(لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) يعنى انّ الخوف ليس الّا من بقايا الانانيّة تبقى على العبد والمرسلون إذا بلغوا الى مقام الحضور وكانوا عند الرّبّ لم يكن عليهم شيء من انانيّاتهم فلم يكن لهم ما عليه يخافون من الانانيّة وما يلزمها من نسبة الأموال والأفعال والصّفات إليها (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) استثناء منقطع يعنى لكن من ظلم (ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ) بتدارك ظلمه فيما له تدارك وبالاستغفار والتّوبة فيما ليس له تدارك فانّه يخاف ولكن اغفر له وارحمه (فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) أو استثناء متّصل ويكون المراد بالظّلم بقايا اثر النّفس عليهم حتّى لا ينافي عصمة الأنبياء (ع) يعنى الّا من كان باقيا عليه من انانيّته شيء فانّه ظلم بوجه على انسانيّته ، ويؤيّد هذا المعنى قراءة الّا من أظلم من باب الأفعال ثمّ بدّل هذا الظّلم حسنا حتّى لا يمنع ظلمه من رسالته ، وتبديله حسنا بان لا يستبدّ بتلك الانانيّة ويلتجئ الىّ ويتضرّع علىّ ويستوحش من انانيّته ويستغفرني فانّى لا اؤاخذه بتلك الانانيّة واغفرها له وارحمه بإعطاء منصب الرّسالة لانّى غفور رحيم (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) جيب القميص معروف والمقصود ان يدخل يده تحت قميصه وثيابه ويضعه على قلبه ليطمئنّ من الرّهب ويتأثّر يده من ضوء قلبه كما قال واضمم إليك جناحك من الرّهب (تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) اى من غير علّة البرص (فِي تِسْعِ آياتٍ) قد اختلف الاخبار في تعيين التّسع وفي خبر عن النّبىّ (ص) : هي ان لا تشركوا به شيئا ، ولا تسرفوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النّفس الّتى حرّم الله الّا بالحقّ ، ولا تمشوا ببريء الى سلطان ليقتل ، ولا تسخروا ، ولا تأكلوا الرّبوا ، ولا تقذفوا لمحصنة ، ولا تولّوا للفرار يوم الزّحف ، وعليكم خاصّة يا يهود ان لا تعتدوا في السّبت ، وكان يهودىّ سأله عن الآيات فلمّا سمع منه قبّل يده وقال : اشهد انّك نبىّ ، وفي اخبار كثيرة فسّر الآيات التّسع بما كان يظهر منه من المعجزات مثل الجراد والقمّل والضّفادع وغير ذلك مع اختلاف في تعيينها فانّ الظّاهر على يده وبواسطته كان أكثر من التّسع ، والظّرف حال من فاعل تخرج أو ظرف لغو متعلّق بفعل من افعال الخصوص حالا من فاعل ادخل مثل ذاهبا أو مرسلا في تسع آيات ، ويحتمل ان يكون اليد من جملة التّسع أو زائدة على التّسع (إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) فذهب في الآيات الى فرعون وقومه (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً) من أبصره إذا نظر اليه ورآه فيكون نسبته الى الآيات مجازا عقليّا ، أو من أبصره إذا جعله بصيرا ، وقرئ مبصرة بفتح الميم والصّاد بمعنى محلّ التّبصّر ، أو مصدرا بمعنى ذوات ابصار (قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِها) اى جحدوا موسى بسبب الآيات مكان الإقرار بها لكمال عنادهم مع الحقّ وفسوقهم أو جحدوا الآيات من حيث انّها آيات الهيّة وقالوا انّها سحر (وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا) اى استكبارا (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) وقد سبق في سورة الأعراف تفصيل الآيات وكيفيّتها وكيفيّة ابتلائهم بها وعاقبة أمرهم (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً) عظيما فانّ ما آتاهما الله وان كان بالنّسبة الى علم الله وعلم محمّد (ص) وآله (ع) حقيرا لكنّه في نفسه عظيم كثير ، أو شيئا يسيرا من علم آل محمّد (ص) وبهذا القدر اليسير تجاوب داود (ع) الجبال والطّيور وعلم سليمان (ع) منطق الطّيور وسائر الحيوان وسخّر الجنّ والطّيور والحيوان والرّياح (وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) يعنى انّهما اظهرا شكرا لنعمة العلم والمقصود تفضيلهم على كثير من العباد من زمن آدم (ع) أو على كثير من عباد زمانهم بإدخال الملائكة فيهم أو قالوا ذلك لاحتمالهم أو علمهم بكون بعض العباد الحامدين أفضل منهم أو لهضم أنفسهم ولتعليم الغير طريقة الشّكر وانّ الشّاكر على النّعم لا ينبغي ان يغترّ بالنّعم ويعجب بنفسه بل ينبغي ان يرى في كلّ الأحوال لغيره فضلا على نفسه حتّى لا يبتلى بالغرور والاعجاب بالنّفس ، وفيه
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٣ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3372_tafsir-bayan-alsaade-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
