنحو تقصر عمومات الحجية في مورد التعارض بنتيجة التقييد ، لا بالتقييد العنواني ، ليكون موضوع الحجية مركبا من أمر وجودي محرز بالوجدان ، وهو وجود الدليل أو الفتوى ، وأمر عدمي محرز بالأصل ، وهو عدم المعارض له.

وإن اريد بها الأصل العقلائي بدعوى : أن بناء العقلاء على العمل بالدليل الواصل ، وعدم الاعتناء باحتمال وجود المعارض له ، لتحقق مقتضي الحجية فيه ، ولا يعتنى باحتمال المانع فالظاهر تماميته في نفسه.

وأما ما ذكره بعض المحققين قدّس سرّه من عدم إحراز مقتضي الحجية في الفتوى الواصلة قبل الفحص ، لأن بناء العقلاء على الرجوع للأفضل من غير فحص ، ولغيره بعد الفحص وعدم العثور على معارضته بفتوى الأفضل.

فهو ممنوع ، بل مقتضي الحجية تام في فتوى المفضول قبل الفحص عن المعارض ، لكونه من أهل الخبرة ، فتكشف فتواه نوعا عن الواقع ، ولا أثر لوجود الأفضل في ذلك.

وتقديم فتوى الأفضل عليه إنما هو بملاك كونه أقوى الحجتين ، فيمنع من فعلية حجية أضعفهما. فلا يكون الفحص في المقام متمما لمقتضى الحجية

٣٨١

في فتوى المفضول ، بل هو فحص عما يمنع منها ، فلا يجب بمقتضى سيرة العقلاء المشار إليها.

وهو لا ينافي ما سبق منا من صلوح فتوى الأفضل بنظر العقلاء للكشف عن خطأ المفضول وعدم كونه من أهل الخبرة. إذ انكشاف خطئه بفتوى الأفضل لا ينافي دخوله في أهل الخبرة قبل ثبوت خطئه ، بنحو يتم فيه مقتضي الحجية.

وبالجملة : لا ينبغي التأمل في عدم اعتناء العقلاء باحتمال وجود المعارض ، وإن كان الواصل هو فتوى المفضول.

نعم ، قد يدعى اختصاصه بما إذا لم يكن وجود المعارض متوقعا ، لعدم ظهور الخلاف بين أهل الخبرة أو ندرته بسبب قرب مقدمات الاجتهاد من الحس أو قلتها أو قلة الخطأ فيها.

وأما مع ظهوره في كثير من الموارد بسبب ابتناء الاجتهاد عن مقدمات نظرية يكثر فيها الخطأ والاختلاف ـ كما في المقام ـ فلا يتضح بناؤهم على إهمال احتمال المعارض مع امكان الفحص عنه ، بل لعل بناءهم على الفحص عنه ، وعدم العمل بالدليل الواصل إلا بعد اليأس عن العثور على المعارض. نظير ما قد يذكر في مبحث العموم والخصوص من أن معرضية العام للتخصيص مانعة من العمل به قبل الفحص عن المخصص.

وإن كان الأمر محتاجا للتأمل.

ثالثها : سيرة المتشرعة من أصحاب الأئمة عليهم السّلام ومعاصريهم من الشيعة على أخذ الفتوى من دون فحص عن المعارض.

والتشكيك فيها من بعض المحققين قدّس سرّه في غير محله ، إذ لو كان مبناهم على الفحص لبان وظهر بعد كونه على خلاف سيرة العقلاء العامة في جميع موارد الرجوع لأهل الخبرة ، بل في جميع موارد الطرق المعتبرة ، فإن مبناهم

٣٨٢

على عدم الفحص عن المعارض لها ، لما سبق من بنائهم على أصالة عدمه.

ويشهد بعدم فحص المتشرعة عن المعارض ما سبق من عدم تقيدهم بالرجوع للأفضل ، بل يرجعون لكل من يتهيأ لهم الرجوع إليه ، حيث سبق ابتناء ذلك منهم على عدم ثبوت الاختلاف عندهم.

ويشكل : بأن سيرتهم لما كانت متفرعة على سيرة العقلاء فقد عرفت أن المتيقن من سيرة العقلاء صورة عدم توقع المعارض ، لعدم ظهور الاختلاف بين أهل الخبرة أو ندرته بسبب قرب مقدمات المعرفة من الحس أو قلتها ، وذلك جار في سيرة المتشرعة في العصور السابقة ، حيث لم يتضح شيوع الخلاف بين العلماء لعامة الشيعة ليلتفتوا له ، ولم يتضح إهمالهم الفحص عنه مع توقعه واحتماله بوجه معتد به كما هو الحال في هذه العصور التي اتضحت فيها كثرة الخلاف بسبب انتشار آراء العلماء في رسائلهم العملية وغيرها.

نعم ، قد يتجه ذلك في عصورنا في حق جملة من العوام ممن لا يختلط بأهل العلم ، حيث قد يغفل عن الاختلاف ، لتخيل وضوح الأحكام تبعا لأدلتها ، وفي مثله لا مانع من الالتزام بحجية الفتوى الواصلة في حقه مع عدم الفحص عن المعارض.

والذي ينبغي أن يقال : فحص العامي عن الفتوى المعارضة للفتوى الواصلة كفحص المجتهد عن الدليل المعارض أو المخصص أو المقيد للدليل الواصل ، حيث يشتركان في دليل الوجوب ، لأن الدليل على وجوب الفحص على المجتهد أحد امور ..

الأول : معرضية الأدلة الواصلة للمعارضة والتخصيص والتقييد ونحوها. وهو حاصل في عصورنا بالإضافة لفتاوى المجتهدين في حق كثير من العوام ممن يخالط أهل العلم ويلتفت لاختلاف العلماء ، كما ذكرنا.

الثاني : العلم الإجمالي بوجود المعارض والمخصص والمقيد ونحوها

٣٨٣

للأدلة الواصلة في المسائل التي هي محل ابتلاء المكلف. وهو حاصل أيضا بالإضافة لفتاوى المجتهدين في حق كثير من العوام ممن ذكرنا.

نعم ، يختص وجوب الفحص لأجله بما يكون طرفا للعلم الإجمالي المذكور من فتاوى المجتهد ، دون ما هو خارج عن أطرافه ، لعدم عموم البلوى بالمسألة ، أو لكونها من المسائل المستحدثة التي لم يحرز نظر المجتهدين الآخرين فيها ، أو لتجدد اجتهاد المجتهد أو احتمال أعلميته بعد تنجز احتمال الخلاف بين غيره ، بحيث لا يعلم إجمالا بحدوث الخلاف منه في غير الموارد التي هي محل الخلاف بين غيره.

ولعل ما عن بعض الأعاظم قدّس سرّه من اختصاص وجوب الفحص عن رأي الأعلم بالمسائل التي تعم بها البلوى ، مبني على هذا الوجه.

الثالث : ما دل على وجوب الفحص عن الأحكام وتعلم الحلال والحرام مما يأتي التعرض له في الخاتمة إن شاء الله تعالى ، بناء على أنه كما يقتضي وجوب الفحص عن الأدلة في حق المجتهد يقتضي وجوب الفحص عن المعارض في حقه فيجري ذلك في حق العامي ، فكما يجب عليه الفحص عن فتوى المجتهد يجب عليه الفحص عن الفتوى المعارضة لها.

وأما ما ذكره سيدنا الأعظم قدّس سرّه من العلم بانتفاء الخطر من قبل الفتوى غير الواصلة ، إما لموافقتها للفتوى الواصلة ، أو لكونها معارضة لها ، فتسقط عن الحجية لامتناع حجية المتعارضين ، فلا يجب الفحص عنها عقلا.

فيندفع : بأنه لا يتم مع أعلمية المفتي بها ومخالفتها للفتوى الواصلة ، حيث تكون هي الحجة الفعلية ، دون الفتوى الواصلة ، فلا يجوز إهمالها. وكذا مع التساوي لو قلنا بالتساقط ولزوم الاحتياط ، إذ الفتوى غير الواصلة وإن لم تكن موردا للخطر ، إلا أنها إذا كانت مخالفة للفتوى الواصلة كان الموجب للاحتياط بعد تساقط الفتويين هو المنجز الذي يجب الفحص عن شموله

٣٨٤

للمورد ، نظير فحص المجتهد عن المعارض لدليل الاباحة في مورد يكون مقتضى تساقط الدليلين عدم البناء عليها.

هذا كله بناء على شمول أدلة وجوب التعلم للفحص عن المعارض ، لكن يأتي في الخاتمة المنع من ذلك. فلا مجال للتعويل على هذا الوجه ، كما لا مجال هنا للتعويل على الإجماع الذي يأتي الاستدلال به هناك ، لعدم وضوح ثبوته في حق العامي فالعمدة ما سبق. ثم إنه مع العلم بحجية الفتوى الواصلة تعيينا أو تخييرا لا يجب الفحص عن الاختلاف.

ولعله خارج عن محل كلامهم ، كما لو كانت الفتوى الواصلة للأعلم أو بني على التخيير مع التساوي. وكذا لو كانت موافقة للأصل الجاري بعد التساقط.

تتميم

لو علم بعدم الفتوى للمجتهدين في المسألة ، لعدم نظرهم فيها ، للغفلة عنها أو لفقد الداعي للنظر فالظاهر وجوب سؤال العامي من أحدهم لينظر فيها ويعرفه حكمها ، لعموم ما دل على وجوب الفحص عن الأحكام ، ولا يجوز له العمل بالاصول الترخيصية ، لاحتمال عدم تحقق موضوعها بسبب وجود الدليل المخرج عنها وإمكان وصوله إليه بالسؤال من المجتهد المذكور.

ودعوى : عدم صدق العناوين المأخوذة في أدلة التقليد الشرعية من العالم والفقيه ونحوهما على المجتهد المذكور بالإضافة إلى المسألة المذكورة ، لعدم علمه بحكمها.

مدفوعة : بأن قصور أدلة التقليد الشرعية ـ لو سلم ، لحمل العناوين المذكورة على الفعلية لا الملكة ـ لا يهم بعد عموم سيرة العقلاء له.

على أنها إنما تقصر عنه حين سؤاله الذي لا يجب بأدلة التقليد ، بل بأدلة وجوب الفحص عن الأحكام ، أما بعد سؤاله وصدور الفتوى منه فهي تعمه

٣٨٥

وتقتضي حجية فتواه ، وبالجملة : لا ينبغي الإشكال في وجوب السؤال من أحد المجتهدين المذكورين لو لم يصل للعامي فتوى تكون حجة له.

وإنما الإشكال في أنه لو أفتى المجتهد في مسألة وأمكن السؤال من غيره ممن لم ينظر فيها فهل يجب السؤال منه لاحتمال مخالفته للمفتي الأول لو كانت تمنع من حجية فتواه ، أو لا ، بل يجوز الاكتفاء بالفتوى الاولى ، والعمل عليها ، لانحصار الحجة بها فعلا؟

ربما يقال بالثاني ، لعدم المعارض الفعلي للفتوى الواصلة فيعلم بحجيتها فعلا وإن كان صاحبها مفضولا ، ووجوب الفحص عنها مع عدم وجود غيرها لأدلة وجوب تعلم الأحكام لا تقتضي وجوبه مع وجود فتوى فعلية حجة في نفسها بعد ما أشرنا إليه من قصور أدلة وجوب التمام عن الفحص عن المعارض ، وبقية الوجوه المتقدمة من العلم الإجمالي وغيره غير شاملة للمقام ، فالبناء على الاكتفاء وبالفتوى الواصلة هو المتعين.

المسألة السابعة : ظاهر بعض الأصحاب وصريح آخرين منهم عدم جواز التقليد لواجد ملكة الاجتهاد ، وأن عليه أن يستقل بالنظر ، بل عن رسالة شيخنا الأعظم قدّس سرّه في الاجتهاد والتقليد دعوى الإجماع على ذلك.

ويقتضيه الأصل بعد قصور أدلة التقليد عن شموله ، لأن عمدتها سيرة العقلاء على رجوع الجاهل للعالم ، وهي تقصر عن رجوع واجد الملكة القادر على الاستقلال بالنظر للغير في مورد احتمال الخطأ ، بل الظاهر بناؤهم على استقلاله بالنظر.

وأما الأدلة الشرعية فهي بين ما هو قاصر عنه ، كمرسل الاحتجاج المتقدم المتضمن جواز التقليد للعامي ، الذي لا يصدق عرفا على واجد الملكة ، وما هو منصرف عنه ، لوروده جريا على السيرة العقلائية التي عرفت قصورها عنه ، ولا يتضح هناك إطلاق شامل له.

٣٨٦

وما قد يظهر من بعض مشايخنا من التشكيك في ذلك في غير محله.

نعم ، لا يبعد بناء العقلاء على رجوع واجد الملكة لغيره في الاجتهاديات التي لا يتوقع الخطأ فيها ، لقرب مقدمات الاجتهاد فيها من الحس ، فتكون موردا لأصالة عدم الخطأ كالحسيات ، دون الاجتهاديات الدقيقة التي هي معترك الآراء ومورد النقض والإبرام والأخذ والرد ، والتي هي معرض للخطإ ، كالاجتهاد في عصورنا في الأحكام الشرعية ، حيث لا مجال للبناء على قيام سيرة العقلاء على تقليد واجد الملكة لغيره فيها.

ومنه يظهر أنه لا مجال للاستدلال على جواز تقليد واجد الملكة بسيرة المتشرعة في الصدر الأول عليه. بدعوى قابلية كثير منهم في تلك العصور لتلقي الأحكام من المعصومين عليهم السّلام مع اكتفائهم بأخذ الحكم من الرواة ونحوهم من المتفقهين ، لوضوح عدم اقتصار الأخذ من هؤلاء على من لا قابلية له لفهم الحكم من خطابهم عليهم السّلام ، بل يعم من هو قابل لذلك ، مع عدم الفرق بينه وبين من يأخذ عنه الا في السماع منهم عليهم السّلام كالفرق بين واجد الملكة الذي لم ينظر في الأدلة وواجدها الناظر فيها والمستنبط منها.

لاندفاعها : بعدم توقع الخطأ في الاجتهاد سابقا ، لابتنائه غالبا او دائما على مقدمات قليلة قريبة من الحس ، وقد عرفت أن رجوع واجد الملكة فيه للغير مقتضى السيرة العقلائية ، ولم يتضح ابتلاؤهم بالاجتهادات الخفية النظرية المعرضة للخطإ كما صار إليه الاجتهاد في عصورنا ، ولو فرض ابتلاؤهم بها والتفاتهم إليها فلم يتضح بناؤهم على رجوع واجد الملكة للغير فيها لينفع دليلا في محل الكلام ، وما هو النظير للمتيقن من سيرتهم في عصورنا هو الرجوع للمتفقهين في آراء المجتهدين المطلعين عليها بمخالطة أهل العلم والنظر في الرسائل العملية ونحوها حتى ممن له قابلية معرفتها بالمباشرة ، وهو خارج عن محل الكلام.

٣٨٧

المسألة الثامنة : إذا عمل المكلف على فتوى المجتهد ، ثم سقطت تلك الفتوى عن الحجية في حقه ، ووجب العمل على وجه آخر ، فهل ينتقض التقليد السابق في الوقائع التي عمل فيها على طبقه ، فيجب تدارك الأعمال الواقعة على طبقه ـ لو كانت قابلة للتدارك ـ على النحو الذي تقتضيه الحجة الجديدة ، كما يجب ترتيب سائر آثار بطلانها ، كالتطهير في النجاسات ، والضمان في الماليات ونحوهما ، أو لا ينتقض بل يجتزئ المكلف بما وقع؟

لا ينبغي التأمل في عدم الانتقاض بناء على إجزاء الأمر الظاهري عن الواقع ، حيث لا يشك حينئذ في صحة الأعمال السابقة وترتب العمل عليها ، ليجب الرجوع فيها للحجة الجديدة ، إلا أن ينكشف عدم كون التقليد الأول مقتضى الوظيفة الظاهرية وإن اخطأ المكلف في تشخيصها للتقصير في مقدماته. والظاهر خروجه عن محل كلامهم.

كما أنه يقصر عن إثبات عدم وجوب ترتيب آثار البطلان مما لا يرجع للتدارك ، على ما يذكر في محله في تحقيق المبنى المذكور من مبحث الإجزاء.

ولا مجال لإطالة الكلام فيه بعد ضعف المبنى ، حيث لا مجال للتعويل عليه في هذه المسألة ، بل يلزم الرجوع فيها للقواعد العامة أو الأدلة الخاصة بها ، فالمهم تحقيق مفادها.

فاعلم : أن سقوط الفتوى السابقة عن الحجية يكون ..

تارة : لثبوت خطئها للمقلد نفسه بالعلم أو باجتهاده لتأهله لذلك.

واخرى : لظهور الخطأ للمفتي نفسه ، لتبدل اجتهاده.

وثالثة : يكون لعدول المقلد عن تقليد المفتي بأحد أسباب العدول التخييرية أو الإلزامية ، كالموت ، والجنون ، والفسق ، على الكلام السابق.

ولا إشكال في أن مقتضى القاعدة انتقاض التقليد السابق في الصورة الاولى ، أما مع العلم فظاهر ، وأما مع الاجتهاد فلوضوح عموم حجية الأدلة التي

٣٨٨

استند إليها للوقائع السابقة ، فكما تمنع من التقليد في الوقائع اللاحقة تمنع منه في الوقائع السابقة.

ومنه يظهر عدم الإجزاء في الصورة الثانية ، لوضوح أن مستند الاجتهاد اللاحق لما كان هو الأدلة التي تعم الوقائع السابقة كان مقتضاها عاما لها فيلزم رفع اليد به عن مقتضى الاجتهاد السابق فيها ، لظهور خطئه ، ومع ظهور الخطأ للمفتي نفسه لا يرى العقلاء جواز التعويل على فتواه ، على ما سبق في المسألة الثانية.

بل لا يبعد ذلك فيما لو كان عدوله لنسيان المستند من دون أن ينكشف له الخطأ ، بناء على ما هو الظاهر من عدم التعويل على الفتوى السابقة حينئذ ، بل يتعين التعويل على الاجتهاد اللاحق ، الذي يعم ـ تبعا لأدلته ـ الوقائع السابقة.

ودعوى : قصور أدلة حجية الاجتهاد اللاحق في حق العامي عن الوقائع السابقة التي عمل فيها على طبق الفتوى الاولى ، لأن وجوب الرجوع للمجتهد لما كان طريقيا كان مختصا بالوقائع التي هي محل الابتلاء والتي يحتاج فيها للحجة ، دون الوقائع السابقة التي عمل فيها على طبق الحجة وانتهى منها.

مدفوعة : بأن ترتب الأثر بالإضافة إلى الوقائع السابقة بمثل وجوب التدارك ونحوه كاف في الابتلاء الملزم بالرجوع للحجة الفعلية المطابقة للاجتهاد اللاحق ، فكما يعمل عليه في وجوب التدارك مع عدم العمل بالاجتهاد السابق في الوقائع السابقة ـ عمدا أو خطأ ـ وفي كيفية التدارك يعمل به مع العمل بالاجتهاد السابق.

ومما تقدم يظهر الوجه في عدم الاجزاء في حق المجتهد نفسه.

كما يظهر الإشكال : في ما في الفصول من دعوى عدم تحمل الواقعة لاجتهادين ولو في زمانين ، لعدم الدليل عليه.

إذ يكفي في الدليل عليه إطلاق أدلة الاجتهاد الثاني الشاملة للوقائع

٣٨٩

السابقة ، كما تشمل الواقعة الحاضرة لو كان العدول قبل العمل فيها أو بعده مع بقاء الوقت.

وأما في الصورة الثالثة فلا يبعد البناء على عدم الإجزاء إذا كان العدول لأعلمية المعدول إليه ، لعدم الفرق في بناء العقلاء على ترجيح الأعلم بين سبق الرجوع لغيره في الواقعة وعدمه ، فيجب تدارك العمل في الوقائع السابقة على طبق رأي الأعلم ولا يجتزأ برأي الأول فيها وإن كان تقليده فيها حين الابتلاء بها في محله ، لانحصار الأمر به في وقته.

ولأجله يخرج عن استصحاب حجية رأي الأول فيها الذي لو لا ما سبق لجرى في نفسه من دون شبهة التعليقية التي تقدمت الإشارة إليها عند الكلام في تقليد الميت ، لفعلية الابتلاء بالواقعة سابقا.

لكن ذكر بعض المحققين قدّس سرّه في تقريب الإجزاء أن حجية الفتوى بعنوان تنزيل نظر المفتي منزلة نظر المستفتي ونيابته عنه في استفادة ما يرجع إليه ، لا بعنوان الطريقية للواقع ، وإلا لزم تخصيص انتقاض التقليد بصورة كون المعدول إليه هو الأعلم ، لاضمحلال الحجة السابقة بسبب أقوائية اللاحقة ، مع أن القائل بانتقاض التقليد السابق لا يفرق بين العدول للأعلم والعدول لغيره ـ لموت أو نحوه ـ فلا بد من كون حجية فتوى المعدول إليه لانتهاء أمد حجية الأولى مثلا ، لا لاضمحلالها بقيام الثانية بسبب أقوائيتها منها.

فتكون الفتويان المتعاقبتان بمنزلة الفتويين المتعادلين الذين يؤخذ بأحدهما تارة وبالآخر اخرى ، حيث لا مجال لتوهم الانتقاض عند الأخذ بالمتأخرة.

وكأن الفرق بين اضمحلال الحجية وانتهاء أمدها أنه على الأول تسقط الفتوى عن الحجية رأسا ، لخروجها عن قابلية الكشف ، فلا يصح الاعتماد عليها في الوقائع السابقة ، أما على الثاني فلا تسقط عنها إلا في الوقائع اللاحقة مع

٣٩٠

بقائها على الحجية في الوقائع السابقة فيصح الاعتماد عليها في عدم التدارك ، ولا ينتقض التقليد السابق.

نعم ، يشكل ما ذكره قدّس سرّه : بأن كون حجية الفتوى بعنوان تنزيل نظر المفتي منزلة نظر المستفتي ـ لو تم ـ لا ينافي ابتناء العدول على اضمحلال حجية الفتوى الأولى ، بأن يعم التنزيل النظر في حكم الوقائع السابقة بنحو يقتضي تداركها.

كما أن الطريقية لا تنافي ابتناء العدول على انتهاء أمد حجية الفتوى الأولى ، مع بقاء حجيتها بالإضافة إلى الوقائع السابقة.

بل لا مجال لجعل حجية الفتوى بعنوان التنزيل في قبال حجيتها من باب الطريقية ، لأن التنزيل من وجوه الطريقية ، لوضوح أن نظر المكلف لنفسه ليس إلا لتحصيل الطريق للواقع ، فتنزيل نظر الغير له منزلة نظره لا بد أن يكون لذلك أيضا ، لأنه في طوله.

غاية الأمر أن طريقية نظر المفتي لتكليف المستفتي تارة لكونه طريقا ابتدائيا ـ كالبينة ـ واخرى يكون بعناية تنزيله منزلة نظر المستفتي.

فالمدار في كون العدول لانتهاء أمد الحجية وكونه لاضمحلالها على مفاد دليله ، فإن اختص بالوقائع اللاحقة رجع للأول ـ نظير التخيير الاستمراري بين الخبرين المتعادلين لو تم ـ وإن كان يعم الوقائع السابقة رجع للثاني ، وقد عرفت أن دليل العدول للأعلمية يقتضي الثاني.

وأما ما أورده عليه من لزوم تخصيص الانتقاض بصورة أعلمية المعدول إليه.

فهو ـ مع عدم كونه محذورا ـ غير لازم ، لإمكان استفادة عموم وجوب العدول للوقائع السابقة في غير مورد الأعلمية من أدلته اللفظية أو اللبية ، ومع عدمه يكون انتقاض التقليد في المورد المذكور خاليا عن الدليل ، لا أنه

٣٩١

يستكشف بذلك كون جميع موارد العدول تبتني على انتهاء أمد الحجية دون اضمحلالها حتى العدول الناشئ من الأعلمية ، ليخرج بذلك عما عرفت من ابتناء العدول للأعلمية على الاضمحلال. فلاحظ.

وأما إذا لم يكن العدول لأعلمية المعدول إليه ، بل لأمر تعبدي من موت أو نحوه ـ على ما سبق الكلام فيه ـ فإن كان لدليله إطلاق يعم الوقائع السابقة بنحو ينافي بقاء حجية الأول فيها يتجه البناء على عدم الإجزاء أيضا.

بخلاف ما إذا لم يكن لدليله إطلاق يعمها. إما لكونه لبيا من إجماع أو نحوه ـ كما قيل أنه العمدة في وجوب العدول مع الموت ـ حيث كان المتيقن منه الوقائع اللاحقة أو السابقة التي عمل فيها برأيه ، إذ لا إجماع على حجيته ، كيف وقد اشتهر القول بالإجزاء فيها ، بل ادعي عليه الإجماع.

أو لكونه لفظيا يختص بالوقائع اللاحقة ، كما هو الحال بناء على ما ذكره بعض مشايخنا في وجه وجوب العدول مع الموت من لزوم تحقق العناوين المأخوذة في الأدلة الشرعية من الفقيه والعالم ونحوهما حين الرجوع للمفتي الذي هو وقت سؤاله ، فلا يجوز تقليد الميت لو احتيج لسؤاله للجهل بفتواه وإن جاز العمل بفتواه مع العلم بها ، لوضوح أن الجهل بفتواه إنما يقتضي السؤال بالإضافة إلى الوقائع اللاحقة التي يراد العمل فيها وكذا السابقة التي لم يعمل فيها ويراد تدارك العمل فيها ، دون السابقة التي عمل فيها على طبق فتوى الميت ، حيث يعلم بمطابقة فتواه للعمل الواقع بنحو لا يحتاج للتدارك لو كانت حجة بلا حاجة إلى السؤال منه.

وحينئذ يتعين الإجزاء أما مع أعلمية المعدول عنه فظاهر ، لعموم بناء العقلاء على حجية رأي الأعلم فيقتصر في الخروج عنه على المتيقن. وأما مع عدم أعلميته أو عدم ثبوتها فلإطلاق الأدلة المصححة لتقليده سابقا ولو بضميمة استصحاب حجية فتواه بالإضافة إلى الوقائع السابقة الذي سبق جريانه

٣٩٢

في نفسه من دون شبهة التعليقية.

من دون فرق في الصحة والإجزاء بين العبادات والمعاملات وغيرهما ، وإن قيل إن العبادات هي المتيقن من الإجماع المدعى ، إذ ليس الدليل على الإجزاء الإجماع ، بل القاعدة التي لا مخرج عنها من إجماع أو نحوه.

لكن لازم ذلك سقوط حجية كل من المعدول إليه والمعدول عنه لو كانا متبايني المضمون ، بحيث يلزم من العلم بكذب أحدهما علم إجمالي بالتكليف ، كما لو عمل على فتوى القائل بالقصر مدة ، ثم عدل منه إلى القائل بالتمام ، حيث يعلم إجمالا إما بوجوب تدارك ما مضى وقضائه تماما ، أو بوجوب القصر عليه في ما يأتي ، ولا يخرج عن العلم المذكور إلا بالجمع بين الأمرين بقضاء ما سبق تماما والجمع بين القصر والتمام في ما يأتي.

مع أن الظاهر عدم الإشكال بينهم في الاجتزاء بمقتضى التقليد اللاحق مطلقا. فإن تم كشف إما عن سقوط حجية فتوى المعدول عنه حتى بالإضافة للوقائع السابقة وعموم حجية فتوى المعدول له لها ، أو عن اكتفاء الشارع بالموافقة الاحتمالية للعلم الإجمالي المذكور بنحو يكفي موافقة فتوى المعدول إليه في الوقائع السابقة واللاحقة ، أو عن الإجزاء الواقعي ، بموافقة التقليد السابق على خلاف مقتضى الأصل في الحكم الظاهري ، على ما سيأتي الكلام فيه.

هذا كله بحسب القواعد العامة ، وأما بحسب الأدلة الخاصة فقد يستدل للإجزاء ..

تارة : بلزوم العسر والحرج ، لعدم وقوف المجتهد غالبا على رأي واحد ، كما في الفصول.

واخرى : بما فيه أيضا من أن حكمة تشريع الاجتهاد الوثوق في العمل على طبقه ، ومع عدم الاجزاء ترتفع الحكمة المذكورة.

وثالثة : بالإجماع المدعى في كلام بعض ، ففي التقريرات عن بعض

٣٩٣

الأفاضل في تعليقاته على المعالم أنه ظاهر المذهب ، وعن المناهج نفي القول من أحد بعدم الإجزاء. وقال سيدنا الأعظم قدّس سرّه : «بل نسب إلى بعض دعوى صريح الإجماع بل الضرورة عليه».

نعم ، عن بعض الأعاظم قدّس سرّه أن المتيقن منه العبادات ، وربما قيل : ان المتيقن منه الصلاة.

ورابعة : بسيرة المتشرعة ، لابتلائهم بذلك كثيرا ، خصوصا بناء على المشهور من عدم جواز البقاء على تقليد الميت ، فلو كان بناؤهم على عدم الإجزاء لزم الهرج والمرج.

وهذه الوجوه ـ كما ترى ـ لا تختص بالعدول للأعلمية ، بل الظاهر عمومها لعدول الفقيه عن فتواه ـ الذي تقدم في الصورة الثانية ـ بل هو صريح الأول.

لكن يندفع الأول : ـ مع عدم اطراده ـ بأنه لا يقتضي الاجزاء والحكم بصحة العمل واقعا أو ظاهرا ، بل عدم وجوب التدارك ولو مع بطلان العمل ، كما لو كان قضاء الحج حرجيا. مضافا إلى عدم جريانه في حقوق الناس ، لمنافاته للامتنان في حقهم الذي هو مبنى في قاعدة نفي الحرج.

نعم ، قد يكون لزوم الحرج نوعا كاشفا أو مؤيدا لجعل التقليد بنحو يقتضي الإجزاء ، كما سيأتي التعرض له إن شاء الله تعالى.

لكنه لا يرجع إلى قاعدة نفي الحرج التي ذكرنا وجوه الإشكال في الاستدلال بها.

كما يندفع الثاني بالنقض بغير واحد من موارد عدم الإجزاء في خطأ الطرق الظاهرية أو تبدل مفادها تبعا لتبدل موضوعاتها ، كما في كثير من الأمارات والاصول الجارية في الشبهات الموضوعية ، وفيما لو قطع المجتهد بخطإ اجتهاده الأول ، حيث اعترف في الفصول بعدم الاجزاء معه.

٣٩٤

ودعوى : عدم صحة النقض به لندرته وشذوذه.

مدفوعة : بأن الندرة لا تصحح نقض الغرض. مع أنه لو تمت الندرة في عصورنا فمن الظاهر كثرة حصول القطع بالخطإ في عصور الأئمة عليهم السّلام لكثرة موارد تيسر العلم. على أنه لا دليل على أن حكمة الاجتهاد وغيره من الطرق الظاهرية هو الوثوق بعدم الاحتياج للتدارك ، بل لعل حكمتها مجرد تشخيص الوظيفة عند الابتلاء بالواقعة. فهذا الوجه استحساني لا ينهض دليلا ، كما اعترف به قدّس سرّه.

وأما الثالث فلا مجال له في مثل هذه المسألة المستحدثة التحرير ، ولا سيما مع إنكار مثل شيخنا الأعظم قدّس سرّه له. قال في التقريرات في بيان القول بعدم الإجزاء : «وفاقا للنهاية ، والتهذيب ، والمختصر ، وشروحه ، وشرح المنهاج ، على ما حكاه سيد المفاتيح عنهم ، بل وفي محكي النهاية الإجماع عليه ، بل وادعى العميدي قدّس سرّه الاتفاق على ذلك ...» ، ومع إطلاق جماعة عدم الإجزاء في الامارات والطرق الظاهرية.

وأما الرابع فقد استشكل فيه غير واحد بمنع السيرة ، وذكر بعض مشايخنا أنها ـ لو تمت ـ مستندة في أمثال عصرنا إلى فتوى المجتهدين ولا يحرز اتصالها بعصر المعصومين عليهم السّلام.

أقول : لا ريب في ابتناء معرفة الأحكام في عصور الأئمة عليهم السّلام على الخطأ كثيرا ، لعدم وضوح فتاواهم عليهم السّلام لشيعهم بسبب انتشار فقهاء العامة وتعارف الأخذ منهم للغفلة قبل عصر الصادقين عليهم السّلام عن امتياز الفرقتين واختلافهما في الفروع ، كما يشهد به قلة روايات الشيعة عن من قبلهما من الأئمة عليهم السّلام وكثرة رواياتهم منهما وممن بعدهما منهم عليهم السّلام خصوصا في الفروع المهمة التي يكثر الابتلاء بها ، كالطهارة الحدثية والخبثية والصلاة وغيرهما بنحو يظهر منه خفاء ما هو من الضروريات الفقهية اليوم عليهم ، وبعد تميز الفرقتين والالتفات

٣٩٥

لاختلافهما في الفروغ وتنبه الشيعة لوجوب الأخذ منهم وعدم الركون لغيرهم كان وصول أحكامهم عليهم السّلام لشيعتهم تدريجيا مشفوعا بأسباب الضياع والاشتباه من التقية والخطأ والكذب وضياع كثير من القرائن ، ولذا اختلفت الأخبار كثيرا ، مع عدم تيسر انتشار الروايات وعدم وصولها للكل في أول الأمر ، بل كان وصولها وانتشارها بين الشيعة تدريجيا.

ولازم ذلك تعرض أصحاب الأئمة عليهم السّلام وشيعتهم للاطلاع على خطأ ما وصل إليهم كثيرا ، إما بالسؤال منهم عليهم السّلام أو بوصول أحاديث أخر مخالفة لما وصل لهم ، فلو كان البناء مع ذلك على عدم الاجزاء بعد انكشاف الخطأ ولزوم التدارك لوقع الهرج والمرج واضطرب نظامهم ، ولكثر منهم السؤال عن حكم الأعمال الماضية ولزوم تداركها وما يتعلق بذلك من فروع ، مع عدم الأثر لذلك فيما عثرت عليه من النصوص ، حيث يظهر من ذلك المفروغية عن الإجزاء.

وهو المناسب لما ارتكز من سهولة الشريعة وعدم ابتنائها على الحرج والضيق وعدم إيقاعهم عليهم السّلام لأوليائهم وشيعتهم إلا في ما يسعهم رأفة بهم ورحمة لهم وتداركا لما ابتلوا به نتيجة ظلم الظالمين من مشاكل أوجبت صعوبة القيام عليهم بالوظائف الشرعية الواقعية الأولية ، ولذا أحلوا لهم الخمس ونحوه مما يكون لهم عليهم السّلام واكتفوا منهم في بعض الأحكام بما يلزمهم به حكام الجور ، وأمضوا أحكامهم في الخراج والمقاسمة ونحو ذلك.

كما قد يعتضد أو يتأيد بالنصوص المتضمنة تعمد الأئمة عليهم السّلام بيان خلاف الواقع للتقية ، حيث قد يكون مقتضى إطلاقها المقامي الإجزاء. فتأمل.

والعمدة السيرة في المقام التي يقرب نهوضها بإثبات الإجزاء.

ودعوى : أن المتيقن منها ما لو لم يكن الخطأ موجبا لبطلان العمل ، كما في موارد حديث : «لا تعاد الصلاة ...». ونحوها ، ولم يعلم ابتلاؤهم بغير ذلك.

ممنوعة جدا ، لكثرة اختلاف الفقهاء والأخبار في غير الموارد المذكورة ،

٣٩٦

كتحديد الكر ، والوضوء ، والنجاسات ، والقصر والإتمام ، والتذكية وغيرها مما يكون الاخلال فيه مبطلا له ، وموجبا لترتب القضاء والضمان ونحوهما ، فعدم اهتمام المتشرعة بتمييز الموارد المذكورة شاهد بالمفروغية عن عموم الاجزاء.

نعم ، لا يبعد اختصاص السيرة بالعبادات ونحوها مما يقتضي البطلان فيه بعض الآثار التي هي من سنخ التدارك والتبعة ، كالقضاء ، والضمان ، والكفارات ونحوها ، أما ما لا يكون من سنخ التدارك ، بل من سنخ الجري على مقتضى العمل السابق وترتيب آثار صحته فلا يتضح قيام السيرة عليه بعد انكشاف البطلان.

فمن ذكى بغير الحديد ـ مثلا ـ لم يبعد توقفه عن أكل اللحم بعد انكشاف الخطأ له ، وكذا من تزوج امرأة بوجه قام الدليل عنده على مشروعيته لم يبعد توقفه عن مباشرتها وترتيب آثار الزوجية بعد انكشاف البطلان ونحو ذلك ، ولا أقل من خروجه عن المتيقن من السيرة.

ولعله إليه يرجع ما قيل من اختصاص الإجماع بالعبادات ، وإلا فلم يتضح وجه خصوصيتها ، ولا سيما بعد ملاحظة السيرة.

بل لا يبعد قصور السيرة عن إثبات عدم وجوب الاعادة في الوقت ، لعدم كونها بنظر المتشرعة من سنخ التدارك ولا أقل من خروجه عن المتيقن من السيرة أيضا ، لعدم وضوح ابتلائهم بانكشاف الحال في الوقت وعدم وضوح عملهم لو فرض ابتلاؤهم به بعد عدم أهميته وعدم لزوم الحرج من الاعادة ليحاول التخلص منه بالسؤال عن الإحراز ، فلا يكشف عدم السؤال عن المفروغية عنه.

كما أن المتيقن من السيرة أيضا ما إذا كان خفاء الحكم لعدم وصول الدليل عليه ، لا لخطأ المكلف في فهم الدليل الواصل ، أو لنسيانه للدليل مع

٣٩٧

وصوله ونحو ذلك مما يعود للمكلف نفسه وإن كان معذورا ، لعدم شيوع الابتلاء بذلك في تلك العصور وعدم وضوح بنائهم على الاجزاء معه ، لاحتمال ابتناء الاجزاء على الرفق بأهل الحق وعدم إلزامهم بتدارك ما ضاع عليهم بسبب أئمة الجور ، دون ما يستند ضياعه للمكلف نفسه.

ومنه يظهر عدم الإجزاء في المقام في حق المجتهد في أمثال عصورنا ، لاستناد تبدل رأيه إلى انكشاف الخطأ له في فهم الأدلة أو غفلته عن بعضها ، لا لعدم تيسر الوصول إليها ، بخلاف العامي ، لعدم استناد الخطأ له ، بل للطريق الشرعي ، وهو فتوى المجتهد مع عدم تيسر الوصول للواقع له.

نعم ، لو كان ناشئا من خطئه في فهم كلام المجتهد أو في تشخيص المجتهد الذي قامت الحجة على تعيينه اتجه عدم الاجزاء حينئذ في حقه. وهو خارج عن محل الكلام.

كما لا فرق في الإجزاء في حقه بين عدوله من أحد المجتهدين للآخر ، وعدول المجتهد الذي قلده عن فتواه ، وانكشاف خطأ الفتوى له بنفسه بحسب اجتهاده الظني أو القطعي ، لعموم السيرة لجميع الصورة المذكورة بسبب شيوع الابتلاء بها ، في العصور السابقة وعدم الفرق بينها في منشأ السيرة الارتكازي وعدم استناد ضياع الواقع للمكلف. ومنه يظهر أن الاجزاء في المقام واقعي لا ظاهري ، فلا مجال معه لفرض العلم الإجمالي الذي سبق تقريب لزومه من مقتضى القاعدة مع عدم أعلمية المعدول إليه. فتأمل جيدا. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.

٣٩٨

خاتمة

لا بد للمجتهد في مقام الاستنباط وتشخيص وظيفته ووظيفة العامي العملية من استفراغ الوسع في الفحص عن الأدلة ، وليس له الاكتفاء بما وصل إليه منها ، فضلا عن الرجوع للأصل من دون فحص عن الدليل لو لم يصل له ، فكما يجب عليه الفحص عن الدليل يجب عليه الفحص عما يعارضه أو يتقدم عليه من الأدلة الاخرى ، وعما يتحكم عليه من القرائن الصالحة لمعرفة المراد منه ، كالمخصص والمقيد وقرينة المجاز وغير ذلك مما يكون دخيلا في تشخيص الوظيفة ، والظاهر عدم الإشكال بينهم في ذلك ، كما يناسبه أخذ كثير منهم استفراغ الوسع في تعريف الاجتهاد وعدم صدقه بغير ذلك عليه ، بل لعل إطلاق الاجتهاد من الكل في المقام بلحاظ ذلك ، كما يظهر مما سبق في تعريفه.

وكيف كان ، فمرجع لزوم استفراغ الوسع إلى عدم جريان الاصول قبل الفحص عن الأدلة الحاكمة عليها وعدم حجية الطرق الواصلة قبل الفحص عما يعارضها أو يتقدم عليها من الأدلة وما يتحكم عليها من القرائن ، واختصاص فعلية جريان الاصول وحجية الطرق بصورة الفحص المذكور.

وهو ظاهر فيما إذا لم يكن لدليل الأصل أو الطريق إطلاق يشمل حال ما قبل الفحص ، كما قد يدعى في الظاهر الذي يحتمل وجود الصارف عنه من مخصص أو نحوه ، بتقريب أن بناء العقلاء على العمل بالظهور من دون فحص عن الصارف فيما إذا لم يكن وجود الصارف متوقعا ، لقلة الابتلاء بالقرائن المنفصلة بحيث يغفل عن احتمال وجودها أو لا يعتد به ، كما في الظهورات العرفية ، دون ما إذا كان متوقعا متعارفا لكثرته كما في الظهورات الشرعية ، بل لا يتضح بناؤهم على العمل بالظهور من دون فحص.

ومثله الفحص عن الدليل المعارض ، على ما سبق عند الكلام في صورة

٣٩٩

الشك في اختلاف الفقهاء من المسألة السادسة من مباحث التقليد.

وكذا الحال في البراءة العقلية بناء على ما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه من عدم حكم العقل بالمعذرية مع التقصير في الفحص إذا كان المولى قد أوصل التكليف بالطريق المتعارف.

أما إذا كان لدليل الأصل أو الطريق إطلاق يشمل حال ما قبل الفحص ، كما هو الحال في كثير من الاصول الشرعية ، وهي التي اخذ في موضوعها الشك المعلوم حصوله قبل الفحص فلا بد من إقامة الدليل المخرج عن مقتضى عموم أو إطلاق تلك الأدلة والمانع من الرجوع إليها قبل الفحص ، فإن تم الدليل فيها تم في القسم الأول.

ومن هنا لا يهم تحقيق كل من القسمين والتمييز بينهما ، بل المهم النظر في دليل وجوب الفحص ، وهو امور ..

الأول : الإجماع ، فإنه وإن لم أعثر على من ادعاه على عموم الدعوى المذكورة ، إلا أنه قد يستفاد من مجموع كلماتهم ، فقد ادعى شيخنا الأعظم قدّس سرّه الإجماع القطعي على عدم جواز الرجوع للبراءة قبل استفراغ الوسع في الأدلة ، وذكر بعض أعاظم تلامذته أنه لا ريب فيه ، كما يظهر بأدنى فحص في كلماتهم ، بل الحق إجماع علماء الإسلام عليه ، كما حكى في المعالم عن جمع من المحققين أن العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص ممتنع إجماعا.

ويقتضيه ما أشرنا إليه من أخذهم استفراغ الوسع في تعريف الاجتهاد ، حيث يظهر منه المفروغية عن توقف استنباط الحكم العملي عليه ، كما تظهر المفروغية عنه أيضا مما استدل به في المعالم على وجوب الفحص عن المخصص من أن المجتهد يجب عليه البحث عن الأدلة وكيفية دلالتها.

وهو المناسب لسيرة الفقهاء في مقام الاستنباط والفتوى ، لاهتمامهم بضبط الأدلة واستيعابها بنحو يظهر من حالهم ولو بمعونة الارتكازيات

٤٠٠