🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٦

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٦

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٢٥
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦
🚘 نسخة غير مصححة

المفتي ، لا مطلق شربه المنطبق على ما بعد وفاته ، ليمكن استصحاب حرمته بعدها.

مدفوعة : بأن الحكم الظاهري لما كان هو المماثل لمؤدى الحجة كان تابعا له في إطلاق الموضوع وتقييده ، وحيث لم يؤخذ في موضوع الحكم الواقعي حياة المفتي لم يكن موضوع الحكم الظاهري مقيدا بها.

واحتمال ارتفاعه بعد موت المفتي ليس لارتفاع موضوعه ، بل لانتهاء أمده لإناطة جعله بحياته ، ومثله لا يمنع من الاستصحاب.

فالعمدة ما سبق من توقفه أولا على جعل الحكم الظاهري ، الذي سبق المنع منه ، وثانيا على فعلية الحكم ، حيث يترتب على ذلك عدم جريانه في حق فاقد شرائط التكليف حال حياة المفتي ، كالصبي والمجنون ، فضلا عن المعدوم.

وأما استصحاب الحجية فلا مانع منه ذاتا ، لأن الحجية من الأحكام المجعولة بمقتضى الارتكازيات العقلائية المطابقة لظاهر النصوص ، كقوله عليه السّلام : «فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله» (١).

نعم ، قد يستشكل في استصحاب الحجية بوجهين ..

أولهما : ما ذكره المحقق الخراساني من عدم بقاء الموضوع ، لأن موضوع الحجية هو الرأي ، ولا رأي للميت عرفا ، وإن فرض بقاؤه له حقيقة.

وفيه : أن موضوع الحجية المستصحبة هو الرأي بحدوثه لا ببقائه ، كما يظهر مما تقدم في أول الكلام في المسألة.

ومنه يظهر الإشكال في ما ذكره بعض المحققين قدّس سرّه من أنه بناء على أن الحجة على المكلف قطع المجتهد بالحكم الظاهري لا مجال للاستصحاب ، للعلم بانكشاف الواقع له نفيا وإثباتا ، ولا موضوع معه للحكم الظاهري ، ليتحقق له القطع به ، الذي هو موضوع الحجية في حق العامي.

__________________

(١) الوسائل ج ١٨ باب : ١١ من أبواب صفات القاضي حديث : ٩.

٣٤١

نعم ، لو كان موضوع الحجية هو ظنونه وإدراكاته للحكم الواقعي أمكن الاستصحاب ، لإمكان بقائها بعد الموت ولو بمرتبة أقوى.

إذ فيه : ـ مع ابتنائه على أمر في الميت مجهول لنا ، وعدم وروده فيما إذا أفتى المجتهد بالحكم الواقعي قاطعا به بسبب نظره في الأدلة ـ أن ذلك إنما يتم لو كان موضوع الحجية هو الرأي ببقائه ، أما لو كان هو الرأي بحدوثه فتبدله بالعلم بالحكم الواقعي لا يمنع من استصحاب الحجية له ، لوحدة الموضوع وعدم ارتفاعه.

مع أن ذلك مبني على أن وظيفته المفتي تشخيص الوظيفة الظاهرية الثابتة في حقه ، أما بناء على ما سبق في آخر مباحث الاجتهاد وغيرها من أن وظيفة تشخيص الوظيفة الظاهرية الثابتة في حق العامي بمقتضى الأدلة ، فانكشاف الحكم الواقعي للمجتهد لا ينافي حصول القطع له بالحكم الظاهري الثابت في حق العامي بسبب عدم تيسر العلم بالحكم الواقعي له.

ثانيهما : أن القدر المتيقن من حجية رأي المفتي في حق العامي حين حدوثه هو حجيته في الوقائع الحاصلة حين حياته ، لا مطلقا بنحو يعم الوقائع المتأخرة عنها ، لعدم صحة انتزاع الحجية إلا بلحاظ مقام العمل ، فمع عدم الابتلاء بالواقعة ، لعدم تحقق موضوع الحكم فيها بعد لا يصح انتزاع الحجية بالإضافة إليها.

وليست حجيته بنحو الإطلاق إلا بنحو القضية الحقيقية التعليقية الراجعة إلى إناطة الحجية الفعلية في كل واقعة بفعليتها ، فلا تكون حجيته في الوقائع المتأخرة إلا تعليقية ، فيقال : كان رأي المفتي حجة في هذه الواقعة لو تحققت وتم موضوع الحكم فيها ، وقد سبق عدم جريان الاستصحاب في القضايا التعليقية.

ويندفع : بأن المرتكز عرفا كون الحجية من الامور البسيطة العارضة للرأي

٣٤٢

والمقتضية للعمل في جميع الوقائع وأن مصحح انتزاعها معرضية المكلف للابتلاء بمؤداها وصلوحه لأن يخاطب به ، وليست من الامور الانحلالية ذات الأفراد المتعددة على حسب الوقائع الفعلية الطولية والعرضية ، بحيث تكون لكل واقعة حجية قائمة بها مباينة للحجية في الوقائع الاخرى ، ليكون المشكوك مباينا للمتيقن ، فلا يمكن استصحابه إلا بنحو التعليق.

فهي نظير الولاية التي لا يصح انتزاعها إلا بلحاظ التصرف المتعلق بالمولّى عليه ، لكن بنحو يكفي في صحة انتزاعها معرضية التصرف لا فعليته ، ولذا يصح استصحابها.

وأما تقييدها فليس هو إلا كتقييد الولاية إنما يوجب ضيقها في مقابل سعتها ، لا قلة أفرادها في مقابل كثرتها. وإن كان الأمر محتاجا إلى شيء من التأمل.

نعم ، لا يبعد اختصاص الاستصحاب المذكور ـ لو تم ـ بمن تمت في حقه شرائط التكليف في حياة المفتي ، دون غيره ممن لم يوضع عليه القلم في حياته كالصبي والمجنون ، فضلا عمن كان معدوما ، لتوقف فعلية الحجية ارتكازا على تمامية شروط التكليف وقابلية المكلف له ، وليست الحجية في حق غيره إلا تعليقية لا يصح استصحابها.

تتميم

المعروف من مذهب الأصحاب وإن كان هو عدم جواز تقليد الميت ، كما سبق ، إلا أن ذلك مختص بالتقليد الابتدائي ، أما البقاء على تقليد الميت فقد وقع الخلاف فيه بين متأخري المتأخرين ، وقد ذهب جمع منهم الى جوازه ، كما قرب به السيد الصدر في محكي كلامه ، وحكاه عن بعض معاصريه ، بل يظهر من الجواهر شيوع الخلاف فيه ، فقد ذكر في فرض أعلمية الميت أن الأصحاب

٣٤٣

بين قائل بحرمة البقاء وقائل بجوازه وقائل بالتخيير ، وهو الذي اختاره ، ومن ثم ذكر غير واحد أن المتيقن من الإجماع هو التقليد الابتدائي.

لكن استظهر شيخنا الأعظم قدّس سرّه عدم الفرق بين التقليد الابتدائي والاستمراري في أكثر الأدلة المتقدمة ، ومنها الإجماع المدعى الذي هو عمدتها.

وما ذكره متين جدا ، كما يظهر بملاحظتها وملاحظة كلام نقلة الإجماع ، حيث يبعد جدا قصوره بنظرهم مع إطلاقهم لمعقده وشيوع الابتلاء بالتقليد الاستمراري بل هو مما يأباه كلام بعضهم جدا. فالبناء على خروج من جوز البقاء على الإجماع المذكور ـ ولو لغفلتهم عن ذلك ـ أولى من البناء على قصور دعاوى الإجماع عنه.

وأولى منه البناء على عدم بلوغ الإجماع بنظرهم مرتبة الحجية في مقابل الأدلة والاصول ، بل يلزم الخروج عنه بها لو خالفته ، كما تقدم منا تقريبه في التقليد الابتدائي ، وهو في الاستمراري أولى مع شيوع الخلاف ، وليست موافقتهم له في التقليد الابتدائي إلا للوجوه الاخرى التي استوضحوها.

ومن ثم يتعين البناء على جواز التقليد الاستمراري ، لما سبق من سيرة العقلاء ، واستصحاب الحجية ، الذي سبق الكلام فيه.

بل سبق تقريب سيرة المتشرعة على كل من التقليد الابتدائي والاستمراري ، كما اعترف بها سيدنا الأعظم قدّس سرّه في الثاني وإن أنكرها في الأول.

هذا ، وقد سبق من بعض مشايخنا الاستدلال على عدم جواز تقليد الميت ابتداء بقصور الأدلة الشرعية عنه ، لأنها تضمنت عناوين خاصة في المرجع ، كالفقيه والعالم وأهل الذكر ، وهي لا تصدق على الميت ، ومع ذلك التزم بجواز البقاء على تقليده في الجملة ، بدعوى : أن إطلاق الأدلة المذكورة إنما يقتضي اعتبار تلك العناوين حين الرجوع للمجتهد لا حين العمل بقوله ، بل مقتضى إطلاقها حجية قوله بعد الرجوع له ولو في ما يتجدد من الوقائع بعد موته.

٣٤٤

نعم ، فصّل في جواز البقاء بين تذكر المسألة ونسيانها. قال : «يكفي في جواز البقاء على التقليد أو وجوبه تعلم الفتوى للعمل وكونه ذاكرا لها».

وكأنه لأن الرجوع عنده عبارة عن تعلم الفتوى للعمل ، فمع النسيان يكون تعلمه لها رجوعا جديدا ، فلا يجوز مع موت المجتهد ، لعدم صدق العناوين المذكورة عليه.

ويشكل بوجوه ..

الأول : أنه لا إشكال في عدم أخذ عنوان الرجوع شرطا في حجية فتوى المفتي ، بل تكون فتواه حجة وإن لم يرجع إليه ، ولذا يكون المكلف مقصرا لو لم يرجع لواجد الشرائط ، وليس الرجوع إلا عنوانا منتزعا من متابعة المجتهد في العمل التي هي من آثار حجية فتواه المتفرعة عليها ، ومثلها وجوب سؤاله والأخذ منه والعمل بقوله وتقليده وغير ذلك مما اشتملت عليه الأدلة الشرعية ، فهي بأجمعها من آثار الحجية لا من شروطها.

وحينئذ إن استفيد من الأدلة اعتبار العناوين المذكورة ـ من العالم والفقيه ونحوهما ـ في الأحكام المذكورة حين صدور الفتوى ـ كما سبق تقريبه ـ تعين جواز الرجوع للميت ابتداء.

وإلا كان اللازم الجمود على مفادها المطابقي ، وحيث كان مقتضى تعليق الحكم على عنوان عدم تحققه مع فقده يتعين عدم وجوب تقليد المجتهد ولا الرجوع إليه ولا العمل بقوله بعد موته ، لفرض انسلاخ العناوين المذكورة عنه ، بل يختص ذلك بحياته.

غاية ما يدعى أن مقتضى إطلاق تلك الأدلة أن الواجب حين حياة المجتهد ليس خصوص الرجوع له في الوقائع المقارنة لحياته والعمل بقوله فيها ، بل الرجوع والعمل في جميع الوقائع حتى المقارنة لموته ، فيكشف عن عموم الحجية لها.

٣٤٥

ولازم ذلك عدم اختصاص جواز تقليد الميت بمن رجع إليه وسأله في حياته ، بل يعم كل من وجب عليه الرجوع إليه والعمل بقوله في حياته ، سواء رجع إليه وعمل بقوله فعلا ، أم لم يرجع إليه ولم يعمل بقوله قصورا أو تقصيرا.

الثاني : أن وجوب الرجوع للمفتي وسؤاله وتقليده والعمل بقوله وغيرها مما تضمنته الأدلة لما كان طريقيا للفراغ عن التكليف الواقعي ، ولذا كان كناية عن حجية الفتوى فلا إطلاق له يشمل الوقائع اللاحقة ، بل المراد به الرجوع في الوقائع التي هي مورد ابتلاء المكلف والتي يحتاج لمعرفة حكمها ، لأن حذف المتعلق إنما يقتضي العموم مع عدم القرينة على التخصيص.

وتعميم الحجية لغيرها من الوقائع التي يتجدد الابتلاء بها موقوف على أن يكون للأدلة إطلاق أحوالي ، وهو إنما يتجه قبل فقد المرجع للعنوان المعتبر في الحجية ، لا بعده للموت ونحوه.

ودعوى : أنه لا معنى للإطلاق الأحوالي في فرض العلم برأي المفتي بالسؤال منه في الواقعة الاولى ، لعدم الموضوع معه للسؤال والرجوع والتعلم التي تضمنتها الأدلة ، فلا بد من كون منشأ حجية الفتوى في الوقائع اللاحقة هو شمول إطلاق الرجوع من أول الأمر لها.

وحينئذ لا يفرق بين الوقائع المتجددة حال حفظ المفتي للعنوان وحال فقده له.

مدفوعة : بأن عدم الموضوع للسؤال والرجوع والتعلم مع العلم بالمسألة لا ينافي في ثبوت الإطلاق الأحوالي للأدلة وشموله للوقائع المتجددة ، لأن الأدلة وإن اشتملت على العناوين المذكورة التي لا موضوع لها من العلم بالمسألة ، إلا أنها كناية عن حجية الفتوى القابلة للبقاء في الوقائع اللاحقة ، لتحقق موضوعها فيها ، وهو الجهل بالواقع.

ولذا يجب على المكلف تقليد من تمت فيه الشرائط وإن سبق منه العلم

٣٤٦

برأيه لا لأجل العمل ، أو مع عدم كونه أهلا للتقليد حين حصول العلم برأيه ، وما ذلك إلا لشمول أدلة الحجية له حين تمامية شروط التقليد فيه بلحاظ تحقق موضوع الحجية فيه حينئذ وإن ارتفع موضوع الرجوع له والسؤال منه بسبب سبق العلم برأيه.

ودعوى : أن وجوب الرجوع له ونحوه لما كان كناية عن الحجية فقد تقدم أن إطلاق الحجية يقتضي سعتها بنحو يشمل جميع الوقائع وإن كان العمل عليها تدريجيا تبعا لتدرج الوقائع.

مدفوعة : بأن إطلاق الحجية وسعتها بالنحو المذكور لا يكفي في جواز العمل في الوقائع اللاحقة ، إذ لا بد من إحراز الحجية حين العمل ، ولا يكفي ثبوت الحجية المطلقة قبله ، ويتوقف إحراز الحجية في الوقائع اللاحقة على الإطلاق الأحوالي الذي عرفت امتناعه مع انسلاخ المجتهد بالموت عن العنوان المعتبر في الحجية.

ولو لا ذلك لزم حجية فتوى الميت في جميع الوقائع المتأخرة حتى المقارنة لنسيانها ، لسعة الحجية لها بمقتضى الإطلاق.

الثالث : أن ما سبق في تحديد الرجوع ـ الذي جعله المعيار في المقام ـ غير ظاهر ، فإن ما اشتمل على عنوان الرجوع ـ كقوله عليه السّلام : «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» لو سلم كونه من أدلة المسألة ـ ظاهر في إرادة الرجوع بمعنى الاعتماد على الفتوى في مقام العمل ، لا تعلم المسائل بالنحو المتقدم في كلامه.

مع أنه ظاهر في كون الرجوع أمرا انحلاليا بحسب الوقائع ، فلكل واقعة رجوع مستقل ، فلو فرض اعتبار الحياة في المرجع امتنع البقاء على تقليد الميت.

نعم ، قد يطلق الرجوع في عرف المتشرعة على الالتزام والبناء على

٣٤٧

متابعة المفتي ـ كما قد يطلق التقليد على ذلك كما سبق ـ فيكون الرجوع في جميع المسائل والوقائع واحدا مستمرا بتعاقبها.

لكنه ـ مع عدم ظهور الأدلة فيه ـ لا يتوقف على تعلم المسائل ابتداء أو بعد نسيانها.

وأما آية الذكر المتضمنة عنوان السؤال فهي ـ مع عدم كونها من أدلة المسألة ، كما سبق ويظهر من بعض مقرري درسه الاعتراف بذلك ـ لا تقتضي ما ذكره ، لأن الأمر بالسؤال لما كان طريقيا لأجل العمل كان مختصا بصورة الابتلاء بالمسألة والاحتياج لمعرفة حكمها ، ولا تكليف قبله بالسؤال.

والاجتزاء حين العمل بتعلم الفتوى قبل ذلك إنما هو للاستغناء به عن السؤال حين الابتلاء ، لا لأجل وجوب السؤال قبله. ولذا يستغنى بالتعلم لا لأجل العمل ، وبالعلم صدفة ولو مع عدم أهلية المفتي حينه ، مع أنه لم يكتف به في صدق الرجوع المصحح للبقاء.

ولازم ذلك التفصيل فالمسائل التي ابتلي بها وسأل عن حكمها لأجل العمل يجب البقاء فيها دون غيرها مما سأل عنه لتوقع الابتلاء به ، أو لم يسأل عنه بل علمه صدفة وبنى بعد تقليده على العمل به لو ابتلي به ، لكن الأول داخل في إطلاق جواز البقاء في كلامه ، والثاني وإن خرج عنه إلا أنه يبعد بناؤه على عدم جواز البقاء فيه.

وأما آية النفر فهي تقتضي حجية الفتوى والانذار من الفقيه من دون تعرض للرجوع أو لتعلم المسائل أو غيرهما ، فلو فرض كون صدق عنوان انذار الفقيه كافيا في الحكم بالحجية ولو بالإضافة للوقائع اللاحقة لزم حجية فتوى الفقيه في حق من كانت فتواه حجة عليه حين حياته ، بحيث كان يجب الحذر بانذاره وإن لم يرجع إليه ولا تعلم فتاواه.

نعم ، لا بد من تخصيص ذلك بالمسائل التي ابتلي بها ، لأن وجوب الحذر

٣٤٨

طريقي كوجوب السؤال ، فلا يكون فعليا مع عدم الابتلاء بالمسألة ، كما تقدم في آية الذكر.

الرابع : أن التفصيل بالوجه المذكور مما يعلم بعدم مطابقته لسيرة المتشرعة ، لما هو المعلوم من أنه لو كان بناؤهم على البقاء على تقليد الميت فلا يقدح فيه نسيان فتواه ، بل للناسي أن يسأل من أهل بيته أو غيرهم ممن يتذكرها ، لما هو الظاهر من مخالفة التفصيل المذكور للمرتكزات وخلوه عن الدليل الخاص المنبه له والموجب لجري المتشرعة عليه. وعليه إذا كان مقتضى الإطلاقات جواز البقاء في المسائل التي يتذكرها المكلف أمكن التعدي لغيرها بالملازمة التي هي مقتضى السيرة المشار إليها. ومن هنا لا مجال للتفصيل المذكور ، ويتعين ما ذكرنا من عموم جواز البقاء على تقليد الميت.

تنبيهان

الأول : لا إشكال بناء على جواز البقاء على تقليد الميت في وجوبه مع أعلميته ، بناء على ما يأتي من مرجحية الأعلمية.

كما لا إشكال في وجوب العدول منه للحي مع أعلميته ، لصيرورته أعلم أو تمامية بقية شرائط التقليد فيه بعد موت الأول ، لأن ما دل على وجوب تقليد الأعلم صالح للحكومة على استصحاب حجية فتوى الميت لو كان جاريا في نفسه.

وأما مع التساوي بينهما فحيث يأتي قصور إطلاقات الحجية عن شمول المجتهدين المتساويين وأن الأصل يقتضي تساقطهما ما لم يثبت التخيير بإجماع أو نحوه ، وأنه بناء على التخيير فهو ابتدائي ولا يجوز العدول من أحد المتساويين للآخر ، يدور الأمر بين وجوب البقاء على تقليد الميت ، لمشروعيته ذاتا وعدم جواز العدول عن أحد المتساويين للآخر ، ووجوب العدول للحي ،

٣٤٩

لعدم جواز تقليد الميت مع التساوي لخروجه عن المتيقن من جواز التخيير ، فإن قلنا بجريان استصحاب الحجية تعين البقاء على تقليد الميت ، وإن قلنا بعدم جريانه تعين البناء على التساقط ووجوب الأخذ بأحوط القولين. إلا أن يقوم الإجماع على عدم تكليف العامي بالاحتياط ، فيتعين التخيير بين البقاء والعدول ، لعدم المتيقن في البين.

وكذا الحال لو علم إجمالا بأعلمية أحدهما. فلاحظ.

الثاني : إذا قلد مجتهدا يجوز البقاء على تقليد الميت فمات ذلك المجتهد فقد صرح في العروة الوثقى بعدم جواز الاعتماد عليه في البقاء على تقليده ، بل لا بد من الرجوع للحي في ذلك ، وأمضاه جماعة من شراحها ومحشيها.

وكأنه لعدم يقين العامي بحجية رأي الميت ، فلا مجال للرجوع إليه ، بل لا بد من الرجوع للحي المتيقن الحجية في ذلك ، للزوم انتهاء الحجة للعلم.

لكن هذا قد يتم مع أعلمية الحي من الميت ، حيث يعلم بحجية فتواه دون فتوى الميت ، بناء على مرجحية الأعلمية.

أما مع أعلمية الميت فلا وجه له ، لعدم يقين العامي أيضا بحجية فتوى الحي ، لاحتمال وجوب البقاء على تقليد الميت لكونه أعلم مع عدم مانعية الموت.

وأما ما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه عند مذاكرته في المسألة وحكي عن سيدنا الأعظم قدّس سرّه من السيرة على سؤال الحي في ذلك.

فهو ـ لو تم ـ ناشئ عن الغفلة عن رأي الميت والجهل به ، لما هو المعلوم من غلبة عدم اطلاع العوام على آراء الأموات قبل تحرير الفتاوى في الرسائل العملية ، خصوصا مسائل الاجتهاد والتقليد ، أما بعد تحريرها في العصور المتأخرة فرجوعهم للحي لشيوع الفتوى بعدم التعويل على رأي الميت في

٣٥٠

ذلك.

وليس ذلك ناشئا من ارتكاز مانعية الموت من التعويل على الفتوى المذكورة ، لما سبق من عدم دخل الحياة بحسب المرتكزات العقلائية الأولية وعموم مرجحية الأعلمية ، فيحتاج الخروج عن ذلك لأدلة تعبدية شرعية لا يدركها العامي بنفسها.

ودعوى : امتناع حجية رأي الميت في البقاء على تقليده ، لأنه دوري ، لرجوعه إلى توقف حجية رأيه على حجيتها.

ممنوعة ، لتعدد الموضوع ، فإن حجيته في مسألة البقاء غير حجيته في المسائل الفرعية العملية الاخرى ، فلا مانع من ابتناء الثانية على الأولى ، نظير وجوب التقليد على العامي في مسألة وجوب التقليد ، حيث ذكرنا في أول الكلام في جواز التقليد أن جوازه لما كان مقتضى السيرة العقلائية التي هي حجة ما لم يثبت الردع عنها فتعذر وصول الردع عنه للعامي من غير طريق التقليد مستلزم لجواز التقليد في مسألة جواز التقليد في المسائل الفرعية ، فاذا قلد فيها تيسر له الاطلاع على الردع أو عدمه عن التقليد في المسائل المذكورة.

وفي المقام حيث كان مقتضى السيرة لزوم تقليد الأعلم وإن كان ميتا وعدم صلوح فتوى الحي المفضول لمعارضته ، فلا طريق لإحراز الردع عن ذلك أو عدمه إلا بالتقليد في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت ، فاذا فرض كون الميت أعلم كان هو المتعين للتقليد فيها بمقتضى السيرة التي لا طريق لإحراز الردع عنها ولم تصلح فتوى الحي المفضول لمعارضتها.

فإن أفتى بوجوب العدول للحي كان ذلك صالحا للردع عن مقتضى السيرة ووجب تقليد الحي في المسائل الفرعية.

إن قلت : إنما يجب الرجوع للحي في المسائل الفرعية إذا كان يرى عدم جواز البقاء على تقليد الميت الأعلم ، وإلا لزم تقليده في ذلك والرجوع للميت

٣٥١

الأعلم في المسائل الفرعية وإن كان الميت هو يفتي بعدم جواز البقاء على تقليده ، لسقوط فتواه المذكورة في المرتبة الثانية عن الحجية بسبب صلوحها في المرتبة الأولى للردع عن السيرة.

قلت : لا وجه لسقوط فتواه المذكورة عن الحجية بعد انحصار طريق الردع عن حجية فتاواه في المسائل الفرعية بها ، ولا تكون رادعة عن حجية نفسها ، لئلا يلزم من حجيتها عدمها ، نظير ما تقدم في التقليد في أصل جواز التقليد ، حيث ذكرنا أن فتوى المجتهد بعدم جوازه تمنع من تقليده في المسائل الفرعية.

وحينئذ ينحصر التقليد للحي بالمسائل الفرعية التي يكون مقتضى فتوى الميت الأعلم بعدم جواز البقاء حجيتها. وإن أفتى الميت الأعلم بوجوب البقاء كشف عن إمضاء السيرة وعدم الردع عنها ، فيجب البقاء على تقليده في المسائل الفرعية أيضا.

هذا كله إذا اقتصر الميت على الفتوى بوجوب العدول أو بوجوب البقاء. أما لو أضاف إلى ذلك الفتوى بعدم جواز الاعتماد في البقاء أو العدول على فتوى الميت بأحدهما ـ كما سبق من العروة الوثقى وشراحها ومحشيها ـ وجب على العامي ـ بمقتضى السيرة التي لا طريق لإثبات الردع عنها في هذه المسألة ـ تقليده في الفتوى المذكورة ، فيحرز بها الردع عن تقليده في وجوب العدول أو وجوب البقاء ـ وإن كان هو مقتضى السيرة ، كما سبق ـ ويتعين تقليد الحي المفضول فيها ، فإن أفتى بوجوب البقاء وجب البقاء على تقليد الميت في المسائل الفرعية وإن كان الميت يرى وجوب العدول عنه ، وإن أفتى بوجوب العدول وجب العدول عن تقليد الميت في المسائل الفرعية ، وإن كان الميت يرى وجوب البقاء على تقليده.

المسألة الرابعة : حيث تقدم أن جواز التقليد يبتني على ما ارتكز عند

٣٥٢

العقلاء من الرجوع لأهل الخبرة في الحدسيات فلا بد في جواز تقليد المجتهد من سلوكه الطرق العقلائية المتعارفة ، أما لو سلك غيرها ، كالرمل والجفر والرياضات التي قد توجب انكشاف الواقع لصاحبها ونحوها مما قد يوجب العلم وإن لم يعتمد عليه العقلاء بما هم عقلاء ولا دلت الأدلة على حجيته ، فهو وإن كان عالما بنظره ، فيجب عليه العمل بقطعه ، إلا أنه لا يجوز تقليده ، لعدم كونه من أهل الخبرة بنظر العقلاء.

وهذا هو العمدة في المقام ، لا ما ذكره بعض مشايخنا من لزوم الرجوع إلى من استنبط الأحكام من الطرق المقررة شرعا ، لاختصاص أدلة التقليد الشرعية بأهل الذكر والناظر في الحلال والحرام ونحوهما مما يختص بذلك.

إذ فيه : ـ مع عدم انضباط الأدلة المقررة شرعا ، للاختلاف فيها ـ أن المراد بأهل الذكر والناظر في الحلال والحرام إن كان هو الباحث عن الأحكام الشرعية المحصل لها واقعا فلا طريق لإحراز انطباقه على المجتهد مع احتمال خطئه ، وإن كان هو المحصل لها بنظره شمل من قطع بها من الطرق غير المتعارفة ، وإن كان هو المحصل لها بعد النظر في الكتاب المجيد والأحاديث الشريفة ـ كما قد يناسبه آية الذكر ، وما تضمن الرجوع للرواة ـ قصر عمن أخذها من الإجماع والسيرة والمستقلات العقلية ونحوها.

فينحصر الوجه بما أشرنا إليه غير مرة من ورود أدلة التقليد الشرعية مورد الإمضاء للقضية الارتكازية المزبورة ، فيكون المعيار عليها لا على خصوص العناوين المذكورة في تلك الأدلة ، وهي تقتضي ما ذكرنا.

ومنه يظهر عدم جواز تقليد من خرج في قطعه أو استظهاره أو نحوهما عن المتعارف ، لاعوجاج السليقة أو نحوه.

المسألة الخامسة : حيث كان همّ المكلف الخروج من تبعة التكاليف الشرعية والامان من العقاب فلا فرق في حقه بين معرفة الحكم الشرعي الواقعي

٣٥٣

ومعرفة مؤدى الحجة أو الأصل الشرعي أو العقلي.

ومن هنا كان مبنى سؤال العامي وجواب المجتهد على ما يعم الأمور المذكورة ، ولا يختص ببيان الحكم الواقعي الذي يدركه المجتهد من الأدلة القطعية ، كما تقدم التعرض له في آخر أحكام الاجتهاد ، كما تقدم في التنبيه الثاني من تنبيهات فصل صورة عدم الترجيح بين الخبرين المتعارضين أن مبنى فتوى المجتهد بمؤديات الطرق على عموم أدلة حجيتها للعامي ، وأن عجز العامي عن تشخيص مؤدياتها بنفسه لا يمنع من حجيتها في حقه بعد تيسر رجوعه للمجتهد في ذلك.

نعم ، قد تشكل الفتوى بمضمون الأصل الشرعي بأن كبرى الأصل وإن كانت مجعولة بنحو تشمل العامي كسائر الكبريات الشرعية ، إلا أن فعلية مضمونها في حق العامي موقوف على فعلية موضوعاتها ـ كالشك ونحوه ـ في حقه ، فمع غفلة العامي عنها لا وجه لفتوى المجتهد له بها.

وأشكل من ذلك الفتوى بمضمون الأصل العقلي ، حيث يزيد عليه بأن كبراه علمية وجدانية لا تكون فعلية في حق المكلف ما لم يقطع بها ، وليست واقعية يدرك المجتهد ثبوتها في حق العامي ليصح منه الفتوى له بمضمونها مع غفلته عنها.

ومن ثمّ قد يدعى أن وظيفة المجتهد تنبيه العامي إلى موضوع الأصل الشرعي ثم بيان كبراه التي حصلها بنظره ، ويكون استنتاج الحكم في المسألة الفرعية وظيفة للعامي. أما في الأصل العقلي فليس له إلا التنبيه لموضوعه مع إيكال كبراه للعامي نفسه ، فيرجع إلى ما يحكم به عقله ولو كان على خلاف ما ذهب إليه المجتهد.

لكنه مخالف لطريقة الفقهاء في مقام الفتوى ، حيث جروا على بيان الوظيفة الفعلية في المسألة الفرعية في موارد الأصول الشرعية والعقلية ، كما

٣٥٤

جروا عليه في موارد الأدلة الاجتهادية المفيدة للقطع أو الظن بالحكم الواقعي.

فلعل الأولى أن يقال : إن موضوع الأصل ان كان هو الشك فهو فعلي في حق العامي الملتفت لحكم للمسألة الفرعية الفاحص عن حكمها. ولا ضرر في إطلاق المجتهد الفتوى بها بنحو يشمل الغافل عنها ، لعدم ترتب العمل عليه إلا في حق الملتفت المعتمد على الفتوى.

وإن كان هو عدم الدليل ـ كما هو الظاهر الذي يقتضيه التأمل في أدلة الأصول ـ فهو من الأمور الواقعية التي يدركها المجتهد في حقه وحق العامي ، كما أنه سبق في الاستصحاب أن المراد باليقين بالحدوث المأخوذ في موضوعه ما يعم قيام الحجة عليه ، وهو حاصل في حق العامي بسبب رجوعه للمجتهد في حدوث الحكم ، كما أشرنا إليه في الأمر الثاني من تمهيد الكلام في الاستصحاب.

بل لا يبعد ثبوته بمجرد قيام الدليل الشرعي عليه الذي يعثر عليه المجتهد ويدرك عمومه للعامي وإن لم يرجع إليه أو غفل عن فتواه على طبقه. وحينئذ يصح للمجتهد الفتوى بما يناسب كبرى الأصل الشرعي.

وأما الأصل العقلي فالظاهر أن كبراه واقعية ، ولذا يقع الاختلاف والتخطئة فيها بين المجتهدين كما أنه يغلب عجز العامي عنها وإن كانت وجدانية ، لأنها مورد للشّبه والنقض بالطرد والعكس التي يعجز العامي عن دفعها ، فلا بد من رجوعه للمجتهد فيها.

نعم ، لو قدر على تشخيصها وخالف المجتهد فيها امتنع عليه الرجوع لفتواه في المسألة الفرعية المبتنية عليها ، كما هو الحال في سائر موارد مخالفته للمجتهد في بعض مقدمات الاستنباط ، على ما تقدم التنبيه عليه في آخر الكلام في تجزي الاجتهاد. فراجع.

وأما دعوى : أن تمامية موضوع الأصل في حق المجتهد ، لعدم عثوره على

٣٥٥

الدليل في المسألة لا يستلزم تماميته في حق العامي بعد إمكان رجوعه لمجتهد آخر يرى وجود الدليل الرافع لموضوع الأصل.

فهي مدفوعة بأن اختلاف المجتهدين في تحقق موضوع الأصل لا يمنع من عموم ما وصل إليه كل منهم بنظره لنفسه وغيره فمن يرى تحقق موضوع الأصل في حقه يراه في حق العامي الذي قد يرجع للمجتهد الآخر ، بل في حق ذلك المجتهد أيضا لخطئه بنظره في دعوى وجود الدليل الرافع لموضوع الأصل ، فله إطلاق الفتوى المطابقة لمضمون الأصل. وأما العامي فلا مجال له للرجوع للمجتهد الذي يرى وجود الدليل إلا إذا كان أعلم ، أما لو كان مفضولا فتصلح فتوى الأفضل لإثبات خطئه في حق العامي بمقتضى ما دل على ترجيح الأعلمية ، فيكون فاقدا للدليل ويتم في حقه موضوع الأصل.

وأما مع التساوي بينهما فليس رجوعه للثاني بأولى من رجوعه للأول ، بل لا بد إما من تساقطهما أو التخيير بينهما الراجع إلى جواز رجوعه للأول وتصديقه في عدم الدليل ، فلا يكون الدليل الذي اعتقده الثاني ولا اعتقاده منجزا في حق العامي ، ليرتفع موضوع الأصل في حقه.

ومثلها دعوى : قصور أدلة التقليد الشرعية عن شمول التقليد في مورد الأصول العقلية ، لقصور العناوين المأخوذة فيها عنه ، كعنوان العالم والفقيه وأهل الذكر والراوي والناظر في الحلال والحرام ونحوها ، بل هي مختصة أو منصرفة لخصوص التقليد في الأحكام الشرعية الواقعية أو الظاهرية الراجعة الى الأحكام الطريقية بالحجية أو بمفاد الأصل العملي.

لاندفاعها : بما سبق من أن قصور أدلة التقليد الشرعية لا يهم بعد عموم القضية الارتكازية العقلائية ، وهي قضية رجوع الجاهل للعالم ، فيكفي علمه بالوظيفة العقلية في الرجوع إليه بعد ما سبق من أن همّ المكلف الخروج من تبعة التكليف والأمان من العقاب.

٣٥٦

هذا ، وقد يمنع من تقليد من يرى لزوم العمل بمطلق الظن ، لتمامية مقدمات الانسداد بنظره ، لدعوى اختصاص بعض مقدماته ـ وهو عدم جواز تقليد القائل بالانفتاح وعدم وجوب الاحتياط للزوم اختلال النظام أو العسر والحرج ـ بالمجتهد ، دون العامي لإمكان تقليده القائل بالانفتاح ، وعدم لزوم اختلال النظام ـ البديهي البطلان في الأحكام الشرعية ـ من احتياطه بنفسه ، كي يقطع بعدم وجوبه ، لان الاختلال إنما يلزم من عمل الكل بالاحتياط ، لا من احتياط شخص أو أشخاص معدودين ، كما لا طريق له لإثبات عدم وجوبه من جهة الحرج ، لأن قاعدة نفي الحرج ليست بديهية يدركها العامي ، بل نظرية محتاجة لمئونة استدلال لا يقوى عليه بنفسه.

ويزيد الإشكال لو كان يرى العمل بالظن من باب الحكومة الراجعة لحكم العقل بحجية الظن ، أو بتبعيض الاحتياط على طبقه لأنه لا يكون عارفا بالأحكام الشرعية الواقعية ولا الظاهرية ، فتقصر عنه أدلة التقليد الشرعية.

لكن يظهر اندفاع ذلك مما تقدم في التقليد في موارد الأصول ، لوضوح أن المجتهد الانسدادي يرى خطأ القائل بالانفتاح ، وعموم الانسداد في حق جميع المكلفين ، فيجب الرجوع إليه مع أعلميته ، كما يجوز الرجوع له مع مساواته للقائل بالانفتاح ـ بناء على التخيير مع تساوي المجتهدين ـ فلا يصلح قول من يرى الانفتاح للتخيير في حق العامي ، ليمنع من تمامية مقدمة الانسداد. كما أن المجتهد حيث يرى انسداد باب العلم في حق الجميع وكان تشريع الاحتياط في حقهم مستلزما لاختلال النظام فهو يستكشف عدم تشريعه في حق الجميع أيضا ، ولا يمنع من ذلك انفتاح باب العلم للآخرين بنظرهم أو نظر مقلّديهم مع فرض خطئهم في ذلك بنظره.

وعجز العامي عن إثبات قاعدة نفي الحرج بنفسه لا يقدح بعد ثبوتها في حقه بنظر المجتهد الذي يجب أو يجوز له الرجوع إليه.

٣٥٧

وبالجملة : مقدمات الانسداد تامة في حق العامي بنظر المجتهد الذي يرجع إليه ، فله الفتوى له بمقتضاها في المسائل الفرعية ، وللعامي العمل بقوله حتى بناء على الحكومة ، لأنه وإن خرج حينئذ عن موضوع أدلة التقليد الشرعية ، إلا أنه داخل في كبراه العقلائية الارتكازية التي عرفت كفايتها في المقام بعد كون همّ المكلف الخلاص من تبعة التكليف والامان من العقاب ، لا خصوص معرفة الحكم الشرعي.

نعم ، قد يشكل ذلك بأن مقدمات الانسداد وإن تمت في حق العامي إلا أن نتيجتها لما كانت هي عمل المكلف بظنه فلا يصح للعامي الاعتماد على ظن المجتهد بالأحكام الفرعية ، بل غاية الأمر اعتماده على ظنه الحاصل له ، ومع تعذر تحصيل الظن عليه يتعين عليه تقليد القائل بالانفتاح وإن كان مفضولا لجواز تقليد المفضول مع تعذر تقليد الأفضل.

إلا أنه يندفع أيضا بأن جواز تقليد المفضول إنما يصح مع تعذر الاطلاع على رأي الأفضل ، أما مع الاطلاع على رأيه وعلى تخطئته للمفضول في مقدمات الاستنباط فلا مجال للرجوع له.

بل بعد فرض عدم وجوب الاحتياط على العامي يتجه وجوب تحصيل الظن عليه بالأحكام بالنظر في طرقها كالمجتهد ، لو لا لزوم العسر والحرج النوعي واختلال النظام منه ، لاحتياجه إلى مئونة شديدة كالتكليف بالاجتهاد عينا على تقدير الانفتاح لوضوح أن اللازم على تقدير الانسداد الاجتهاد في تحصيل الظن باستفراغ الوسع في مقدماته لا الاكتفاء بما يحصل منه بلا كلفة.

ومن هنا يتعين عدم وجوب ذلك على العامي ، بل يكتفي بأقرب الطرق ، وهو ظن المجتهد الأعلم.

وعليه تكون نتيجة مقدمات الانسداد عمل المجتهد بظنه رأسا ، وعمل العامي به بضميمة امتناع تكليفه بتحصيل الظن بنفسه. وهو معنى تقليده.

٣٥٨

نعم ، لو فرض حصول الظن للعامي بعد استفراغ الوسع على خلاف ظن المجتهد لم يبعد لزوم العمل عليه بظنه بضميمة تقليده للمجتهد في تمامية مقدمات الانسداد في حقه.

نظير ما سبق في آخر الكلام في التجزي من أن المكلف لو حصل بعض مقدمات الاستنباط بنفسه كان له الاستقلال فيها وضمها لبقية المقدمات التي يرجع فيها للمجتهد لعجزه عن تشخيصها ، فيعمل في المسألة الفرعية على ما يستنتج من المجموع ، وإن كان على خلاف ما يؤدي إليه نظر المجتهد في المسألة الفرعية ، لاختلافهما في بعض المقدمات. فراجع.

غاية الأمر أن عموم الأسباب الموجبة للظن وخصوصها في حقه تابعان لنتيجة دليل الانسداد ، فإن قلنا بعمومها من حيثية الأسباب كان كالمجتهد له الاتكال على الأسباب غير المتعارفة التي يكثر حصول الظن له منها ، وإن قلنا باختصاصها بالاسباب المتعارفة كان عليه الاقتصار عليها كالمجتهد. والأمر في ذلك موكول لمباحث الانسداد.

المسألة السادسة : إذا تعدد المجتهدون ..

فتارة : يتفقون في الفتوى.

واخرى : يختلفون فيها.

وثالثة : يجهل الحال.

وحيث كانت الصورة الثالثة متفرعة على الصورتين الاوليين ، لتفرع مقام الاثبات على مقام الثبوت ، كما كان الكلام فيهما من مباني الكلام فيها ، كان المناسب البحث فيها في تنبيه يعقد بعد الفراغ عن الكلام فيهما.

فالمهم فعلا الكلام في الصورتين الاوليين.

ولا ينبغي الكلام في جواز تقليد كل من المجتهدين في الصورة الاولى ، بمعنى قصد الاعتماد عليه ومتابعته ، كما يجوز تقليد جميعهم ، من دون فرق بين

٣٥٩

اختلافهم في الفضيلة وتساويهم ، بل يجوز موافقتهم احتياطا من دون تقليد ، لأن مقتضى إطلاق أدلة التقليد من الآيات والروايات وسيرة العقلاء حجية الكل ، ولا يجب عقلا إلا موافقة الحجة في الخروج عن تبعة العقاب.

وأما إطلاق قولهم : لا يجوز تقليد المفضول فليس هو معقدا لإجماع واجب العمل ، والمتيقن من الترجيح بالأفضلية ـ على تقدير البناء عليه ـ صورة الاختلاف ، لصلوح رأي الأفضل لتخطئة المفضول ، على ما يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

فالعمدة الكلام في الصورة الثانية ، لشيوع الابتلاء بها وظهور الخلاف فيها. ومن الظاهر أنه لا مجال لتخيل كون تقليد كل منهم مقتضى الإطلاقات ، لما سبق في مباحث التعارض من قصور إطلاقات الحجية عن شمول المتعارضين ، وأنها لا تقتضي حجية أحدهما تعيينا ولا تخييرا.

فلا بد في إثبات جواز تقليد أحد المجتهدين في المقام تعيينا أو تخييرا من دليل خاص مخرج عن ذلك.

والكلام يقع ..

تارة : في صورة تساوي المجتهدين في الفضيلة.

واخرى : في صورة اختلافهم فيها.

المقام الأول : في صورة التساوي في الفضيلة.

والمعروف بين الأصحاب التخيير بينهم فيها ، ولا يظهر الإشكال فيه بينهم ، بل مقتضى ما يأتي في صورة التفاضل المفروغية عنه.

وهو مبتن على ما أشرنا إليه غير مرة وادعاه شيخنا الأعظم قدّس سرّه وغيره من الإجماع على جواز التقليد مطلقا للعامي وعدم تكليفه بالاحتياط. وبه يخرج عن أصالة التساقط في المتعارضين بعد قصور الإطلاقات عن شمولهما ـ كما عرفت ـ وعدم نهوض سيرة العقلاء ـ التي هي عمدة أدلة المسألة ـ بالتخيير ، بل

٣٦٠