المحكم في أصول الفقه - ج ٦

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٦

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٢٥
  نسخة غير مصححة

ولازم ذلك أنه لو تعارض أحد أفراد القسم الأول مع أحد أفراد القسم الثاني تعين الثاني للحجية عملا باطلاق دليله بعد فرض قصور دليل الأول عن صورة التعارض.

فلو تعارض قطعي الصدور الذي هو ظني الدلالة أو الجهة ، مع قطعي الدلالة والجهة الذي هو ظني الصدور ، كان الترجيح للثاني ، لاستناد أصالة الصدور فيه لعموم حجية خبر الثقة واستناد أصالة الظهور والجهة في الأول لبناء العقلاء الذي لا عموم له يشمل حال التعارض.

اللهم إلا أن يقال : لم يتضح الدليل على عموم حجية خبر الثقة ، وانما يستفاد مما كان واردا مورد الامضاء لسيرة العقلاء ، فيشكل عمومه لصورة معارضة أصالة الظهور له ، بل الارتكازيات العرفية تقضي بتساقطهما لمانعية التعارض من حجيتهما ، على ما سبق في تقريب أصالة التساقط.

نعم ، يتجه ذلك في موارد الجمع العرفي ، بحمل ظني الدلالة على ما لا ينافي قطعيّها ، حيث يكون قطعيّها بضميمة أصالة الصدور قرينة على التصرف في ظنيها ، ويخرج عن باب التعارض على ما سبق توضيحه.

وأما توهم العكس ولزوم تقديم الدليل القطعي الصدور وإن كان ظني الدلالة على ظني الصدور وإن كان قطعي الدلالة ، لدعوى قصور بناء العقلاء على حجية خبر الثقة عن صورة معارضته لمقطوع الصدور ، بخلاف بنائهم على حجية الظهور ، لعدم رفعهم اليد عن الدليل القطعي معه إلا بيقين.

فلا مجال له ، لعدم وضوح أقوائية أصالة الظهور عندهم من خبر الثقة ، ولا سيما مع ثبوت كثرة مخالفته وقوة احتمال ضياع القرائن الموجبة لتبدل ظهوره ، لعدم الإحاطة بظروف صدور الكلام وما يقارنه من قرائن حالية ومقالية.

هذا ، ونظير ما سبق ما ذكره بعض مشايخنا من أنه لو تعارض مقطوع الصدور ـ كالكتاب أو السنة المتواترة ـ مع مظنون الصدور ، وهو خبر الواحد ،

١٦١

تعين الأخذ بمقطوع الصدور لا للترجيح بينهما في ظرف حجية كل منهما ، بل لخروج مظنون الصدور عن موضوع الحجية بسبب التعارض لما استفاضت به الأخبار الكثيرة من عدم جواز الأخذ بالخبر المخالف للكتاب والسنة ، وأنه زخرف وباطل لم يصدر عنهم عليهم السّلام.

لكن ما ذكره إنما يتم إذا كان التعارض بنحو التباين الذي يتعذر معه الجمع ، دون ما إذا كان بمجرد تصادم الظهورين ، بنحو يمكن فيه تنزيل كل منهما على الآخر ، كالعامين من وجه ، إذ يخرج ذلك عن مفاد النصوص المشار إليها ، كما سبق في أول الكلام في حجية خبر الواحد.

فلا بد في توجيه تقديم قطعي الصدور بالترجيح المتأخر رتبة عن التعارض.

أما لو كان المعارض هو السنة فلدخوله في ما تضمن ترجيح المشهور رواية معللا بأن المشهور لا ريب فيه.

وأما لو كان هو الكتاب فلأن نصوص الترجيح وإن اختصت بتعارض الأخبار إلا أن المستفاد عرفا من الترجيح بينها بموافقة الكتاب هو ترجيح الكتاب عليها عند التعارض بينهما. بل قد يستفاد ذلك من التعليل المشار إليه في الترجيح بالشهرة والرواية. فلاحظ.

١٦٢

المقام الثاني

في مقتضى الأدلة الخاصة في المتعارضين

حيث سبق أن الأصل في المتعارضين التساقط فلا مخرج عنه إلا النصوص الواردة في تعارض الأخبار الواردة عن المعصومين عليهم السّلام ، المتضمنة للترجيح والتخيير أو التوقف. بل ربما ادعي الإجماع على عدم الرجوع فيها لأصالة التساقط ، على ما يأتي الكلام فيه.

ولا يخفى أن النصوص المذكورة ـ كالإجماع ـ مختصة بتعارض الأخبار ، ولا تشمل معارضة غيرها لها ، كما لا تشمل تعارض غيرها من الأدلة بعضها مع بعض ، وإن أشرنا قريبا إلى إمكان استفادة ترجيح الكتاب على الأخبار في بعض الصور.

ويأتي في آخر الكلام في هذا المقام بعض الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

والظاهر عموم تعارض الأخبار الذي هو مورد النصوص المذكورة لتعارض الخبرين المظنوني الصدور والمقطوعي الصدور والمختلفين.

وما سبق من بعض مشايخنا من قصوره عن المختلفين قد عرفت الإشكال فيه على عمومه.

كما أن ما يظهر منه من قصوره عن القطعيين أيضا وتعين الرجوع فيهما لأصالة التساقط واختصاص نصوص المقام بالظنيين ، غير ظاهر الوجه أيضا مع إمكان تحقق التعارض بين القطعيين بلحاظ عدم قطعية الدلالة أو الجهة فيهما ، ومع إطلاق نصوص المقام ، ولا سيما مقبولة ابن حنظلة ، التي فرض فيها

١٦٣

التعارض بين الخبرين المشهورين مع ما تضمنته من أن المشهور لا ريب فيه ، فإن ذلك لو لم يختص بتعارض القطعيين فلا أقل من كونه من أظهر أفراده.

غاية الأمر أنه لا مجال لجريان المرجحات السندية فيه ، وهو غير مهم في محل الكلام.

هذا ، وأما عموم نصوص المقام وخصوصها من غير هذه الجهة فالأنسب التعرض له بعد الكلام في مفاد نصوص المقام وتعيين ما عليه المعول منها.

إذا عرفت هذا ، فالمعروف وجوب الترجيح في الجملة ، عملا بنصوصه ، ثم التخيير أو التوقف أو الاحتياط على ما يأتي الكلام فيه.

لكن ذهب السيد الصدر ـ في ما حكي عنه ـ والمحقق الخراساني قدّس سرّه إلى عموم التخيير بين الأخبار المتعارضة ، تقديما لنصوصه على نصوص التوقف والاحتياط ، وتحكيما لعمومه على نصوص الترجيح التي هي أخص ، مع حمل نصوص الترجيح على الاستحباب أو تمييز الحجة عن اللاحجة ، لا الترجيح بين الحجتين الذي هو محل الكلام.

والنظر في ذلك يستدعي الكلام في ثلاثة فصول ، يتضمن الأول منها البحث في الترجيح دليلا وموردا ، لتقدمه طبعا ، ويتضمن الثاني البحث في حكم صورة عدمه ، إما لعدم ثبوته أو لعدم تحقق المرجحات المعتبرة ، وهو المراد بالتعادل في كلماتهم ، ويتضمن الثالث البحث في مسائل تتعلق بمفاد الأدلة الخاصة الواردة في علاج التعارض لا يستغنى عنها. ونسأله سبحانه العون على ذلك والتسديد فيه.

١٦٤

الفصل الأول

في الترجيح

والكلام فيه في مباحث ..

المبحث الأول

في أدلته

وحيث كان بعض الوجوه المستدل بها عليه ظاهر الوهن فلا ينبغي التعرض له وإطالة الكلام فيه.

وما ينبغي التعرض له وجهان ..

الأول : ما أشار إليه شيخنا الأعظم قدّس سرّه من الإجماع المحقق ، والسيرة القطعية.

وكأن المراد بالسيرة سيرة العلماء في مقام الاستدلال ، في مقابل إجماعهم القولي المستفاد من تصريحهم بالحكم عند التعرض للمسألة الاصولية ومن إيداعهم نصوصه في كتبهم المبنية على حفظ الأخبار المعتمدة. وإلا فسيرة المتشرعة في مقام العمل لا مجال لها في المسألة الاصولية التي ليس من شأنهم الرجوع إليها.

وقد أنكر المحقق الخراساني قدّس سرّه الإجماع المذكور ، فذكر أنه لا مجال لدعواه مع ذهاب مثل الكليني قدّس سرّه للتخيير ، حيث قال في ديباجة الكافي : «ولا نجد شيئا أوسع ولا أحوط من التخيير».

لكن ما نقله عن الكليني لا يناسب كلامه في ديباجة الكافي ، حيث قال :

١٦٥

«فاعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحدا تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء عليهم السّلام برأيه ، إلا على ما أطلقه العالم بقوله عليه السّلام : «اعرضوهما على كتاب الله ، فما وافى كتاب الله عزّ وجل فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردوه» وقوله عليه السّلام : «دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم» ، وقوله عليه السّلام : «خذوا بالمجمع عليه فإن المجمع عليه لا ريب فيه» ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله. ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم عليه السّلام وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله عليه السّلام : «بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم». وقد يسر الله وله الحمد تأليف ما سألت ...».

فإن ظاهره لزوم الترجيح مع الاطلاع على المرجحات وأن الرجوع للتخيير عند الجهل بها توسعة منهم عليهم السّلام. ومن هنا لا مجال لإثبات الخلاف وإنكار دعوى الإجماع من شيخنا الأعظم قدّس سرّه المؤيدة بارتكازية الحكم ومعروفيته عند الأصحاب ، تبعا للنصوص الواردة به التي يبعد فهمهم منها لما ذكره المحقق الخراساني.

ودعوى : أن موافقتهم للنصوص مانعة من الاحتجاج بإجماعهم لو تم ، لكونه مدركيا ، بل يجب النظر في مدركه.

مدفوعة : بأن موافقتهم للنصوص التي هي في نفسها قابلة للتشكيك ـ لو فرض ـ لا يمنع من حصول القطع من إجماعهم في الحكم الذي يكثر الابتلاء به ويمتنع عادة الخطأ فيه ، حيث يكشف عن أن ما فهموه من النصوص هو المراد الواقعي للشارع ، فتكون قرينة قطعية على مطابقة ما فهموه منها للواقع.

نعم ، ثبوت الإجماع بالنحو الموجب للقطع بالحكم والصالح للاحتجاج بهذا المقدار وإن كان قريبا ، إلا أنه لا يخلو عن إشكال ، لعدم شيوع التعرض منهم للمسألة الاصولية وعدم تيسر الاستيعاب لكلماتهم في الفقه في مقام الاستدلال بالنحو الكافي في معرفة اتفاقهم.

١٦٦

الثاني : النصوص المشتملة على المرجحات على اختلاف في تعدادها ..

منها : مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله عليه السلام الواردة في الخصومة ، حيث قال السائل فيها بعد أن أمر الإمام عليه السّلام بالرجوع لرواية أحاديثهم عليهم السّلام : «فإن كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما ، واختلفا في ما حكما وكلاهما اختلف في حديثكم (حديثنا خ ل) فقال : الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر. قال : فقلت : فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل (ليس يتفاضل) واحد منهما على صاحبه. قال : فقال : ينظر الى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ، فإن المجمع عليه لا ريب فيه ... قلت : فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال : ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة. قلت : جعلت فداك ان رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال : ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت : جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا. قال : ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت : فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟ قال : إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (١).

وقد استشكل فيها بعض مشايخنا بضعف السند ، لعدم النص على توثيق عمر بن حنظلة.

ولا مجال له بعد تلقي الأصحاب لها بالقبول ، حتى عرفت بالمقبولة

__________________

(١) الوسائل ج : ١٨ كتاب القضاء باب : ٩ من ابواب صفات القاضي حديث : ١.

١٦٧

ورواها المشايخ الثلاثة معتمدين عليها ، مع علو متنها واشتمالها على أحكام متعددة في القضاء والتعارض اعتمد عليها الأصحاب فيها.

مع أن عمر بن حنظلة وإن لم ينص على توثيقه في كتب الرجال ، إلا أن القرائن تشهد بوثاقته وعلو مقامه ..

منها : كثرة رواياته عنهم عليهم السّلام مع تلقي الأصحاب لها بالقبول وروايتهم لها في الأصول.

ومنها : رواية جماعة من الأعيان عنه فيهم غير واحد من أصحاب الإجماع ، بل فيهم صفوان بن يحيى الذي قيل أنه لا يروي إلا عن ثقة.

ومنها : بعض الروايات التي تشهد بوثاقته وعلو مقامه ، وإن قيل : إنها ضعيفة السند.

فإن ذلك بمجموعه موجب للركون إلى رواياته ، بل بعضه حجة على ذلك ، خصوصا هذه الرواية المحتفة بما ذكرنا.

ومثله ما ذكره المحقق الخراساني قدّس سرّه من أن موردها تعارض الحكمين في القضاء الذي لا مجال فيه للتخيير ، لعدم فصل الخصومة به ، ولذا أرجأ عليه السّلام الأمر مع عدم الترجيح إلى لقاء الإمام ، ولا وجه للتعدي عنه إلى الفتوى التي يمكن فيها التخيير من أول الأمر.

لاندفاعه : بأن لسان الترجيح فيها يأبى الجمود على مورد التخاصم ، لظهوره في عدم صلوح المرجوح لأن يرجع إليه ، كما هو المناسب لقوله عليه السّلام : «فإن المجمع عليه لا ريب فيه» ، وقوله عليه السّلام : «ما خالف العامة ففيه الرشاد» ، لوضوح أن لزوم ترك ما فيه الريب لما لا ريب فيه ، وما لا رشاد فيه إلى ما فيه الرشاد ، من القضايا الارتكازية التي لا تختص بالقضاء.

ولذا كان المستفاد منها عرفا خطأ الحكم على طبق المرجوح ، بحيث لا ينبغي لصاحبه العود له في واقعة اخرى وإن لم يكن له فيها مخالف في

١٦٨

التحكيم ، لا صدور الحكم في محله لحجية مستنده وإن لم يجب تنفيذه بسبب الاختلاف.

على أنه لا مجال لذلك بناء على أن المرجع مع عدم الترجيح هو التوقف أو التساقط ، لأن خصوصية القضاء لا تمنع منهما ، بل من التخيير ، وإلا فلا يحتمل حجية الراجح في القضاء والتخاصم ، دون الفتوى ، بحيث لا يسوغ للمكلف ترتيب الأثر عليه في حكم نفسه إلا في فرض وجود الخصم المنازع له المستدعي للترافع والحكومة.

ومما ذكرنا يظهر اندفاع ما استشكل به فيها أيضا من اختصاصها بزمان الحضور ، ولا تعم زمان الغيبة ، بقرينة ما في ذيلها من الارجاء مع التعادل إلى لقاء الإمام عليه السّلام دون التخيير.

وجه الاندفاع : إباء لسان الترجيح عن الاختصاص بزمان الحضور ، لما سبق ، بل لا مجال له لإلغاء خصوصية المورد عرفا ـ مع قطع النظر عما سبق ـ كما هو الحال في غيره من الأحكام التي تضمنتها ، حيث كان بناء الأصحاب على شمولها لزمان الغيبة.

ومنها : صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله المروي في رسالة القطب الراوندي : «قال الصادق عليه السّلام : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه ، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة ، فما وافق أخبارهم فذروه ، وما خالف أخبارهم فخذوه» (١).

ومنها : صحيح الحسن بن الجهم المروي في الرسالة المذكورة : «قلت للعبد الصالح : هل يسعنا في ما ورد منكم الا التسليم لكم؟ فقال : لا والله لا يسعكم إلا التسليم لنا. قلت : فيروى عن أبي عبد الله عليه السّلام شيء ويروى عنه خلافه ،

__________________

(١) الوسائل ج : ١٨ ، باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٢٩.

١٦٩

فبأيهما نأخذ؟ فقال : خذ بما خالف القوم وما وافق القوم فاجتنبه» (١).

هذا ما تيسر لي العثور عليه من النصوص المعتبرة السند. وهناك نصوص اخرى لا تبلغ درجة الاعتبار تصلح للتأييد.

منها : خبر الحسين بن السري المروي في الرسالة المذكورة بسند فيه إرسال : «قال أبو عبد الله عليه السّلام : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم» (٢).

ومنها : الصحيح عن محمد بن عبد الله المروي في الرسالة المذكور : «قلت للرضا عليه السّلام : كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟ فقال : إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا إلى ما يخالف منهما العامة فخذوه ، وانظروا إلى ما يوافق أخبارهم فدعوه» (٣).

ومنها : مرفوعة زرارة : «سألت الباقر عليه السّلام فقلت : جعلت فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيهما اخذ؟ فقال : يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر. فقلت : يا سيدي إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم. فقال : خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك. فقلت : إنهما معا عدلان مرضيان موثقان. فقال : انظر ما وافق منهما العامة فاتركه وخذ ما خالف ، فإن الحق في ما خالفهم. فقلت : ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ قال : إذن فخذ ما فيه الحائطة لدينك واترك الآخر. قلت : إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقال : إذن فتخير أحدهما فتأخذ به ودع الآخر (٤).

__________________

(١) الوسائل ج : ١٨ ، باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٣١.

(٢) الوسائل ج : ١٨ ، باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٣٠.

(٣) الوسائل ج : ١٨ ، باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٣٤.

(٤) الحدائق : ج ١ ص ١٣ في المقدمة السادسة ، طبع النجف الأشرف.

١٧٠

وهناك نصوص أخر ذكرها شيخنا الأعظم في نصوص الترجيح ، بعضها ليس منها في الحقيقة ، وبعضها مورد للكلام ربما يأتي التعرض له في محل آخر. والمهم ما ذكرنا وفيه الكفاية في إثبات الترجيح في الجملة.

هذا ، وقد استشكل المحقق الخراساني قدّس سرّه في نصوص الترجيح ..

تارة : بأن عمدتها المقبولة والمرفوعة وهما مختلفان في بيان المرجحات. مع ضعف سند الثانية ، واختصاص الأولى بالقضاء وبعصر الحضور ، فلا مجال للتعدي منهما للفتوى في عصر الغيبة.

واخرى : بأنه لا مجال لتقييد إطلاقات التخيير الواردة من غير استفصال عن تعادل الخبرين وتفاضلهما بصورة تساوي الخبرين من جميع الجهات ، لندرة ذلك بنحو يستلزم التخصيص المستهجن.

ويندفع الأول : ـ مضافا إلى ما سبق من إباء لسان المقبولة عن الجمود على المورد المذكور ـ بأن الأمر لا ينحصر بالمقبولة والمرفوعة ، لوفاء غيرهما مما تقدم به مما هو تام دلالة وسندا.

وأما اختلاف المقبولة والمرفوعة فهو غير ضائر بعد ضعف المرفوعة. على أنه يمكن الجمع عرفا بينهما ، كما يمكن الجمع بينهما وبين غيرهما على ما يأتي الكلام فيه عند الكلام في المرجحات.

كما يندفع الثاني : بأن المرجحات المنصوصة ليست من الكثرة بنحو يمتنع حمل مطلقات التخيير ـ لو تمت ـ عليها ، فغاية ما يلزم عدم التعدي عن المرجحات المنصوصة وليس هو محذورا على ما يأتي.

على أن ذلك لا يقتضي تعين نصوص الترجيح للسقوط ، بل تقتضي التعارض بينها وبين نصوص التخيير ، المقتضي للتساقط والبناء على الترجيح لأنه المتيقن.

وتنزيل نصوص الترجيح على الاستحباب يأباه لسان بعضها ، كالمقبولة ،

١٧١

فليس هو جمعا عرفيا.

ثم إنه قدّس سرّه حاول تنزيل نصوص الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة على تمييز الحجة عن اللاحجة ، لا الترجيح بين الحجتين الذي هو محل الكلام. ويأتي الكلام في ذلك عند الكلام في المرجحين المذكورين إن شاء الله تعالى.

إلا أن الظاهر أنه لا أثر لذلك في دفع إشكال تقييد إطلاقات التخيير ، لأن حملها على صورة عدم التفاضل بين الخبرين في ذلك إن أمكن أمكن حتى مع تمامية موضوع الحجية في الخبرين المتعارضين ، وإلا تعذر حتى مع فقد أحدهما لموضوع الحجية.

هذا ، وربما يستشكل في نصوص الترجيح بمخالفتها لبعض النصوص ، كصحيح ابن أبي يعفور أو موثقه : «سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به. قال : إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وإلا فالذي جاءكم به أولى به» (١).

وما عن مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال لعلي بن محمد : «أن محمد بن علي بن عيسى كتب إليه يسأله عن العلم المنقول عن آبائك وأجدادك عليهم السّلام قد اختلف علينا فيه ، فكيف العمل به على اختلافه ، أو الرد إليك في ما اختلف فيه؟ فكتب عليه السّلام : ما علمتم أنه قولنا فالزموه ، وما لم تعلموا فردوه إلينا» (٢) ، ونحوه مكاتبة داود بن فرقد الفارسي (٣).

ومرسل الاحتجاج عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه السّلام : «قلت : يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به والآخر ينهانا عنه. قال : لا تعمل بواحد

__________________

(١) الوسائل ج : ١٨ ، باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ١١.

(٢) الوسائل ج : ١٨ ، باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٣٦ والموجود في مستطرفات السرائر يخالف ما اثبتناه عن الوسائل قليلا.

(٣) مستدرك الوسائل باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ١٠ وبصائر الدرجات ج : ١٠ ، باب ٢ ، حديث ٢٦ في ص ٥٣٤.

١٧٢

منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله. قلت : لا بد أن نعمل بواحد منهما. قال : خذ بما فيه خلاف العامة» (١).

لظهور الأول في لزوم تحصيل الشاهد من الكتاب والسنة ، والمكاتبتين في التساقط وعدم حجية غير العلم ، والمرسل في وجوب التوقف عن كلا الخبرين ، واختصاص الترجيح بمخالفة العامة بحال الضرورة.

ويندفع : بظهور الأول في إناطة أصل الحجية بوجود الشاهد من الكتاب والسنة ، لا الترجيح بذلك عند التعارض بين الخبرين الحجة ، لأن المفروض فيه التعارض بين خبر الثقة وغيره ، فلو كان خبر الثقة حجة لم يصلح الثاني لمعارضته ، فهو كسائر النصوص المانعة من حجية خبر الواحد التي تقدم في أول الكلام في حجية خبر الواحد عدم التعويل عليها.

وأما المكاتبتان فهما وإن كانتا ظاهرتين في اختلاف الحجتين ، لظهورهما في أن موجب التوقف والسؤال هو الاختلاف ، لا احتمال قصور موضوع الحجية في أحدهما أو كليهما ، إلا أنه لا مجال للتعويل عليهما ـ حتى لو تم سندهما ـ لظهور إعراض الأصحاب عنهما والعمل بنصوص الترجيح ، وربما يحملان على صورة التحير لفقد المرجح ، جمعا مع نصوص الترجيح.

وأما الثالث فهو ـ مع ضعفه في نفسه ـ محمول على تيسير الوصول للامام عليه السّلام من دون حرج ، أو على استحباب التوقف مع سهولته ، جمعا مع نصوص الترجيح التي يتعذر حملها على صورة الاضطرار للعمل ، لندرتها ، ولإباء بعضها عن ذلك كمقبولة ابن حنظلة الآتية الآمرة بالتوقف وارجاء الأمر الى لقاء الإمام عند فقد المرجحات. فلاحظ.

__________________

(١) الوسائل باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٤٢.

١٧٣

المبحث الثاني

في المرجحات المنصوصة

النصوص المتقدمة مختلفة في تعيين المرجحات وتعدادها ، كما أن هناك نصوصا اخرى قد يستفاد منها مرجحات اخرى قد اهملت في هذه النصوص ، فينبغي التعرض لكل مرجح تضمنته النصوص المتقدمة أو غيرها أو ادعي استفادته منها ، والنظر في دليله وحدوده ، وهي أمور ..

الأول : صفات الراوي من الأعدلية والأفقهية والأصدقية والأورعية والأوثقية.

فإن ظاهر شيخنا الأعظم قدّس سرّه اعتبار الترجيح بها ، بل معروفية الرجوع إليها بين الأصحاب ، حتى أنه بعد أن ذكر كلام الكليني قدّس سرّه السابق الخالي عنها ، قال : «ولعله ترك الترجيح بالأعدلية والأوثقية لأن الترجيح بذلك مركوز في أذهان الناس غير محتاج إلى التوقيف».

لكن وضوح المرجح لا يصحح إهماله.

وكذا ما احتمله في الحدائق حاكيا له عن بعض مشايخه من توجيه إهمال الكليني لذلك بأن اخبار كتابه كلها صحيحة ، فإن الصحة بمعنى القطع بالصدور مما يبعد بناؤه قدّس سرّه عليها ، وبمعنى الوثوق المصحح للعمل ـ لو تم بناؤه عليها ـ لا تنافي التفاضل بينها. بل ليس هو قدّس سرّه بصدد بيان حكم تعارض أخبار كتابه فقط ، بل في مقام بيان حكم تعارض الأخبار مطلقا ، كما يظهر بمراجعة تمام كلامه.

كيف! ولو كان في غنى عن الترجيح بصفات الراوي التي هي من المرجحات الصدورية لم يكن وجه لذكره الترجيح بشهرة الرواية.

١٧٤

كما أن ما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه من معروفية الرجوع للمرجح المذكور بين الأصحاب لم أتحققه في ما تيسر لي الاطلاع عليه من كلماتهم في أبواب الفقه عند الابتلاء بها.

مع أن الدليل على ذلك غير ظاهر ، لعدم التعرض له في نصوص المقام عدا قوله عليه السّلام في مقبولة ابن حنظلة : «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر ...» وقوله عليه السّلام في مرفوعة زرارة : «خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك ...».

لكن المقبولة ظاهرة في ترجيح الحكمين قبل الانتقال إلى ترجيح الروايتين المستندتين لهما ، ولا وجه للتعدي من ذلك لترجيح نفس الروايتين.

ومثلها في ذلك موثق داود بن الحصين ، وخبر موسى بن أكيل (١) ، الوارد ان في الترجيح بين الحكمين من دون تعرض للترجيح بين الروايتين أصلا.

وأما ما ذكره بعض الأعاظم قدّس سرّه من أنه لما كان منشأ اختلاف الحكمين هو اختلاف الروايتين فيستفاد من ذلك أن المناط في ترجيح أحد الحكمين على الآخر بالصفات لكون مثل هذه الصفات مرجحة لمنشا الحكم ، وهو الرواية. ويؤيد ذلك أن الأصدقية إنما تناسب ترجيح الرواية لا نفس الحكم.

ففيه : أن ترجيح الحكمين بالصفات المذكورة قد يكون بلحاظ أنها تقتضي حسن الظن بالحاكم الأفضل في اختياره لمدرك حكمه وجريه فيه على أفضل الموازين التي يبتني الاستدلال عليها ، فيستغنى بذلك عن تكلف النظر في مدركه ، من دون أن يرجع إلى تصديقه في روايته. كيف وأصدقية أحد الحاكمين لا تستلزم أصدقية روايته ، لإمكان ضعفها بلحاظ وسائط السند الاخرى أو القرائن المحيطة بها وبمعارضتها.

__________________

(١) الوسائل ج : ١٨ ، باب ٩ من أبواب القضاء حديث : ٢٠ ، ٤٥.

١٧٥

وأما المرفوعة فهي ضعيفة جدا ، حيث لم يذكرها إلا ابن أبي جمهور الأحسائي في كتاب عوالي اللئالي عن العلامة مرفوعة إلى زرارة ، وقيل إنه لم يعثر عليها في كتب العلامة قال في الحدائق : «لم نقف عليها في غير كتاب عوالي اللئالي مع ما هي عليه من الرفع والإرسال وما عليه الكتاب المذكور من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الأخبار والإهمال وخلط غثها بسمينها وصحيحها بسقيمها ، كما لا يخفى على من وقف على الكتاب المذكور».

ومنه يظهر أنه لا مجال لدعوى انجباره بعمل الأصحاب ـ بناء على ما سبق من شيخنا الأعظم قدّس سرّه ـ لتوقف ذلك على اشتهار الحديث عندهم وتداوله بينهم ، كي يرجعوا إليه في مقام العمل ، ولا يكفي في انجباره موافقتهم له من دون ذلك.

هذا ، وقد قرب شيخنا الاستاذ قدّس سرّه الاعتبار بصفات الراوي بأنه لا يبتني على الترجيح بين الحجتين ، بل على اختصاص موضوع الحجية بالأرجح ، لارتفاع موضوع الحجية عن خبر الثقة بمعارضة خبر الأوثق له ، حيث يرتفع الوثوق به ويختص به خبر الأوثق.

ومن ثمّ كانت سيرة العقلاء ـ التي هي عمدة أدلة حجية خبر الثقة ـ على العمل بخبر الأوثق عند التعارض ، ولا يحتاج لأدلة الترجيح الخاصة.

وفيه .. أولا : أن هذا قد يتم في ما إذا كان مرجع الأوثقية الى قوة ضبط الشخص في مورد احتمال الخطأ والغافلة ، حيث يبتني العمل بخبر الضابط على أصالة عدمهما المعول عليها في من لم تقم أمارة على خطئه وعدم ضبطه ، ولا يبعد كون معارضة خبر الأضبط لخبر غيره أمارة على عدم ضبط غيره في ذلك الخبر فيرتفع موضوع الأصل المذكور فيه ، نظير معارضة الأعلم لغيره في الاجتهاديات والحدسيات ، ولا يجري في الأوثقية الراجعة إلى الأصدقية المستلزمة لشدة التورع وقوة الدين ، مع قطع النظر عن الضبط.

١٧٦

فإن تقديم أحد الخبرين المتعارضين في ذلك حيث يرجع إلى تكذيب الآخر فلا مجال له مع فرض وثاقته وصدقه في نفسه ، وإلا لم يعمل بسائر أخباره حتى مع عدم المعارضة ، إذ ليس بناء العقلاء على تصديق من ثبت كذبه ، فلا يكون الترجيح به عقلائيا عرفيا ، بل يكون تعبديا محضا محتاجا إلى دليل خاص.

ومن الظاهر أن رجوع التعارض بين الخبرين إلى عدم ضبط أحد الراويين إنما يتجه في مثل اختلاف النسخ واختلاف رجال السند في الخبر الواحد ونحوهما مما يرجع لاحتمال التصحيف والخطأ ، دون غيرها من صور التعارض مما لا يستند عرفا لخطأ أحد الراويين وغفلته.

وثانيا : أن هذا إنما يتم إذا كان التعارض مستلزما للعلم بكذب أحد الخبرين المتعارضين وعدم صدوره ، دون ما إذا احتمل صدور كل منهما واستناد التعارض بينهما لأمر آخر من تقية أو نحوها ، كما هو الشائع أو الغالب في تعارض أخبار الثقات ، حيث لا وجه لارتفاع الوثوق بخبر الثقة بمجرد معارضته بخبر الأوثق.

كما لا يتعين حينئذ بنظر العقلاء اللجوء للمرجح الصدوري ، من الأوثقية ونحوها ، بل هو أمر تعبدي محض محتاج إلى دليل خاص.

وقد ظهر مما ذكرنا قوة الرجوع للأضبطية في مثل اختلاف النسخ مما كان منشأ الاختلاف فيه منحصرا بخطإ النقل وغفلة الناقل. وهو لا يختص باختلاف الناقلين ، بل يجري في اختلاف كتابي الشخص الواحد إذا ابتنى النقل في أحدهما على مزيد الضبط والإتقان وشدة المحافظة على المتن بخصوصياته.

نعم ، المتيقن من ذلك ما إذا كان التفاوت في الضبط بنحو معتد به ، ولا يكفي أدنى التفاوت في ذلك. فلاحظ.

١٧٧

الثاني : الشهرة.

وقد انفردت بها من النصوص السابقة مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة ، كما تضمنها مرسل المفيد الآتي في الترجيح بموافقة الكتاب ، وحيث سبق عدم التعويل على المرفوعة ، كما أن المرسل لا ينهض بالاستدلال ينحصر الدليل على الترجيح بها بالمقبولة.

ولا ينبغي التأمل في أن المراد بها الشهرة في الرواية ، كما هو مقتضى إضافة الإجماع والشهرة إليها ـ لا إلى الحكم الذي تضمنته ـ في المقبولة والمرفوعة ، بل ظاهر المقبولة أن المراد بالشهرة ما يساوق الإجماع ومع فرضها في كلا المتعارضين مع وضوح امتناعه في الفتويين المتعارضتين معا ، وإنما يمكن في الروايتين ، بأن يكون كل منهما مجمعا على روايته معروفا عند الأصحاب مشهورا بينهم.

ومن هنا استشكل بعض مشايخنا في كون الإرجاع إليها ترجيحا بين الحجتين ، بدعوى : أن شهرة الرواية توجب العلم بصدورها ، فيكون المعارض لها مخالفا للسنة القطعية ويسقط عن موضوع الحجية ، لأن المراد بمخالفة السنة المسقطة للخبر عن الحجية مخالفة سنة المعصوم لا خصوص سنة النبي صلّى الله عليه وآله فالمقام من تعيين الحجة عن اللاحجة الخارج عن محل الكلام.

وفيه .. أولا : أن حمل مخالفة السنة على مطلق سنة المعصوم لا يخلو عن إشكال بعد اختصاص النص بسنة النبي صلّى الله عليه وآله.

وما تضمن أن كلامهم عليهم السّلام مأخوذ من كلامه صلّى الله عليه وآله وأنهم خلفاؤه المعبرون عنه والناطقون بعلمه ، إنما ورد لبيان حجية كلامهم عليهم السّلام ووجوب الرجوع له ككلامه صلّى الله عليه وآله ، ولا ينافي اختصاص العرض المقصود به جعل الضابط لحجية الأخبار بسنته صلّى الله عليه وآله التي لا يحتمل فيها التقية ، والتي تمتاز بمكانة سامية في نفوس المسلمين تجعلها سببا للتشهير بمخالفها والتنفير عنه ، بخلاف

١٧٨

سنتهم عليهم السّلام.

وثانيا : أن اللازم حمل ما تضمن بطلان الخبر المخالف لسنة النبي صلّى الله عليه وآله على المخالفة بنحو التباين ، لتصادم الكلامين عرفا ، دون مثل العموم من وجه مما يرجع لتصادم الظهورين ، لما سبق في أول الكلام في حجية خبر الواحد ، وسبق نظيره في آخر المقام السابق ، فيتعين كون الإرجاع للشهرة حينئذ ترجيحا بين الحجتين ، الذي هو محل الكلام.

وثالثا : أن شهرة الخبر لا توجب القطع بصدوره ، بل الاطمئنان به والركون إليه وإن كان خبر واحد في مقابل الشاذ النادر الذي أهمله الأصحاب ، ولم تعرف روايته بينهم ، حيث يرتاب فيه وإن كان راويه ثقة في نفسه ، لاحتمال دسه في كتابه أو نحوه.

ولا ينافي ذلك التعليل في المقبولة بأن المجمع عليه لا ريب فيه ، لأن الريب كما يطلق على الشك المقابل للعلم يطلق على الظنة والتهمة ، المقابلة للاطمئنان والركون ، ولعل الثاني هو المعنى الأصلي له ، وهو الانسب بالمقابلة بالشاذ النادر.

ويؤيد ذلك الترجيح بصفات الراوي في مرفوعة زرارة بعد فرض كون الخبرين مشهورين ، مع وضوح كون الصفات من المرجحات الصدورية التي لا موقع لها في القطعيين.

وحمل الشهرة في المرفوعة على الشهرة الفتوائية لأجل ذلك بعيد جدا عن ظاهرها.

نعم ، لو كان شذوذ الخبر وندوره مساوقا لهجر الأصحاب له عملا خرج عن موضوع الحجية ، على ما ذكرناه في محله ، إلا أنه خارج عما نحن فيه إذ الكلام في شهرة الرواية بما هي مع قطع النظر عن العمل ، ولذا لا يختص ذلك بالشاذ النادر ، بل يجري في غيره.

١٧٩

هذا ، وقد استشكل بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه في الاستدلال على الترجيح بالشهرة بالمقبولة بأنها بالإضافة للمرجح المذكور مهجورة عند الأصحاب في موردها ، وهو القضاء والخصومة ، إذ ليس بناء الأصحاب على النظر في مدرك الحكمين ، بل مع تعاقبهما ينفذ الأسبق منهما ، ومع تقارنهما يتساقطان ويرجع الى حاكم ثالث ، ومع ذلك لا مجال للتعدي عن موردها في الترجيح بالشهرة في تعارض الخبرين.

ويندفع : بعدم وضوح وهن نصوص الترجيح بين الحكمين بإعراض الأصحاب المدعى. ولو تم الإجماع على عدم النظر في مدرك الحكمين أمكن كشفه عن تبدل الجعل ، لأن ولاية الحاكم الشرعي على القضاء ليست حكما شرعيا كليا ، بل هي حكم جزئي مستند لنصب الإمام له بجعل خاص ، وهو قابل للتبديل ، وحينئذ لا يمنع ارتفاع الترجيح بين الحكمين من العمل بالمقبولة في الترجيح بين الخبرين بعد ظهورها في عدم خصوصية موردها. فلاحظ.

ثم إن المعيار في هذا المرجح على ما تضمنته المقبولة والمرفوعة من كون أحد الخبرين مشهورا معروفا بين الأصحاب والآخر شاذا نادرا.

وأما مجرد كون أحدهما أكثر رواة من الآخر من دون أن يبلغ ذلك ، فلا دليل على الترجيح به ، وإن كان هو الظاهر من الشيخ قدّس سرّه في الاستبصار ومحكي العدة ، بل ظاهر كل من عبر بأشهرية أحد الخبرين.

ولعله يبتني على التعدي عن المرجحات المنصوصة ، الذي يأتي الكلام فيه في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى.

الثالث : موافقة الكتاب.

وقد تضمنته مقبولة ابن حنظلة وصحيح عبد الرحمن المحكي عن رسالة القطب الراوندي المتقدمان في نصوص الترجيح ، والمرسل الذي تضمنه كلام الكليني المتقدم عند الكلام في الإجماع على الترجيح ومرسل المفيد المحكي

١٨٠