في من يتسمى كذبا وظلما بأسماء المتقين ، وهذا فهو معنى النفاق المعروف في لسان العرب وكلامها ، وما يدور من معلوم اللسان فيه بين خواصها وعوامها ، لا يجهله منها صغير طفل ، ولا كبير كهل ، ولو كان النفاق ليس إلا ما زعم بعض الناس من إسرار الشرك (١) وإعلان التوحيد والإقرار ، لما جاز أن يقال : (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ) [آل عمران: ١٦٧] ، وكيف يقول هم أقرب إليه؟ وهم فيه وعليه! هذا ما لا يصلح توهّمه في الكتاب لتناقضه واختلافه! وميله عن الحكمة وانصرافه! وكيف يصح أن لا (٢) يكون النفاق إلا إسرار الشرك بالله؟! والله يقول سبحانه لرسوله ، صلى الله عليه وعلى أهله : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (٧٣) [التوبة : ٧٣ ، التحريم : ٩]. فكيف يأمره بجهادهم على ما طووه من شركهم سرا؟! وهو لا يحيط صلى الله عليه بكثير من علانيتهم خبرا. فكيف يأمره بجهادهم على سر القلوب؟! الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب!! وكل من قال بأن النفاق إسرار الشرك بالله، غير موجب على نفسه لجهاد (٣) المسرّين لشركهم بالله ، دون أن يعلنوا من الشرك ما أسروا ، ثم أن يمتنعوا من شركهم ويتبرّوا ، وفي هذا عليهم حجة لعدوهم في الجهل بالنفاق (٤) قاطعة ، بينة مضيئة فيما قلنا به من أن النفاق فعل علانية لهم مما قالوا إن أنصفوا مانعة.
والصنف الثاني منهم : الذين في قلوبهم مرض وهو شكوك الارتياب ، فهم الذين كانوا يتولون كفرة أهل الكتاب ، كما قال سبحانه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ) (٥٢) [المائدة : ٥١
__________________
(١) في (ج) : الشك. مصحفة.
(٢) في (ب) : يصح أن يكون. وفي (د) : وكيف أن يكون.
(٣) في (ب) : بجهاد. وفي (د) : بجهاده.
(٤) في (ب) و (د) : حجة لعذرهم. وفي (ب) : بالجهل في النفاق.
![مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي ( ١٦٩ ـ ٢٤٦ هـ ) [ ج ٢ ] مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي ( 169 ـ 246 هـ )](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3478_majmu-kotob-varasael-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
