بأن أحييتها بما أودعتها من روح فعلي وروح صفتي وروح ذاتي ، وذلك على الغيب وغيب الغيب ، وسر الغيب الأول أمر الفعل ، والثاني أمر الصفة ، والثالث أمر الذات ، فإذا صارت جامعة لهذه الخصائص وأن جميع الأرواح صدرت من نورها أرسلناها إلى جسمك المبارك ، ونفختها في صورتك كما نفخت في صورة أبيك ، فصار آدم العالم فأنت أنت ، وآدم والعالم من العرش إلى الثرى يظهر من مرآة وجودك ، كما ظهر الكون من جوهرك القدسي الذي هو أول ما خلقت ، فمن يرى نورها منك فقد رآني ، فإنك مرآتي للعالمين ؛ لذلك قال صلىاللهعليهوسلم : «من رآني فقد رأى الحقّ ، ومن عرفني فقد عرف الحقّ» (١) ، وقال : «أول ما خلق الله نوري ، ثم خلق منه ما هو كائن إلى يوم القيامة» (٢) ، فمن كان له من بحر نوره روح صار بين العالمين مرآة جمال الحق وجلاله ، ويكون شاهد الحق في العالم ؛ من نظر إليه عشق بالحق ؛ إذ الحق يظهر منه من حيث التجلي لا من حيث الحلول ، تعالى عن أن يحل في شيء من الحدثان ، ثم بيّن الحق تفصيل مواهبه التي وهبها لحبيبه صلىاللهعليهوسلم من خصائص النبوة والرسالة ، وشرائف المعارف والكواشف التي خفيت عنه في أوائل حاله ؛ إذ كان في غواشي صورة الإنسانية من أحكام أزليته ، وما سبق له من حسن العناية والكفاية بقوله : (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) أي : ما كنت واقفا على أسرار الخطاب وحقيقة المعرفة في زمان غيبتك ؛ إذ زيّنتك بألطاف في حجب الغيب ، ثم تجلى لك نور القرآن الذي ظهر منه نور العرفان ، فصار العرفان إيمانك والقرآن عرفانك ، فإيمانك العرفان ، وعرفانك القرآن ، فصار الإيمان والعرفان والقرآن من حيث عين الجمع واحدا ؛ إذ جميعها صدر من صفة القدم بالتجلي والتدلي والظهور ؛ والصفة صدرت من الذات من حيث المعاينة ، والكشف للأرواح الجلالية الجمالية القدسية ؛ لذلك تعود الكناية إلى الواحد من الاثنين ، إذ هذا الاثنان واحد في الحقيقة.
(وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣))
قاله تعالى : (وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) أي : هذه المعاني التي كشفتها لك نور وهداية تهدى به إلى معرفتنا وشرفك عندنا ، (مِنْ عِبادِنا) : من العارفين والموحدين والمحبين الذين كانوا في سوابق الغيب منك صدروا ، وعلى رؤية جمالنا
__________________
(١) رواه البخاري (٦ / ٢٥٦٨) ، ومسلم (٤ / ١٧٧٦) بأوله فقط.
(٢) ذكره العجلوني في كشف الخفا (١ / ٣١١).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٣ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3977_tafsir-araes-albayan-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
