قوله «يكن منكم» «يكن» في هذه الأماكن يجوز أن تكون التامّة ، ف «منكم» إمّا حال من «عشرون» لأنها في الأصل صفة لها ، وإمّا متعلق بنفس الفعل ، لكونه تاما ، وأن تكون الناقصة فيكون «منكم» الخبر ، والمرفوع الاسم ، وهو «عشرون» ، و «مائة» ، و «ألف».
فصل
روى عطاء عن ابن عبّاس : «لما نزل التكليف الأوّل ضجّ المهاجرون ، وقالوا : يا ربّنا نحن جياع ، وعدونا شباع ، ونحن في غربة وعدونا في أهلهم ، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا ، وعدونا ليس كذلك ، وقال الأنصار : شغلنا بعدوّنا ، وواسينا إخواننا ، فنزل التّخفيف» (١).
وقال عكرمة : «إنّما أمر الرجل أن يصبر لعشرة ، والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين ، فلمّا كثروا خفف الله عنهم (٢) ، ولهذا قال ابن عباس : «أيّما رجل فرّ من ثلاثة فلم يفر ، فإن فر من اثنين فقد فرّ». والجمهور ادّعوا أن قوله : (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ) ناسخ للآية المتقدمة».
وأنكر أبو مسلم الأصفهانيّ هذا النسخ ، وقال : «إن قوله في الآية الأولى : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) فهذا الخبر محمول على الأمر ، لكن بشرط كون العشرين قادرين على الصّبر لمقاتلة المائتين ، وقوله : (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) يدلّ على أنّ ذلك الشرط غير حاصل في حقّ هؤلاء ، فالآية الأولى دلّت على ثبوت حكم بشرط مخصوص ، وهذه الآية دلّت على أنّ ذلك الشّرط مفقود في حقّ هذه الجماعة ، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم ، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ ألبتة».
فإن قيل : قوله تعالى : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) معناه : ليكن العشرون صابرون لمقابلة المائتين ، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم.
فالجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم؟.
والحاصل أنّ لفظ الآية ورد بلفظ الخبر ؛ خالفنا هذا الظّاهر وحملناه على الأمر ، أما على رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره ، وتقديره : إن يحصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين ، فليشتغلوا بمقاومتهم ، وعلى هذا فلا نسخ.
فإن قيل : قوله : (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ) مشعر بأن هذا التّكليف كان متوجها عليهم فالجواب : لا نسلم أنّ لفظ التخفيف يدلّ على حصول التثقيل قبله ؛ لأنّ عادة العرب الرخصة بهذا الكلام ، كقوله تعالى عند الرّخصة للحر في نكاح الأمة ، لمن لا يستطيع
__________________
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦ / ٢٨٣).
(٢) ذكره الرازي في «تفسيره» (١٥ / ١٥٥) عن عكرمة.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ٩ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3101_allubab-fi-ulum-alkitab-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
