المحكم في أصول الفقه - ج ٦

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٦

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٢٥
  نسخة غير مصححة

على أنه ظاهر في أن الخبرين المشتمل أحدهما على الأمر أو النهي والآخر على الرخصة متعارضان يكونان موردا للتخيير أو الرد مع العلم بحال الأمر أو النهي ، وللتوقف مع الجهل بحالهما ، مع وضوح بناء الأصحاب على الجمع بينهما مع الجهل بالحال بالحمل على الاستحباب أو الكراهة ، وخروجهما بذلك عن المتعارضين عرفا ، فهو من هذه الجهة مهجور عند الأصحاب.

بل هو مناف لنصوص الترجيح ، لقوة ظهوره في استيفاء حكم صور التعارض وفي عدم الوظيفة الظاهرية فيها ، بل مع العلم بحال الأمر والنهي يتعين الرد أو السعة واقعا ، ومع الشك يتعين التوقف من دون إشارة للترجيح. وذلك موجب لوهن الخبر في نفسه ولزوم ردّ علمه لقائله عليه السّلام. ويبقى التعارض بين نصوص التخيير والتوقف مستحكما.

ومن هنا فقد يدعى لزوم تقديم نصوص التخيير في المقام ، لأنها وإن كانت ضعيفة السند مجبورة بعمل الأصحاب ، ونصوص التوقف وإن كانت معتبرة السند مهجورة عندهم ، حيث كان التخيير هو المذكور في كلمات قدماء الأصحاب ومتأخريهم ، بل ادعي عدم الخلاف فيه ، كما سبق ، ولم يعرف التصريح بخلافه أو التفصيل فيه إلا من بعض المتأخرين.

لكن الانصاف : أن الاكتفاء بذلك في البناء على حجية نصوص التخيير ولزوم البناء عليه في غاية الإشكال ، لعدم وضوح عمل الأصحاب بالنحو الكافي في الجبر والوهن ، لقلة تحرير المسائل الأصولية في كلامهم واضطراب عملهم فيها ، ومنها هذه المسألة.

بل لا طريق لمعرفة رأي من دأبه الاقتصار على تدوين الأخبار من القدماء لأنهم دونوا نصوص التخيير والتوقف معا ، بل لعل نصوص التوقف أظهر تدوينا ، لأن أظهر نصوص التخيير دلالة مرسل ابن الجهم ومرفوعة زرارة ،

٢٤١

ولم يدونا إلا في كتب المتأخرين.

بل يبعد بناء الأصحاب على التخيير في عصور الأئمة عليهم السّلام ومن القريب بناؤهم على الرجوع لهم عليهم السّلام في كشف الحال ، لأنه مقتضى الطبع الأولي ، وقد وردت به النصوص في كثير من الموارد ، وقد سبق أن ذلك يوجب إجمال نصوص التخيير ، لا حجيتها في عصر الغيبة.

بل لم يشر الشيخ قدّس سرّه في التهذيب للتخيير ، وإنما ذكر في آخر المرجحات ترجيح الخبر الموافق للأصل ، وكأنه يرجع للعمل بالأصل بعد تساقط الخبرين ، لما هو الظاهر من عدم صلوح الأصل للترجيح حتى بناء على التعدي عن المرجحات المنصوصة.

بل لعل بعض من صرح به قد اعتمد على بعض الوجوه الاعتبارية ـ نظير ما سبق من الشيخ في الاستبصار ـ أو على إطلاقات الحجية ـ كما سبق من المرتضى في الذريعة ـ أو على ما تضمن أنهم عليهم السّلام لا يدخلون شيعتهم في ما لا يسعهم (١) ، بتخيل دلالتها على ذلك ، مع الغافلة عن أن المراد أنه يسعهم واقعا لعناوين ثانوية من تقية أو نحوها.

وما أبعد ما بين دعوى : انجبار نصوص التخيير بعمل الأصحاب وما ذكره شيخنا الاستاذ قدّس سرّه من وهنه بإعراضهم ، فإنهم وإن ذكروا ذلك في الاصول إلا أنهم لم يجروا عليه في الفقه ، بل مبناهم على الجمع بين النصوص أو ترجيح بعضها من دون إشارة للتخيير.

وإن لم يبعد كون منشأ ذلك منهم التعدي عن المرجحات المنصوصة ، ولو احتياطا كما سبق ، لا الإعراض عن التخيير بالنحو المانع من البناء عليه لو تمت نصوصه.

وكيف كان ، فلا مجال لإحراز اعتمادهم على نصوص التخيير المتقدمة

__________________

(١) الوسائل ج : ١٨ باب : ٩ من أبواب صفات القاضي حديث : ٨ ، ١٣.

٢٤٢

وهجر نصوص التوقف بالنحو الموجب لانجبار الاولى ووهن الثانية.

ولذا لا مجال للبناء على التخيير ، لضعف نصوصه دلالة أو سندا ومعارضتها بما هو أقوى منها.

هذا ، وربما ينسب لبعضهم وجوب الاحتياط ، لا بمعنى الأخذ بأحوط الخبرين ، فإنه راجع لترجيح الخبر الموافق للاحتياط ، الذي سبق الكلام فيه في بيان المرجحات ، بل بمعنى التوقف المطلق في الفتوى المستلزم للاحتياط في مقام العمل ، لعدم المؤمن ، الراجع لتنجز احتمال التكليف على طبق كل من المتعارضين ، بنحو يمنع من الرجوع للعموم والأصل المؤمن ونحوهما مما يكون متأخرا رتبة عن كلا المتعارضين.

وكأن الوجه فيه : العمل بنصوص الإرجاء والتوقف بعد حملها على التوقف المطلق.

وفيه : أن ظاهر النصوص المذكورة أو المتيقن منها هو التوقف من حيثية المتعارضين ، بمعنى عدم التعويل عليهما لعدم حجيتهما ، بل يرجأ معرفة الحق منهما إلى لقاء الإمام ، ولا ينافي العمل في المسألة بما يكون متأخرا رتبة عن المتعارضين بعد اليأس عن معرفة الحق منهما ، كما أشرنا إلى ذلك في الوجه الأول من وجوه الجمع بين نصوص التخيير والتوقف.

وقد تحصل من جميع ما تقدم : أنه لا مجال للخروج عما تقتضيه القاعدة في المتعارضين من التساقط. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم ، ومنه نستمد العون والتوفيق ، والحمد لله رب العالمين.

وينبغي التنبيه على امور ..

الأول : أنه بناء على القول بالتخيير لا يراد به التخيير في المسألة الفرعية ، بمعنى البناء على أن الحكم الشرعي الفرعي هو المطابق للسعة بين المؤديين ، نظير التخيير بين القصر والتمام في المواطن الأربعة.

٢٤٣

لأن التخيير في المسألة الفرعية إن كان واقعيا لزم انقلاب الحكم الواقعي بسبب التعارض ، وهو خلاف ما تسالموا عليه من واحدة الحكم الواقعي في حق العالم والجاهل وإن كان ظاهريا ، فهو مخالف لكلا المتعارضين ، بل يعلم بمخالفته للواقع في ما لو علم إجمالا بصدق أحدهما ، ولا بد في الحكم الظاهري من احتمال مطابقته للواقع.

مع أنّ الحكم التخييري إنما يتجه مع تعدد المتعلق وواحدة الحكم ، كما لو تعارض الدليلان في القصر والتمام أو الجهر والاخفات ، ولا معنى له مع واحدة المتعلق وتعدد الحكم ، كما لو تعارضا في الوجوب والحرمة أو غيرهما من الأحكام التكليفية أو الوضعية ، إذ لا معنى للحكم بالتخيير بين الأحكام.

فلا بد من كون المراد التخيير في المسألة الاصولية الراجع إما إلى محض السعة في مطابقة العمل لمفاد كل من الدليلين ، نظير أصالة البراءة من كل من الوجوب والحرمة عند الدوران بينهما ، أو إلى الحجية التخييرية لكل من الدليلين ، على ما سبق في أول الفصل.

وإن كان ظاهر النصوص إرادة الثاني ، لظهورها في السعة في العمل بكل من الدليلين والأخذ به ، بحيث يكون طريقا للواقع وحجة عليه في الجملة ، وهو الذي يظهر من جماعة.

الثاني : هل التخيير وظيفة للمفتي الناظر في الأدلة ، فإذا اختار أحد الخبرين المتعارضين لزمه الفتوى بمضمونه معينا ، وتعين على المستفتي العمل عليها ، ولا موضوع للتخيير في حقه. أو للمستفتي أيضا ، فليس للمفتي إلا أن يخبر بوجود المتعارضين ويخير في العمل بأحدهما ويختار المستفتي في مقام العمل؟

وجهان .. صرح بالأول بعض الأعاظم قدّس سرّه مدعيا ابتناء ذلك على ما تقدم من كون التخيير في المسألة الاصولية.

٢٤٤

لكنه غير ظاهر ، لوضوح أنه لو كان المراد بالتخيير محض السعة في مقام العمل من دون حجية لأحد الخبرين فلا وجه لفتوى المجتهد بمضمون أحد الخبرين تعيينا ، بل يلزمه الفتوى بالسعة الظاهرية نظير فتواه بها عند الدوران بين الوجوب والحرمة.

وكذا لو كان المراد به الحجية التخييرية ، بناء على ما سبق من تفسيرها يكون كل من الخبرين حجة فعلا للمكلف ومجموعهما حجة عليه ، حيث لا وجه لإلزامه في مقام الفتوى بمضمون أحدهما مع عدم حجيته بعينه على المكلف ، بل هو حجة له لا غير ، وليس الحجة عليه إلا مجموعهما.

وأما لو كان المراد به حجية كل منهما تعيينا على تقدير اختياره ، دون الآخر ـ كما هو الظاهر منهم ـ فما ذكره إنما يتم على أحد أمرين ..

أولهما : كون وظيفة المجتهد الفتوى على طبق ما هو الحجة عليه ، لا على المقلد ، حيث لا إشكال في أن اختيار المجتهد لأحد المتعارضين موجب لحجيته عليه ، فله الفتوى بمضمونه للعامي ، وإن لم يكن حجة عليه ، لعدم اختياره له.

ثانيهما : كون اختيار المجتهد لأحد المتعارضين موجبا لحجية ما يختاره حتى على المقلد ، ففتواه على طبقه فتوى له بما هو الحجة في حقه أيضا لا في حق نفسه فقط.

ويشكل الأول : بأنه لا وجه لعمل العامي بمقتضى الحجة الثابتة في حق المجتهد غير الثابتة في حقه ، بل اللازم عليه العمل بمقتضى الحجة الثابتة عليه ، غايته أن تعذر تشخيص مؤدى حجته عليه موجب لرجوعه للمجتهد فيه ، ففتوى المجتهد بمقتضى سائر الحجج ليس لحجيتها عليه ، بل لحجيتها على العامي أيضا ، بمقتضى إطلاق دليل الحجية الشامل لجميع المكلفين.

ولذا لو فرض اختلاف حجة المجتهد عن حجة العامي لم يجز للمجتهد

٢٤٥

الفتوى بمقتضى حجته ، بل وجب عليه الفتوى بمقتضى حجة العامي. مثلا : لو كانت رواية المرأة حجة في حق النساء دون الرجال ، وورد عموم في رواية الرجل مخصص برواية المرأة ، وجب على المجتهد الرجل العمل في حق نفسه والفتوى للرجال بمقتضى العموم ، والفتوى للنساء بمقتضى الخاص.

ومجرد تعذر الرجوع للحجة على العامي لا يمنع من حجيتها عليه ، لأن المتعذر الرجوع لها بالمباشرة والنظر فيها تفصيلا ، دون الرجوع لها بتوسط المجتهد وأخذ مفادها منه إجمالا ، وهو كاف في صحة جعلها عليه.

ومنه يظهر أن انفراد المجتهد بتعيين الحجج وتشخيصها ليس لاختصاصه بحجيتها ، بل لاختصاصه بالقدرة على معرفتها ، مع عموم الحجية التي يدركها للعامي ، ولذا يفتي له بمؤداها.

وأما الثاني فهو مخالف لظاهر أدلة التخيير ، لظهورها في كون الاختيار وظيفة للمكلف في مقام العمل بالمتعارضين ، لا في مقام الفتوى على طبق أحدهما ، فكما يكون للمجتهد الاختيار في مقام العمل يكون للمقلد. وقيام المجتهد مقام المقلد في الاختيار محتاج إلى دليل مفقود.

وليس هو كقيامه مقامه في الفحص عن الأدلة وتعيينها ، لأن الفحص عن الأدلة لا دخل له بحجيتها ، بل هي حجة في حق الفاحص عنها وغيره ، ولا أثر للفحص إلا إثبات موضوع الحجية ، وتعذر الإثبات على العامي يقضي باتكاله على المجتهد فيه ، بخلاف التخيير في المقام ، حيث هو دخيل في حجية الخبر المختار ثبوتا.

ودعوى : أن التقليد مختص بالأحكام الفرعية ، لا بمقدمات استنباطها من المسائل الاصولية واللغوية وغيرها ، والتخيير حكم اصولي فلا تقليد فيه ، ولا في تنقيح موضوعه وهو التعارض.

ممنوعة ، لعموم أدلة التقليد من السيرة العقلائية الارتكازية وغيرها.

٢٤٦

ولذا لو فرض ظهور خطأ المقلّد الأعلم لمقلّده في بعض مقدمات الاستنباط ، فحيث لا مجال لاعتماده على فتواه بالحكم الفرعي المبتنية على المقدمة المذكورة ، لقصور أدلة التقليد عن صورة العلم بخطإ المستند ، ولا على فتوى غيره ممن يخطئه هو في مقدمات اجتهاده ولم يظهر للمقلد إصابته فيها ، لقصور الأدلة المذكورة أيضا عن فتوى المفضول مع تخطئة الأفضل له ، تعين للمقلد الاعتماد على ما توصل اليه من مقدمات الاجتهاد التي خطّأ فيها الاعلم والرجوع له في بقيتها مما لم يظهر له خطؤه فيه من مسألة أصولية أو غيرها ، ثم العمل على الحكم الفرعي المستنبط من المجموع وإن خالف ما استنبطه مقلّده ، كما استقربه بعض الاعيان المحققين قدّس سرّه في آخر الكلام التجري.

وليس الرجوع للمجتهد في بعض مقدمات الاستنباط إلا كرجوع المجتهد لعلماء الرجال أو اللغة ، بناء على أنه من الرجوع لأهل الخبرة. وإنما يعمل بفتوى المجتهد بالحكم الفرعي المستنبط من مجموع المقدمات الثابتة بنظره غالب العوام ممن لا يتيسر له الاجتهاد في شيء من المقدمات.

ففي المقام حيث يتعذر على المجتهد الفتوى للعامي بالحكم الفرعي لتوقف حجية الدليل الذي يعتمد عليه في الفتوى في حق العامي على اختياره تعين له بيان مقدمات الاستنباط المتيسرة له وإيكال الاستنباط للعامي بعد أن يستقل بالاختيار المتمم لمقدماته ، كما تقدم في الوجه الثاني ، وهو الذي اختاره شيخنا الأعظم قدّس سرّه وذكر أنه المحكي عن جماعة ، بل قيل إنه مما لا خلاف فيه. هذا كله في الفتوى.

وأما الحكومة والقضاء فقد استظهر شيخنا الأعظم قدّس سرّه أن التخيير فيها وظيفة للحاكم.

وما ذكره في محله ، لا لما قيل من أن تخيير المتخاصمين لا ترتفع معه الخصومة ، لعدم وضوح الخروج بذلك عما تقتضيه القواعد.

٢٤٧

بل لما ذكره قدّس سرّه من أن القضاء والحكم عمل له لا للغير فهو المخير. اما بالإضافة لكيفية الحكم وأحكام الدعوى فظاهر ، إذ لا أثر لها بالإضافة لغيره من المتخاصمين أو غيرهما.

وأما بالإضافة للحق المتخاصم فيه فهو وإن كان موردا لعمل المتخاصمين وغيرهما ، إلا أن ذلك إنما يقتضي رجوع العامل لما هو الحجة في حقه في مقام العمل ، فيتخير في المقام المذكور ، لا في فصل الخصومة ، الذي هو وظيفة للحاكم ، بل اللازم فيه على الحاكم الرجوع لما هو الحجة في حقه ، ولذا يجب عليه العمل بمقتضى الحجة الظاهرية في حقه من الطرق والأمارات والأصول الجارية في الشبهات الموضوعية والحكمية وإن علم بعدم حجيتهما في حق أحد المتخاصمين أو كليهما ، لانكشاف الواقع لهما بالعلم الذي لا مجال معه للحكم الظاهري.

نعم ، قد يستشكل فيه بالنظر لما ذكروه في ما لو لزم من حكمه في واقعتين مخالفة إجمالية ، كما في من أقر بعين لشخص ، ثم أقر بها لآخر ، حيث يحكم عليه بها للأول وبقيمها للثاني اعتمادا على الاقرارين المعلوم كذب أحدهما ، فإن العلم الإجمالي المذكور يسقط حجية الإقرارين في حقه ، كما يسقطهما في مقام العمل لو ابتلي الحاكم أو غيره بالعين والقيامة معا بميراث أو غيره.

لكن ذلك لا يكشف عن كون المعيار في الحكم على الحجة في حق المتخاصمين ، لما أشرنا إليه من عدم العبرة بعلمهما التفصيلي ، فضلا عن الإجمالي.

وربما يدفع الإشكال المذكور بأحد وجهين ..

الأول : أن ابتلاء الحاكم بكل من الطرفين ، لا يكون بمجرد الاقرار بالتخاصم فيهما إليه وإرادة الحكم فيهما ، وحيث كان الحكم فيهما تدريجيا فلا ابتلاء حين الحكم في كل طرف إلا به ، فلا يصلح العلم الإجمالي للتنجيز حينئذ

٢٤٨

ليسقط الاقرار عن الحجية فيه.

الثاني : أن موضوع الولاية على الحكم والقضاء ليس هو الحق الواقعي ، بنحو يكون العلم والحجج طرقا محضة ، كما هو الحال في أحكام الحق الاخرى ، ليمتنع الحكم على خلاف العلم التفصيلي أو الإجمالي الذي هو حجة ذاتية ، كما يمتنع العمل في أحكامه الاخرى على خلافه ، بل موضوعه شرعا العلم أو قيام الحجة بنحو لا يكون الحكم بدونهما مشروعا واقعا ولا نافذا وإن أصاب الواقع ، وحينئذ للشارع الحكم بعدم مانعية العلم الإجمالي من القضاء على طبق الحجة في كل مورد بنفسه من إقرار أو غيره مع قطع النظر عن المورد الآخر. بل يمكن منه الحكم بعدم مانعية علمه التفصيلي بخطإ الحجة. فلاحظ.

هذا ، وقد يستشكل في الرجوع للتخيير في خصوص القضاء لمقبولة ابن حنظلة الواردة فيه والحاكمة بالإرجاء والتوقف ، فتصلح لتخصيص إطلاقات التخيير.

ويندفع : ـ مضافا إلى ما سبق من أنّ مقتضى عموم التعليل في المقبولة عدم اختصاصها بالقضاء ، فتكون معارضة لنصوص التخيير ، لا أخص منها ـ بأن مورد المقبولة اختلاف الحكمين الصادرين من حاكمين تبعا لاختلاف روايتيهما ، لا اختلاف الروايتين في حق حاكم واحد ، الذي هو محل الكلام ، فلا مخرج فيه عن إطلاقات التخيير لو تمت.

الثالث : هل التخيير لو قيل به في المقام ابتدائي ، فيجب الجري في جميع الوقائع على طبق ما يختار في الواقعة الأولى ، كما يظهر من شيخنا الأعظم قدّس سرّه وصرح به بعض الأعاظم قدّس سرّه جاعلا ذلك من ثمرات كون التخيير في المسألة الأصولية ، أو استمراري ، فيجوز الاختلاف بين الوقائع في ما يختار ، كما صرح به المحقق الخراساني قدّس سرّه ووافقه سيدنا الأعظم قدّس سرّه ، وقيل انه المحكي عن العلامة ، وأنه المحكي نسبته للمحققين.

٢٤٩

والأول وإن كان هو مقتضى الاقتصار على المتيقن ، للشك في حجية ما يختار في الوقائع اللاحقة على خلاف ما اختير في الوقائع السابقة ، إلا أنه قد استدل للثاني ..

تارة : بإطلاقات نصوص التخيير.

واخرى : بالاستصحاب.

والإشكال في الإطلاقات بأنها واردة لبيان حكم المتحيّر في الواقعة الأولى الذي لم يختر أحد الخبرين ولم يكن حجة رافعة لتحيره.

مدفوع : بأن التحير بالنحو المذكور لم يؤخذ في موضوع التخيير وإنما استفيد من فرض السؤال عن الوظيفة العملية فيهما ، وحيث كانت الوظيفة قابلة للتخيير الابتدائي والاستمراري ، فالتحير من هذه الجهة لا يرتفع بالاختيار في الواقعة الأولى ، ولا بد من الرجوع في تعيين الوظيفة العملية من هذه الجهة إلى اطلاق السؤال والجواب ، وهو تابع للعنوان المأخوذ في النصوص ، وحيث كان هو تعارض الخبرين الباقي في جميع الوقائع من دون أن يرفعه الاختيار في الواقعة الأولى كان مقتضى الإطلاق هو التخيير الاستمراري.

ولا سيما مع مناسبته للتعبير في بعض النصوص بالأخذ من باب التسليم ، لوضوح أن اختيار أحد الخبرين لا يخرج الآخر عن قابلية الأخذ من باب التسليم. بل قوله عليه السّلام في مرسل الحارث ابن المغيرة : «فموسع عليك حتى ترى القائم» صريح في استمرارية التخيير.

هذا كله بناء على رجوع التخيير للحجة المعلقة على الاختيار ، أما بناء على رجوعه إلى كون كل منهما حجة فعلية للمكلف ومجموعهما حجة عليه ـ كما تقدم انه الظاهر ـ أو إلى محض السعة في مقام العمل ، فالأمر أظهر لوضوح أن اختيار العمل على طبق أحدهما في الواقعة الأولى لا يوجب تعين مضمونه فيها ، فضلا عن بقية الوقائع ، فارتفاع التحير بنفس البيان القاضي بالسعة لا

٢٥٠

بالاختيار.

ومما سبق يظهر أنه لا مجال للاشكال في الاستصحاب بتبدل الموضوع ، لارتفاع التحير بعد الاختيار. نعم ، لما كان التمسك بالاستصحاب في فرض عدم الإطلاق فاحتمال اختصاص التخيير بالواقعة الأولى مساوق لاحتمال تبدل الموضوع الذي هو مانع من التمسك بالاستصحاب كاليقين بتبدله.

ودعوى : التسامح العرفي في ذلك ، قد سبق الإشكال فيها في مبحث الاستصحاب. مضافا إلى أنه بناء على رجوع الحجية التخييرية لحجية كل منهما معينا على تقدير اختياره تكون الحجية التخييرية تعليقية لا محال لاستصحابها ، لعدم جريان الاستصحاب التعليقي ، بل الجاري الاستصحاب التخييري ، وهو في المقام استصحاب حجية ما اختاره أولا دون الآخر ، بناء على جريان استصحاب الحجية كما هو غير بعيد. وهو يوافق التخيير الابتدائي عملا.

نعم ، بناء على ما سبق منا في معنى الحجية التخييرية تكون تنجيزية لا بأس باستصحابها لو لا ما ذكرنا من احتمال تبدل الموضوع.

وقد تحصل من جميع ما سبق : أن التخيير استمراري عملا باطلاق النصوص.

نعم ، قد ينشأ عنه علم إجمالي منجز ، كما في الموارد التي يلزم من فوت الواقع فيها تكليف بالتدارك قضاء أو إعادة ، أو بمثل الفدية والكفارة ، كما في القصر والاتمام ، فإن اختلاف العمل فيهما في واقعتين مستلزم للعلم الإجمالي ببطلان أحد الفعلين المستلزم لتداركهما معا.

إلا أن يا بنى على عدم وجوب تدارك ما وقع عن اجتهاد أو تقليد مشروع مطلقا ، أو في خصوص المقام ، لاستفادته من نصوص التخيير ، كما هو غير بعيد.

ثم إن لازم كون التخيير ابتدائيا أن المكلف لو نسي ما اختاره أولا يلزمه التوقف ، لاشتباه الحجة باللاحجة عليه المانع من العمل بكل منهما في

٢٥١

خصوص مفاده ، بل يعمل على القدر المشترك بينهما.

ودعوى : تحقق موضوع التخيير الابتدائي في حقه حينئذ ، لرجوع التحير له وفقده للحجة.

مدفوعة : بأن موضوع التخيير الابتدائي ـ بناء على ما سبق ـ هو التحير الناشئ من التعارض الموجب لعدم حجية كل منهما رأسا لو لا الحكم بالتخيير ، وهو لم يعد بسبب النسيان ، لأن التحير فيه مسبب عن نسيان الحجة منهما المانع من العمل به في خصوص مؤداه ، لا من حجيته رأسا ، بل يعمل به في القدر المشترك.

٢٥٢

الفصل الثالث

في لواحق الكلام في مفاد أدلة

المتعارضين الخاصة

تعرض الأصحاب لجملة من المباحث لا تخصّ أحد الفصلين السابقين لنلحقها به ، بل هي تجري في كليهما ، ولأجله جعلنا الكلام فيها في فصل يخصها.

وفيه مسائل ..

المسألة الأولى : سبق في أوائل الكلام في التعارض أن الكلامين المتنافيين بظاهرهما مع الجمع العرفي بينهما ، لكون أحدهما قرينة على الآخر عرفا ، وإن كانا متعارضين في مقام البيان والدلالة إلا أنهما غير متعارضين في مقام الحجية ، لأن مرجع الجمع العرفي بينهما إلى ارتفاع موضوع حجية أحدهما بسبب الآخر ، وتعين العمل على القرينة وإهمال ظهور ذي القرينة البدوي ، ولا يشملهما حكم التعارض.

وهو ظاهر في أحكام التعارض الأولية مع قطع النظر عن الأدلة الخاصة ، وأما بالنظر إليها فهو موقوف على ظهورها في أن موضوعها التعارض في مقام الحجية المستتبعة للعمل.

أما لو كان هو التعارض في مقام البيان والدلالة تعين شمول أحكام التعارض التي تضمنتها ـ من الترجيح والتخيير أو التساقط ـ لموارد الجمع العرفي ، وتكون الأدلة المذكورة رادعة عن الجمع العرفي ، وكاشفة عن

٢٥٣

خصوصية في الأخبار مانعة منه.

إذا عرفت هذا ، فأكثر النصوص الخاصة قد اشتمل على عنوان الاختلاف بين الأخبار ، والظاهر صدقه بمجرد الاختلاف في مقام البيان والدلالة.

إلا أن ورودها مورد التحير في الوظيفة ـ كما يناسبه حال السائل في أكثرها ـ موجب لانصرافها عن موارد الجمع العرفي ، لعدم التحير فيه بحسب الطبع الأولى ، والاحتياج للسؤال فيها يتوقف على المفروغية مسبقا عن ردع الشارع عن الجمع العرفي ، ولا إشعار في النصوص المذكورة بالمفروغية عن ذلك. ومن ثمّ كانت منصرفة إلى ما يتوقف العرف معه عن العمل بطبعهم لعدم وضوح وجه الجمع فيه لهم.

وأولى بالاختصاص بذلك مرفوعة زرارة المتضمنة لعنوان التعارض ، لما سبق في تعريفه من أن المناسبة المصححة لإطلاقه كون كل من المتعارضين مانعا من العمل بالآخر.

وكذا ما استفيد منه فرض التعارض من دون تصريح بلفظه ـ كمرسل الحارث بن المغيرة المتقدم في نصوص التخيير ـ لأن المتيقن منه إرادة ذلك.

ولعل هذا هو الوجه في سيرة الأصحاب (رضوان الله عليهم) في مقام الاستدلال على متابعة الجمع العرفي ، كما يظهر بأدنى نظر في كلماتهم في أبواب الفقه. بل الظاهر الإجماع منهم في الفقه والأصول على بعض أنحاء الجمع العرفي ، كحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد ونحوهما.

كما لا يظهر منهم الفرق في الجمع العرفي بين الأخبار التي هي موضوع نصوص التعارض ، وبين غيرها ، كالبيانين الكتابيين ، أو البيان الكتابي والخبر. وما ذلك إلا لعدم استظهارهم من نصوص التعارض الردع عن الجمع العرفي بين الأخبار ، بل يجري فيها كما يجري في غيرها مما لم تتعرض له نصوص التعارض.

٢٥٤

وكفى بهذه السيرة والإجماع دليلا في المقام على جريان الجمع العرفي في الأخبار ، وقرينة على عدم نهوض أخبار التعارض بالردع عنه لو فرض التشكيك في ما سبق في مفادها.

هذا ، وقد يستظهر من بعض الأخبار عموم التعارض لموارد الجمع العرفي ، كصحيح علي بن مهزيار المتقدم في نصوص التخيير ، لأن مقتضى الجمع العرفي حمل الأمر بصلاة ركعتي الفجر على الأرض على الأفضلية ، ولم يستغن السائل به عن السؤال عن تعارضهما ، ونحوه صحيحه الآخر : «قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السّلام : جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السّلام في الخمر يصيب ثوب الرجل أنهما قالا : لا بأس بأن تصلي فيه إنما حرم شربها. وروى عن (غير) زرارة (١) عن أبي عبد الله عليه السّلام : أنه قال : إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ ـ يعني المسكر ـ فاغسله إن عرفت موضعه ، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله ، وإن صليت فيه فأعد صلاتك فأعلمني ما اخذ به. فوقع عليه السّلام بخطه وقرأته : خذ بقول أبي عبد الله عليه السّلام» (٢) ، فإن مقتضى الجمع بين الخبرين حمل الثاني على الاستحباب.

ويندفع : بأن الصحيحين ونحوهما لما كانت واردة في موارد خاصة فربما كان السائل فيها قد خفي عليه وجه الجمع بين الخبرين ، إذ لا يجب في الجمع العرفي أن يفهمه كل أحد ، بل قد يكونان محفوفين عنده بقرائن داخلية أو خارجية تمنع من الجمع المذكور ، كما هو القريب في مورد الخبر الثاني ، لعدم مناسبة الكراهة للاحتياط بغسل الثوب كله ، ولا لإعادة الصلاة الواقعة به.

على أن مقتضى الجمع العرفي لما لم يكن واقعيا قطعيا ، بل كان ظاهريا ظنيا فهو لا يمنع من السؤال الموصل للحكم الواقعي ، وليس هو كالسؤال في

__________________

(١) كذا في الوسائل وفي الكافي والتهذيب والاستبصار : «وروى غير زرارة».

(٢) الوسائل باب : ٣٨ من أبواب النجاسات حديث ٢.

٢٥٥

أخبار التعارض العامة ، لأن الغرض منه لما كان هو معرفة الوظيفة الظاهرية كان منصرفا عما إذا كانت معلومة بطريق الجمع العرفي.

ثم إنه قد يظهر الخروج عما ذكرنا من كلام غير واحد من الأصحاب ، مثل ما ذكره الشيخ قدّس سرّه في مقدمة الاستبصار من تقديم الترجيح بصفات الراوي من العدالة والعدد على الترجيح بقوة الدلالة بتقديم ما لا يمكن تأويله على ما يمكن تأويله ، وما ذكره في (العدة) (١) من تأخر الترجيح بقوة الدلالة عن جميع المرجحات من موافقة الكتاب والسنة والإجماع وصفات الراوي وكثرة الرواة والمخالفة للعامة ، وما ذكره في بعض الفروع الفقهية من حمل الخاص على التقية وإهمال الجمع العرفي بينهما بتخصيص العام. وما في الحدائق من إنكار الجمع بين الأمر أو النهي مع الرخصة بالحمل على الاستحباب أو الكراهة ، لدعوى خلو أخبار العلاج عنه. وما عن المحقق القمي من أن اللازم تقديم الخاص على العام من حيثيتهما مع قطع النظر عن المرجحات الخارجية التى قد تقتضي تقديم العام لموافقته للكتاب أو مخالفة للعامة ، إلى غير ذلك مما قد يعثر عليه الناظر في كلماتهم وإن لم يسعنا استقصاؤها في هذه العجالة.

لكن من القريب حمل ما في الاستبصار والعدة على التأويل الخارج عن الجمع العرفي وإن كان مع قوة دلالة أحد الدليلين ، لأن مجرد قوة الدلالة لا تكفي في الجمع العرفي ما لم تستلزم قرينية الأقوى عرفا على المراد من الآخر ، على ما تقدم في محله.

وإلا فتحكيم نصوص العلاج في موارد الجمع العرفي قاض بإلغائه رأسا وعدم كون قوة الدلالة مرجحا لو بني على الاقتصار على المرجحات المنصوصة ، وإن بني على التعدي عنها فلا وجه لتأخره عن بقية المرجحات ، بل يكون في عرضها أو مقدما عليها لتقدمه طبعا بنظر العرف. فلاحظ.

__________________

(١) العدة ج ١ ص : ٥٥.

٢٥٦

كما أن ما سلكه في بعض المسائل الفقهية من حمل الخاص على التقية وتقديم العام قد يكون مبنيا على استفادة التقية في الخاص من قرائن خارجية ـ كفتوى الأصحاب ونحوها ـ مسقطة للخاص على الحجية رأسا مع قطع النظر عن العام.

وإلا فقد خص في العدة (١) التعارض بالعامين وصرح بوجوب حمل العام على الخاص جمعا ، وأنه لا يجري عليهما حكم المتعارضين ، وهو المطابق لسيرته في فقهه.

وأما ما ذكره في الحدائق وقد يستفاد من غيره من المحدثين فهو راجع إلى انكار الجمع المذكور ، لا إلى إنكار جميع أنحاء الجمع العرفي ، كيف وكتابه مملوء بالجري على مقتضى الجمع العرفي بوجوهه المختلفة ، كحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد وغيرهما.

بل قد جرى في كثير من الموارد على استفادة الكراهة والاستحباب من الجمع بين النصوص ، ككراهة الأكل والشرب والخضاب للجنب ، واستحباب المضمضة والاستنشاق قبل الغسل ، والاغتسال بصاع وغيرها. فكأن مراده مما تقدم ما إذا لم يكن الجمع بما تقدم عرفيا ، لخصوصية في المورد.

كما أن ما ذكره المحقق القمي قد يتجه على مبناه من أن الرجوع للأخبار ليس لحجيتها بالخصوص ، بل لإفادتها الظن بمقتضى دليل الانسداد ، حيث قد يحصل الظن من العام الموافق للكتاب أو المخالف للعامة دون الخاص أو المخالف له أو الموافق لهم. على أن التزامه بذلك في فقهه بعيد جدا.

وكيف كان ، فلا مجال للخروج بهذه الكلمات ونحوها عما هو المعلوم من رأيهم في الأصول وسيرتهم في الفقه على متابعة الجمع العرفي وخروج المورد به عن التعارض موضوعا وحكما.

__________________

(١) العدة ج ١ ص : ١٥٣.

٢٥٧

وما أكثر ما خرجوا عن مبانيهم العامة في طرق الاستدلال بالأدلة أو الأصول العملية في خصوص بعض الموارد غفلة عن كبريات تلك المباني أو عن صغرياتها ، أو للاقتناع بالحكم بنحو يكون الاستدلال عليه للاستظهار على الدعوى ، لا لتوقف معرفته عليه ، حيث قد يوجب ذلك الغافلة أو التسامح في الاستدلال ، من دون أن يخل ذلك بمعرفة مبانيهم العامة وقواعدهم المسلمة بينهم المعول عليها عندهم. ونسأله سبحانه وتعالى العصمة من الزلل في القول والعمل.

المسألة الثانية : الدليلان المتعارضان بظاهرهما إذا كان كل منهما صالحا للقرينية على الآخر عرفا من دون يتعين أحدهما لها ـ كالعامين من وجه والدليلين اللذين يكون أحدهما ظاهرا في الوجوب قابلا للحمل على الاستحباب والآخر بالعكس ـ فقد سبق أنهما حجة في نفي الثالث ، لأنهما بحكم المجمل المردد بين وجهين الذي له متيقن في البين ، حيث لا يمنع إجماله من حجيته في المتيقن.

وأما بالإضافة إلى مورد التعارض فهو يبتني على شمول أخبار العلاج لمثل هذا التعارض ، حيث قد يدعى قصورها عنه ، لعدم التصادم عرفا بين الخبرين ، بل بين ظهوريهما ، فلا مخرج عن أصالة الصدور في كل منهما ، المقتضية للتساقط ، حيث يكونان كالكلام الواحد الذي تصادم فيه ظاهران في البناء على الإجمال ، غايته أن الإجمال في الكلام الواحد بدوي ، وفي الكلامين من المذكورين عرضي.

لكنه يندفع بما سبق من أن أكثر نصوص العلاج قد تضمن عنوان الاختلاف الصادق في موارد الجمع العرفي ، فضلا عن محل الكلام ، وإنما انصرفت عن موارد الجمع العرفي بقرينة ظهور السؤال فيها في التحير وعدم معرفة الوظيفة العملية من المتعارضين ، وهذا لا يجري في محل الكلام ، فيلزم

٢٥٨

شمول الإطلاق له ، خصوصا مقبولة ابن حنظلة ، لما يأتي.

وكون التصادم في المقام بين الظهورين لا يمنع من ذلك ، لأن اختلاف النصوص وتعارضها حتى في المتباينين إنما هو بلحاظ ظهوراتها.

وظاهر بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه خصوصية العامين من وجه ونحوهما مما لا يمنع التعارض فيه من العمل به في الجملة ولو في غير مورد المعارضة. لدعوى : انصراف نصوص العلاج إلى ما إذا أوجب التعارض التوقف عن المتعارضين رأسا ، دون ما إذا بقي التعبد بسنديهما لانفراد كل منهما بمورد يعمل به فيه.

وذكر أن ذلك هو الوجه في تسالم الأصحاب على البناء فيهما على التساقط في مورد الاجتماع ، كما نقله غيره أيضا عنهم ، مع بنائهم في المتعارضين على التخيير.

لكن لا يتضح منشأ الانصراف المذكور بنحو يخرج به عما عرفت من الإطلاق ، خصوصا في مقبولة ابن حنظلة الواردة في اختلاف الروايتين الموجب لاختلاف الحكمين ، لوضوح أن الحاكم كما يعتمد في مورد الخصومة على دليل يخصه يعتمد على دليل يعمه وغيره ، فلا يبعد عن مورد الخصومة على دليل يخصه يعتمد على دليل يعمه وغيره ، فلا يبعد عن مورد السؤال اختلاف الروايتين بالعموم من وجه.

وبعبارة اخرى : ليس فرض اختلاف الروايتين في المقبولة ابتداء ، ليدعى انصرافه عن مثل العامين من وجه ، بل بتبع فرض اختلاف الحكمين ، ومن الظاهر أن اختلافهما قد يستند لاختلاف دليليهما بالعموم من وجه.

وأما تسالم الأصحاب على التساقط في العامين من وجه فليس هو إلا في الفقه في مقام الاستدلال ، وقد سبق عدم رجوعهم فيه للتخيير حتى في المتباينين وإن ذكره بعضهم في الاصول ، وأما في الأصول فيقل تحريرهم لهذه المسألة ، وقد صرح الشيخ في العدة ومقدمة الاستبصار بالرجوع للتخيير في ما لو

٢٥٩

أمكن تأويل كل من المتعارضين على ما يطابق الآخر من دون مرجح لأحد التأويلين ، وهو شامل لما نحن فيه ، ولعله لذا كان ظاهر شيخنا الأعظم قدّس سرّه البناء فيه على التخيير.

وكيف كان ، فلا مجال للبناء على قصور الأخبار العلاجية عن شمول مثل العامين من وجه.

نعم ، قد يستشكل في جريان المرجحات السندية ـ كالشهرة في الرواية وصفات الراوي ـ فيهما ، لما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه من أنه لا وجه لإعمالها على الإطلاق ، لأنه يوجب طرح الخبر المرجوح في غير مورد التعارض ، ولا لإعمالها في خصوص مورد التعارض مع العمل بالمرجوح في غيره ، لأنه بعيد عن ظاهر الأخبار العلاجية ، بل صرح بعض الأعاظم قدّس سرّه بامتناعه ، لأن الخبر الواحد لا يقبل التبعيض في المدلول من حيثية الصدور ، بأن يكون صادرا في بعض مدلوله دون بعض.

وانحلال العموم الذي تضمنه إلى أحكام متعددة لا يوجب تعدده.

وأما ما يظهر من بعض مشايخنا وأشار إليه شيخنا الأعظم قدّس سرّه من عدم رجوع المرجح الصدوري إلى ترجيح صدور أحد الخبرين على الآخر ، بل إلى ترجيح مضمون أحدهما ، ولا مانع من التعبد ببعض مضمون الخبر دون بعض ، لرجوعه إلى إلغاء عموم الخبر دون صدوره.

ففيه : أن المنساق من الترجيح بحسب الصدور ليس هو التعبد بالمضمون ابتداء ، بل تبعا لترجيح صدور نفس الخبر الذي تضمنه ، لقيام المرجحات من الأوثقية والشهرة ونحوهما به ، لا بالمضمون.

فالأولى أن يقال : ليس مرجع الترجيح الصدوري إلى تكذيب المرجوح والحكم بعدم صدوره ، ليمتنع التفكيك في الصدور بين أجزاء مضمون الخبر الواحد ، بل إلى التعبد بمضمون الراجح لأقوائية احتمال صدوره دون مضمون

٢٦٠