🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٦

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٦

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٢٥
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦
🚘 نسخة غير مصححة

ولا سيما مع اعتضاد المقبولة ـ في الجملة ـ بصحيح عبد الرحمن المتضمن تقديم موافقة الكتاب على مخالفة العامة ، وتأيدها بمرفوعة زرارة المتضمنة تقديم الشهرة على مخالفة العامة ، مع قرب كون إهمال بعض المرجحات في بعض النصوص لوضوح حالها ، بنحو يكون كالقرينة على فرض التكافؤ فيها ، واحتمال كون الاقتصار في بعضها على مخالفة العامة ناشئا عن كونه المرجح المهم الذي يكثر الابتلاء به ، ويغلب كونه منشأ الاختلاف بين النصوص.

وأما ما تضمنه مرسل المفيد ـ المتقدم في الترجيح بموافقة الكتاب ـ من تقديم موافقة الكتاب على الشهرة في الرواية ، فلا مجال للتعويل عليه في قبال ما سبق.

٢٢١

المبحث الخامس

في الجهل بوجود المرجح

سبق من الكليني قدّس سرّه أنه بعد أن ذكر المرجحات قال : «ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله ، ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم عليه السّلام وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله عليه السّلام : بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم ...».

وظاهره اختصاص فعلية الترجيح بصورة العلم بالراجح. وهو مخالف لإطلاق أدلة الترجيح ، كما هو الحال في سائر أدلة الأحكام في دورانها مدار تحقق موضوعاتها واقعا ، فيكون التخيير معه مخالفا للاحتياط ، لاحتمال عدم حجية ما يختاره المكلف ، لكونه المرجوح واقعا ، ويكون التمسك بعموم أدلة التخيير فيه تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية من طرف الخاص أو العام.

اللهم إلا أن يستفاد ذلك في المقام بضميمة كثرة موارد الجهل بوجود المرجح ، خصوصا مخالفة العامة ، لعدم تيسر الاطلاع على أقوالهم والجهل بما هو الشائع منها عند صدور الروايات ، أو بضميمة ارتكاز ابتناء التخيير على وجود مقتضي الحجية في كلا المتعارضين ، وأن المرجح من سنخ المانع عن حجية المرجوح ، ومع الشك في وجود المانع لا يرفع اليد عن مقتضي الحجية.

وكلاهما لا يخلو من إشكال.

فلعل الأولى ابتناء ذلك على الرجوع لأصالة عدم وجود المرجح بعنوانه المأخوذ شرعا ، لأنه حادث مسبوق بالعدم ولو كان أزليا.

٢٢٢

نعم ، قد يشكل الحال بناء على التعدي عن المرجحات المنصوصة لعدم وضوح كون موضوع التخيير حينئذ هو عدم وجود المرجح بعنوانه ، بل قد يكون موضوعه المستحصل من مجموع الأدلة هو تكافؤ الدليلين الذي لا يحرز بالأصل.

وأشكل من ذلك ما لو علم بوجود المرجح إجمالا وتعذر تعيين الراجح ، لاشتباه الحجة باللاحجة المقتضي لتساقطهما وعدم حجية كل منهما في إثبات خصوصية مؤداه ، وإن كانا حجة في القدر المشترك كنفي الثالث.

هذا كله بناء على التخيير مع التكافؤ ، وأما بناء على التساقط فالأمر سهل ، لوضوح عدم جواز البناء على حجية محتمل الرجحان ، كما لو علم بعدمه وتكافؤ المتعارضين.

نعم ، لو علم إجمالا برجحان أحدهما كانا حجة في القدر المشترك بينهما ـ كنفي الثالث ـ بخلاف ما لو لم يثبت الترجيح بينهما ، حيث سبق أن الأصل عدم حجيتهما في ذلك. والحمد لله رب العالمين.

٢٢٣
٢٢٤

الفصل الثاني

في تعادل الدليلين

وهو إنما يكون لعدم الترجيح أو لعدم المرجح لأحد الخبرين ، وحيث سبق أن الأصل في المتعارضين التساقط والرجوع لما يقتضيه العموم أو الإطلاق أو الأصل الجاري في المسألة فقد وقع الكلام في وجود المخرج عن ذلك عند التعادل من الأدلة الخاصة.

وقد صرح غير واحد من الأصحاب ـ كالكليني في كلامه المتقدم والشيخ في الاستبصار والعلامة في المبادئ وغيرهم ـ بالتخيير ، ولعله المشهور بين الأصحاب ، كما ادعاه شيخنا الأعظم قدّس سرّه وغيره ، ونسبه لجمهور المجتهدين ، بل في المعالم وعن غيره : «لا نعرف في ذلك من الأصحاب مخالفا». وقد يظهر من المرتضى في الذريعة.

ولا يخفى أن المراد بالتخيير ..

تارة : هو ثبوت الحجية التخييرية لكل منهما ، التي هي عبارة عن حجيته المعلقة على اختياره ـ كما قد يظهر من العلامة في المبادئ ـ أو الحجية الفعلية لهما ، بنحو يكون كل منهما حجة للمكلف معذرا له ، ومجموعهما عليه ، على ما سبق الكلام فيه في أول مبحث تقريب الأصل في المتعارضين.

واخرى : هو السعة في مقام العمل ، فيجوز موافقة أحدهما وإن لم يكن حجة ، بأن يكون ورودهما سببا للخروج عن مقتضى العموم أو الإطلاق أو الأصل الجاري في المورد مع قطع النظر عنهما.

٢٢٥

وكلماتهم قد تظهر في الأول ، وبعض الأدلة قد يناسب الثاني ، ولا يهم تحقيق أحد الوجهين بعد عدم الفرق العملي بينهما ، وإنما المهم إقامة الدليل على التخيير بأحد المعنيين.

وقد يظهر من المرتضى في الذريعة ابتناؤه على العمل بإطلاقات أدلة الحجية ، ولعله لذا يظهر منه عدم الاختصاص بالأخبار ، بل يجري في كل دليلين متعادلين.

ويظهر ضعفه مما تقدم في تقريب الأصل في المتعارضين.

وأشكل منه ما في الاستبصار ، قال : «ولأنه إذا ورد الخبران المتعارضان وليس بين الطائفة إجماع على صحة أحد الخبرين ولا على إبطال الخبر الآخر فكأنه إجماع على صحة الخبرين ، وإذا كان (الإجماع. خ) على صحتهما كان العمل بهما جائزا سائغا».

لوضوح أن عدم الإجماع على إبطال أحد الخبرين بعينه لا ينافي الإجماع على بطلان أحدهما إجمالا ، فضلا عن أن يرجع إلى الإجماع على صحتهما معا ، بل تمتنع صحتهما معا مع تناقضهما ولو بلحاظ مدلولها الالتزامي ، غاية الأمر إمكان حجيتهما معا تخييرا ، وهي تحتاج إلى دليل.

فالعمدة في المقام ما صرح به الكليني في كلامه المتقدم وذكره في الاستبصار وكذا جملة من المتأخرين من التمسك بالنصوص في ذلك ، وقد ادعى شيخنا الأعظم قدّس سرّه استفاضتها ، بل تواترها ، فينبغي النظر فيها ، وما يمكن الاستدلال به على ذلك جملة منها ..

الأول : موثق سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام : «سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟ ، قال : يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه» (١) ،

__________________

(١) الوسائل ج : ١٨ ، باب ٩ من أبواب صفات القاضي حديث ٥.

٢٢٦

بدعوى ظهور السعة في السعة في العمل بكل من الروايتين الراجعة لحجيتهما تخييرا ، أو السعة في العمل على طبقهما وإن لم يكونا حجة ، على ما سبق في معنى التخيير.

وفيه .. أولا : أنه لو سلم عدم كون المراد بالسعة السعة في البقاء على الجهل ـ كما لعله المناسب لتعليل الأمر بالإرجاء ـ بل السعة في العمل لدعوى كون منشأ السؤال ارتكازا هو التحير في العمل وأن طلب العلم لأجله ، إلا أن مقتضى إطلاقها السعة في العمل من حيثية الخبرين ، بمعنى أنهما لا يصلحان للتنجيز ، لعدم الأثر لهما ، وهو لا يقتضى التخيير المستلزم لعدم جواز الخروج عنهما بل التساقط.

وثانيا : أن ظاهر الحديث كون المسئول عنه اختلاف المجتهدين في حق العامي ، لا اختلاف الروايتين في حق المجتهد ، والتخيير في الأول لا يستلزم التخيير في الثاني.

ومجرد استناد كل من المجتهدين لروايته لا يستلزم تحقق موضوع التخيير بين الروايتين في حق العامي ، لإمكان عجزه عن تنقيح موضوع الحجية فيهما أو عدم المرجح لإحداهما.

هذا ، وأما اضطراب متن الحديث ، لعدم وضوح مرجع الضمير في «بأخذه» لأن الاعتقاديات تبين بأنفسها ، ولا يبين وجوب أخذها ، والعمليات تقع بنفسها موضوعا للأمر والنهي ، ولا يقع أخذها موضوعا لهما.

فهو لا يخل ظاهرا بالاستدلال به ، لوضوح المقصود منه وهو التعارض المسبب عن الاختلاف. فتأمل.

وهناك بعض الوجوه الاخرى من الإشكال في الاستدلال تعرض لها غير واحد لا مجال لإطالة الكلام فيها بعد ما سبق.

الثاني : صحيح علي بن مهزيار : «قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد إلى

٢٢٧

أبي الحسن عليه السّلام : اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله عليه السّلام في ركعتي الفجر في السفر ، فروى بعضهم أن صلهما في المحمل ، وروى بعضهم : لا تصلهما إلا على الأرض ، فاعلمني كيف تصنع أنت لأقتدي بك في ذلك؟ فوقع عليه السّلام : موسع عليك بأية عملت» (١).

بدعوى ظهورها في الحجية التخييرية لكل من الروايتين ، لأنها الظاهر من جواز العمل بكل منهما.

وفيه : أنه لما كان واردا في مورد خاص فلا مجال للتعدي عنه لغيره ، لإمكان خصوصية الروايتين المذكورتين في عدم ابتناء اختلافهما على التكاذب والتعارض ـ كما يظهر من السائل توهمه ـ بل على الاختلاف في الفضل ، المقتضي للسعة في العمل بكل منهما واقعا ، لا السعة الظاهرية الراجعة للحجية التخييرية. بل ذلك هو الظاهر من الحديث ، لصراحة كلام السائل في السؤال عن الحكم الواقعي الذي عليه عمل الإمام عليه السّلام ، كما أنه المناسب لوظيفته عليه السّلام في بيان حكم الواقعة الخاصة العالم بحكمها الواقعي.

الثالث : مكاتبة الحميري التي رواها الشيخ قدّس سرّه في كتاب الغيبة عن جماعة فيهم غير واحد من الثقات عن محمد بن أحمد بن داود الثقة قال : «وجدت بخط أحمد بن ابراهيم النوبختي وإملاء أبي القاسم الحسين بن نوح [روح. ظ] رضي الله عنه ... ـ إلى أن قال ـ : تسأل لي بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهد الأول للركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبر؟ فإن بعض أصحابنا قال : لا يجب عليه التكبير ويجزيه أن يقول : بحول الله وقوته أقوم وأقعد.

الجواب : قال : إن فيه حديثين أما أحدهما فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة اخرى فعليه تكبير ، وأما الآخر فإنه روي : أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية

__________________

(١) الوسائل ج : ٣ باب : ١٥ من أبواب القبلة ورواه أيضا في باب ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٤٤ ولكن السقط منه قوله في السؤال «فاعلمني ....».

٢٢٨

فكبر ثم جلس ثم قام فليس عليه للقيام بعد القعود تكبير ، وكذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى ، وبأيهما أخذت من جهة التسليم كان صوابا» (١).

وجهالة أحمد بن إبراهيم النوبختي كاتب التوقيع لا توجب التوقف في حجية الخبر بعد إخبار ابن داود بأن التوقيع بخطه وإملاء الحسين بن روح رضى الله عنه الذي يحتمل بل يقرب استناده للحس أو إلى مقدمات تقرب منه.

وأما الدلالة فتقريبها بعين ما سبق في صحيح ابن مهزيار.

كما يظهر الجواب عنه بملاحظة ما سبق فيه ، حيث يتضح به ظهور التخيير في المقام في السعة الواقعية ، لعدم كون الحديث الثاني مخصصا للأول ، بنحو يقتضي عدم مشروعية التكبير ، بل هي باقية مع ضعف ملاكه المستلزم لضعف مطلوبيته عما هي عليه في سائر موارده.

الرابع : مرسل الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام : «قال : إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترد إليه» (٢).

بدعوى : ظهور التوسعة في التوسعة في العمل بكل من الأحاديث المتعارضة ، أو على طبقها ، على ما سبق الكلام فيه في معنى التخيير.

واستشكل فيه بعض مشايخنا : بأن مفاده حجية أخبار الثقات ، من دون نظر إلى فرض تعارضها الذي هو محل الكلام.

وفيه : ـ مع أنه لا يحسن التعبير بالسعة عن أصل الحجية في غير فرض التعارض ، لأن الحجية كما تقتضي التعذير تقتضي التنجيز المستتبع للضيق ، بخلاف التخيير بين الخبرين في فرض حجيتهما ذاتا ، فإنه نحو من التوسعة ـ أن ذلك لا يناسب قوله عليه السّلام : «وكلهم ثقة» الظاهر في دخل وثاقة الكل بنحو

__________________

(١) الوسائل ج : ٤ ، باب ١ من أبواب السجود حديث ٨ ، وكتاب الغيبة ص ٢٣٢ طبع النجف الأشرف.

(٢) الوسائل ج : ١٨ ، باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٤١.

٢٢٩

المجموع في الحكم بالسعة ، لأن حجية كل خبر منوطة بوثاقة راوية فقط ، والذي يناط بوثاقة الكل هو السعة مع التعارض ، إذ مع وثاقة البعض فقط يجب الاقتصار على روايته.

ومثله الإشكال بأن إطلاق السعة ظاهر في السعة من حيثية تلك الأخبار ، وذلك يقتضي التساقط ، لا التخيير المستلزم للضيق في الجملة بعدم جواز الخروج عنها عملا ، نظير ما سبق في موثق سماعة.

لاندفاعه : بأن التنبيه فيه على وثاقة الرواة لا يناسب عرفا التساقط وإهمال الرواية ، وإن لم ينافه عقلا ، بل هو قرينة على تقييد إطلاق السعة وحمله على السعة في العمل بالرواية ، لصلوحها لذلك بسبب وثاقة راويها ، بخلاف موثق سماعة ، حيث لم يتضمن إلا فرض التعارض والتكاذب بين الروايتين المناسب لتساقطهما. فدلالة المرسل على التخيير قريبة جدا ، ولا أقل من إشعاره به بنحو يصلح للتأييد.

الخامس : مرسل الحسن بن الجهم عن الرضا عليه السلام : «قلت : يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيهما الحق. قال : إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت» (١).

ولعله أظهر نصوص التخيير دلالة ، ولا سيما بلحاظ التقييد فيه بعدم العلم بالحق من الخبرين ، حيث لا يكون بذلك منافيا لنصوص الترجيح الصالحة للتعبد بتعيين ما هو الحق منهما ، بل يكون محكوما لها حكومة عرفية.

السادس : ما أرسله الكليني في كلامه المتقدم ، وفي ذيل موثق سماعة السابق ، حيث قال : «وفي رواية أخرى : بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك» (٢). ودلالته ظاهرة.

__________________

(١) الوسائل ج : ١٨ باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٤٠.

(٢) الوسائل ج : ١٨ باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٦.

٢٣٠

السابع : مرفوعة زرارة المتقدمة في نصوص الترجيح ، حيث تضمنت التخيير بعد فرض عدم الترجيح حتى بالاحتياط.

الثامن : الرضوي : «والنفساء تدع الصلاة أكثره مثل أيام حيضها ، وهي عشرة أيام ، ثم تغتسل ، فاذا رأت الدم عملت كما تعمل المستحاضة. وقد روي ثمانية عشر يوما. وروي ثلاثة : وعشرين يوما. وبأي هذه الأحاديث أخذه من جهة التسليم جاز» (١).

وهو وإن كان واردا في مورد خاص ، إلا أن إلغاء خصوصية مورده قريب جدا ، لاشتمال المورد على أحكام الزامية مهمة ، وكونه موردا للعمومات والاصول المتأخرة عن الروايات المذكورة رتبة.

فالعمدة في وهن الاستدلال به عدم ثبوت نسبته للإمام عليه السّلام ، بل الاطمئنان بعدم كونه له. كما أن ما دل من النصوص السابقة ضعيف أيضا لا يصلح للاستدلال حتى بلحاظ التعاضد ، لعدم كثرة النصوص المذكورة بنحو يمنع من احتمال عدم صدور مضامينها ، أو احتفافها بما يمنع من استفادة التخيير منها من القرائن الحالية والمقالية.

ولو فرض صلوحها للاستدلال فهي معارضة بنصوص أخر ظاهرة في التوقف والتساقط ، فينبغي النظر فيها أولا ، ثم النظر في كيفية الجمع بينها وبين نصوص التخيير ، وهي جملة من النصوص.

الأول : مقبولة ابن حنظلة ، حيث قال عليه السّلام بعد استقصاء المرجحات وفرض السائل التعادل فيها : «إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى إمامك ، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (٢).

وقد يشكل الاستدلال بها ..

__________________

(١) مستدرك الوسائل باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ١٢ وقد حذف منه شيئا.

(٢) الوسائل ج : ١٨ باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ١.

٢٣١

تارة : بظهورها في زمان الحضور والتمكن من لقاء الإمام ولا تشمل عصر الغيبة.

واخرى : بأن موردها وهو الخصومة والقضاء لا يناسب التخيير ، لأن كلا من الخصمين يختار ما ينفعه فلا تفصل الخصومة ، بل لا بد فيه من الترجيح ومع تعذره يتعين التوقف ، ولا ينافي التخيير في موارد إمكانه.

ويندفع الأول : بأن احتمال خصوصية زمن الحضور في وجوب التوقف عرفا إنما هو بلحاظ قرب أمده الموجب لسهولته ، وهو يختص بتمكن المكلف من لقاء الإمام ، ولا تشعر به المقبولة ، لأن مجرد جعل غاية التوقف لقاء الإمام لا يستلزم تمكن السائل منه ، وإنما يستلزم صحة فرض وقوعه عرفا المختص بزمان الحضور.

وبعبارة اخرى : المقبولة مختصة بزمان الحضور الذي لا دخل له عرفا في الحكم بالتوقف ، لا بحال التمكن من لقاء الإمام الذي يحتمل خصوصيته فيه عرفا.

ولو فرض التشكيك عرفا في ما ذكرنا وعدم استيضاح إلغاء خصوصية المورد المذكور لأجله أمكنت استفادة العموم لحال الغيبة من عموم التعليل فيها ، لظهوره في عدم صلوح كل من الخبرين بسبب التعارض وعدم المرجح للحجية.

على أن الاختصاص بزمان الحضور إنما ينفع في ما إذا امكن حمل نصوص التخيير على خصوص زمان الغيبة ، ليتعين الجمع بينهما بذلك ويرتفع التعارض ، ولا مجال له في النصوص المتقدمة ، خصوصا ما روي منهما عن الصادق والرضا عليهما السّلام لوضوح استلزام حملها على ذلك تخصيص المورد الممتنع.

ومما ذكرنا من عموم التعليل يظهر اندفاع الثاني ، لأن خصوصية

٢٣٢

الخصومة والقضاء إنما تناسب التعليل بتعذر التخيير ، لا بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، الحاصلة ارتكازا من العمل بغير حجة الراجع لعدم صلوح كل من المتعارضين ارتكازا للحجية بسبب التعارض حتى في عصر الغيبة.

نعم ، لو كان مصبّ السؤال والجواب هو الترجيح مع المفروغية عن حجية الروايتين في الجملة كان التعليل منصرفا إليه ، وكان المراد من الاقتحام في الهلكة الترجيح بلا دليل ، فلا تدل إلا على تعذر الترجيح ، ولا تنافي التخيير مع إمكانه ، كما في غير مورد الخصومة.

لكن لا إشعار في السؤال ولا في الجواب بذلك ، بل الظاهر السؤال عن الوظيفة العملية في فرض التعارض ، ولو كانت هي التساقط. فلاحظ.

الثاني والثالث : مكاتبتا محمد بن علي بن عيسى وداود بن فرقد اللتان تقدم الكلام فيهما في آخر نصوص الترجيح المسئول فيهما عن العلم المنقول عنهم عليهم السّلام وأنه قد اختلف فيه فكيف العمل به على اختلافه ، وقد تضمنتا أنه كتب عليه السّلام : «ما علمتم أنه قولنا فالزموه وما لم تعلموا فردوه إلينا» (١).

فإن مقتضى إطلاقهما وإن كان هو التوقف حتى عن الترجيح ، إلا أنه لا يبعد تقييدهما بنصوص الترجيح ، وحملهما على التعادل ، كما أشرنا إليه هناك.

ومما سبق في مقبولة ابن حنظلة يتضح أن اختصاصهما بزمن الحضور ـ لو تم ـ لا ينفع في رفع التعارض بينهما وبين نصوص التخيير.

الرابع : موثق سماعة المتقدم في نصوص التخيير ، حيث سبق تقريب دلالته على التساقط.

لكن سبق تقريب وروده في وظيفة العامي عند اختلاف المجتهدين لا في وظيفة المجتهد عند اختلاف الأخبار.

__________________

(١) تقدم تخريجهما في آخر الكلام في نصوص الترجيح.

٢٣٣

الخامس : مرسلة عوالي اللآلئ ، حيث قال بعد ذكر المرفوعة : «وفي رواية أنه عليه السّلام قال : إذن فأرجئه حتى تلقى إمامك فتسأله» (١).

هذا ، وقد وقع الكلام بينهم في الجمع بين هذه النصوص ونصوص التخيير.

وقد تعرض في الحدائق لجملة من الوجوه المذكورة في كلماتهم ، والتي ينبغي التعرض لها استقصاء للأقوال ..

أولها : حمل أخبار الإرجاء على الفتوى والحكم وأخبار التخيير على العمل. قال في الحدائق : «وبه صرح جملة من مشايخنا المعاصرين». وحكى عن بعضهم الاستدلال عليه بالخبر الثاني والثالث المتقدمين في نصوص التخيير. وقد سبق خروجهما عما نحن فيه.

على أن المراد بالحكم والافتاء إن كان هو تعيين الحكم الواقعي والافتاء به فلا مجال له حتى مع عدم التعارض إذا احتمل الخطأ ، وإن كان هو البناء على الحكم الظاهري الذي هو مؤدى الحجة والافتاء به فالخبران المذكوران ـ بناء على حملهما على التخيير الظاهري ـ صريحان فيه ، كما أن أكثر نصوص الإرجاء والتوقف ظاهرة في التوقف حتى في مقام العمل ، كما هو مقتضى التعليل في المقبولة والسؤال عن العمل في المكاتبتين.

نعم ، المتقين منها النهي عن العمل بالخبرين المتعارضين والتعويل عليهما ولزوم التوقف من حيثيتهما ، لعدم حجيتهما لأنه هو المنصرف من التعليل بالاقتحام في الهلكة في المقبولة ولأن موضوع السؤال في المكاتبتين العمل بالخبرين المتعارضين لا العمل في المسألة مع قطع النظر عنهما ، فلا مجال للبناء على لزوم التوقف مطلقا ، لينافي العمل بالأدلة والاصول المتأخرة عنهما رتبة ، بل يجوز الرجوع إليها ، لتمامية موضوع حجيتها بعد فرض سقوط

__________________

(١) مستدرك الوسائل ج : ، باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٢.

٢٣٤

المتعارضين عن الحجية واليأس عن معرفة الواقع لتعذر الرجوع للامام عليه السّلام.

ومنه يظهر أن مرجع التوقف والارجاء إلى تساقط المتعارضين ، لا انقلاب الأصل في موردهما إلى الاحتياط ـ كما قد يحكى في الجملة عن الأخباريين ـ بنحو لا يجوز الرجوع للبراءة أو عموم الرخصة لو كان ، وإنما يتم ذلك بناء على ترجيح الموافق منهما للاحتياط ، وقد سبق في مباحث الترجيح المنع من ذلك ، كما سبق تحديده.

ثانيها : حمل خبر الإرجاء على زمن حضور الإمام وحمل التخيير على زمن الغيبة وعدم تعذر الوصول له عليه السّلام ، كما صرح به الطبرسي في الاحتجاج ، وعن المجلسي في البحار استظهاره ، وجرى عليه غير واحد من المتأخرين.

فإن رجع إلى خصوصية زمن الحضور والغيبة ـ كما يقتضيه الجمود على ما حكي عن بعض الأعاظم ـ فيظهر ضعفه مما سبق في المقبولة من امتناع حمل نصوص التخيير على خصوص زمان الغيبة.

ومن الغريب ما يظهر من بعضهم من استيضاح عدم العمل بها في عصر الحضور ولزوم حملها على عصر الغيبة ، فتكون أخص من نصوص التوقف لو كان لها عموم.

لأن عدم العمل بها في عصر الحضور موجب لإجمالها ، لا لحجيتها في عصر الغيبة.

وإن رجع إلى أن المعيار على التمكن من لقاء الإمام والاطلاع على الحكم الواقعي منه ، وتعذر ذلك أو تعسره الذي قد يكون فى عصر الحضور أيضا ـ كما جرى عليه شيخنا الأعظم وقد يظهر من بعض الأعيان المحققين قدّس سرّهما ـ فهو جمع بلا شاهد ، لأن اشتمال بعض نصوص التوقف على جعل الغاية لقاء الإمام لا يقتضي القدرة على لقائه ، كما سبق في المقبولة ، بل اشتملت بعض نصوص التخيير على ذلك أيضا ، كمرسل الحارث بن المغيرة المتقدم.

٢٣٥

ثالثها : حمل خبر الإرجاء على عدم الضرورة للعمل بأحد الخبرين والتخيير على حال الاضطرار للعمل بأحدهما وقد حكاه في الحدائق عن ابن أبي جمهور الأحسائي في كتاب عوالي اللئالي.

وهو جمع تبرعي بلا شاهد ، بل يبعد حمل نصوص التخيير على ذلك لندرته.

نعم ، قد يستدل له بمرسل سماعة بن مهران المتقدم في آخر الكلام في نصوص الترجيح ، الظاهر في اختصاص الترجيح فضلا عن التخيير بصورة الاضطرار للعمل بأحد الخبرين.

لكن تقدم الإشكال في التعويل عليه ولزوم حمله على الاستحباب.

رابعها : حمل أخبار التخيير على العبادات المحضة ، وأخبار الإرجاء على غيرها من حقوق الآدميين من دين ، أوميراث ، أو فرج ، أو زكاة ، أو خمس ، فيجب التوقف عن الأفعال الوجودية المبنية على تعيين أحد الطرفين بعينه. كذا ذكره في الحدائق ، وحكاه عن الاسترابادي في الفوائد المدنية ، وهو الذي احتمله في الوسائل.

ولا يخفى أنه جمع تبرعي لا شاهد له.

نعم ، مقبولة ابن حنظلة التي هي عمدة نصوص التوقف مختصة بالتخاصم والقضاء ، وقد سبق أنه لا بد من إلغاء خصوصية موردها.

خامسها : حمل نصوص الارجاء على الاستحباب ونصوص التخيير على الرخصة ، وقد حكى في الحدائق عن المجلسي في البحار احتماله ، وهو المناسب للجمع العرفي بين الأمر أو النهي والترخيص.

لكنه لا يناسب التعليل في مقبولة ابن حنظلة ، بل لسانه آب عن ذلك. مع أن مرجع الإرجاء إلى التساقط وهو قد يكون أوسع عملا من التخيير.

سادسها : حمل نصوص الارجاء على النهي عن الترجيح والعمل بالرأي

٢٣٦

وحمل نصوص التخيير على الأخذ من باب التسليم ، حكى في الحدائق عن بعض مشايخه نقله احتمالا.

لكن لا قرينة على صرف نصوص الارجاء على الترجيح مع المفروغية عن الحجية ، بل الظاهر منها بيان الوظيفة في المتعارضين مطلقا ، كنصوص التخيير ، كما ذكرناه عند الكلام في المقبولة.

سابعها : حمل خبر الإرجاء على غير المتناقضين ، وحمل خبر التخيير على المتناقضين. كذا ذكره في الحدائق ، وقال : «نقله بعض شراح الأصول عن بعض الأفاضل».

وكأن مراده بالمتناقضين ما لا يمكن الجمع بينهما عملا ، كما لو تضمن أحدهما الأمر والآخر النهي ، وإلا فالتعارض لا بد فيه من التناقض ولو بلحاظ المدلول الالتزامي.

وكأن الوجه فيه : اختصاص موثق سماعة المتقدم في نصوص التخيير والامر بالإرجاء بما إذا كان أحدهما امرا والآخر ناهيا.

وفيه : ـ مضافا إلى ما سبق من الإشكال في الاستدلال بالموثق على التخيير ـ أن حمل نصوص التخيير على خصوص ذلك متعذر عرفا لندرته.

ثامنها : حمل أخبار التخيير على أحاديث المندوبات والمكروهات وأخبار الأرجاء على غيرها. احتمله في الوسائل ، واستدل عليه بخبر الميثمي الآتي. لكن الظاهر أن الخبر المذكور لا يدل على ذلك بل على الوجه التاسع.

نعم ، قد يستدل عليه باختصاص الخبر الثاني والثالث من الأخبار المستدل بها على التخيير ، بناء على ما هو الظاهر من أن المراد بركعتي الفجر نافلته لا فريضته.

لكن سبق أنهما اجنبيان عما نحن فيه من التخيير الظاهري ، بل هما متضمنان للسعة الواقعية ، التي لا مجال لحمل نصوص التخيير عليها ، لظهورها

٢٣٧

في السعة الواقعية ، بسبب اشتمال بعضها على أخذ الجهل في موضوعها ، وأخر على الرد للإمام ، وثالث على المرجحات المعلوم ورودها للترجيح الظاهري.

مضافا إلى إباء عموم التعليل في المقبولة عن التخصيص.

تاسعها : حمل نصوص التخيير على ما إذا كان النهي في أحد الخبرين المتعارضين نهي إعافة ، فيحمل الإذن في الآخر على الرخصة ويتخير في العمل بينهما ، وحمل نصوص التوقف على غير ذلك. وهو أحد الوجوه المذكورة في الحدائق.

ولا يخفى رجوعه إلى إهمال نصوص التخيير وعدم صلوحها للعمل ، إذ مع إحراز كون النهي نهي إعافة لا يحتاج إلى خبر معارض مرخص ، فضلا عن أن يحتاج لنصوص التخيير الموسعة في العمل بأيهما ، ومع الشك فيه لا يحرز موضوع نصوص التخيير ليعمل بها ، بل حيث كان ظاهر النهي الإلزام كان الظاهر عدم تحقق موضوعها.

مضافا إلى أن التخيير يكون حينئذ واقعيا بين المؤديين لا ظاهريا بين الحجتين ، وقد سبق ظهور نصوص التخيير في التخيير الظاهري.

نعم ، يتجه ما في الحدائق من الاستدلال على الوجه المذكور بما في خبر الميثمي عن الرضا عليه السّلام الوارد في اختلاف الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله والأئمة عليهم السّلام المتضمن في صدره تقسيم الأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسنة إلى أمر إلزام وفرض ونهي تحريم ، وأمر فضل وندب ونهي إعافة وكراهة ، وأن في الأولين لا يمكن الخروج عنه ولا يقبل الحديث المخالف له ، لأنهم عليهم السّلام لا يستحلون ما حرم رسول الله صلّى الله عليه وآله ولا يحرمون ما استحل ، بل هم تابعون له ، كما كان هو صلّى الله عليه وآله تابعا لله تعالى ، وأن الذي يسع استعمال الرخصة فيه هو الأخيران ، ثم قال عليه السّلام فيهما : «إذا ورد عليكم عنا الخبر فيه باتفاق يرويه من يرويه في النهي ولا ينكره وكان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيهما يجب الأخذ

٢٣٨

بأحدهما أو بهما جميعا أو بأيهما شئت وأحببت موسع ذلك لك من باب التسليم لرسول الله صلّى الله عليه وآله والرد إليه وإلينا ، وكان تارك ذلك من باب العناد والإنكار وترك التسليم لرسول الله صلّى الله عليه وآله مشركا بالله العظيم.

فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله ، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب ، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول الله صلّى الله عليه وآله فما كان في السنة موجودا منهيا عنه نهي حرام ومأمورا به عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله صلّى الله عليه وآله وأمره ، وما كان في السنة نهي إعافة ، أو كراهة ثم كان الخبر الأخير خلافه فذلك رخصة في ما عافه رسول الله صلّى الله عليه وآله وكرهه ولم يحرمه. فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا ، وبأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك ، ولا تقولوا فيه بآرائكم ، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا» (١).

وسنده لا يخلو عن اعتبار ، لأن رجاله بين صحيح وموثق عدا محمد بن عبد الله المسمعي ، الذي قال في حقه الصدوق بعد رواية هذا الخبر : «كان شيخنا محمد بن الحسين بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه سيّئ الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي هذا الحديث ، وإنما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لأنه كان في كتاب الرحمة وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي».

وحيث كان سوء الرأي لا يخلو عن إجمال ، لإمكان رجوعه لجهات لا تنافي الوثاقة كالغلو واعتماد المراسيل ، فلا يخرج به عن ظاهر حال ابن الوليد في الاعتماد على حديثه ، حيث لم يستثنه في ما حكي عنه من رجال كتاب نوادر الحكمة ، ولا سيما مع ما صرح به الصدوق في كلامه المتقدم من رواية ابن

__________________

(١) الوسائل ج : ١٨ ، باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٣١ ، عن عيون أخبار الرضا عليه السّلام.

٢٣٩

الوليد للحديث المذكور الظاهر في اعتماده عليه ، وأنه قد رواه من كتاب الرحمة الذي صرح في الفقيه بأنه من الكتب المشهورة التي عليها المعول وإليها المرجع.

وأما دلالته فهو ظاهر في حصر المراد من أخبار التخيير في التخيير الواقعي في موارد الأمر والنهي غير الإلزاميين في مقابل الرخصة ولزوم التوقف في غير الموارد المذكورة. وهو راجع إلى تفسير حال التعارض وبيان منشئه فيها ، لا إلى ضرب القاعدة العملية فيها ، لما ذكرنا من عدم ترتب العمل على القاعدة المذكورة ، للاستغناء عنها مع العلم بحال الأمر والنهي ، وعدم إحراز موضوعها مع الشك فيه ، بل لا بد من الرجوع للإمام في تشخيص حالهما ، فيكون تطبيق كبرى التخيير في مورد الشك من وظيفته ، كما سبق في صحيح ابن مهزيار ومكاتبة الحميري ، لا من وظيفة المكلف الشاك.

وحيث كان هذا الحديث متعرضا لألسنة نصوص التخيير كان حاكما عليها حكومة تفسيرية ، فيتقدم عليها طبعا ويكون كاشفا عن خلل في ظهورها.

ومن ثمّ جعله شيخنا الاستاذ قدّس سرّه مانعا من البناء على التخيير والعمل بنصوصه.

اللهم إلا أن يقال : الحكومة المذكورة إنما تتم في مثل مرسل الكليني القابل للحمل على السعة الواقعية ، دون مثل مرسل الحسن بن الجهم الذي هو كالصريح في التخيير الظاهري ، حيث فرض فيه سؤالا وجوابا الجهل بالحق من الخبرين الظاهر في المفروغية عن مخالفة أحدهما له ، ومرفوعة زرارة المفروض فيها لزوم الترجيح الذي لا مجال له في المورد المذكور.

فلا مجال لدعوى حكومة خبر الميثمي على الخبرين المذكورين ونحوهما حكومة تفسيرية ، ليتقدم عليها ، بل هو معارض لها ، كسائر أخبار التوقف.

٢٤٠