تعطف لأنّها مع إفادتها تأكيد مضمون الّتي قبلها قد أفادت أيضا حكما يخصّ المخاطب فكانت بهذا الاعتبار جديرة بأن تعطف على الجمل المفيدة أحواله مثل جملة (ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) والجمل بعدها.
والعزة : القوم والشدّة والغلبة. والعزيز : وصف منه ، وتعديته بحرف (على) لما فيه من معنى الشّدة والوقع على النفس كقوله تعالى : (عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ)[التوبة : ١٢٨] ، أي شديد على نفسه ، فمعنى (وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أنك لا يعجزنا قتلك ولا يشتدّ على نفوسنا ، أي لأنّك هيّن علينا ومحقّر عندنا وليس لك من ينصرك منّا. وعزة المرء على قبيلة لا تكون غلبة ذاته إذ لا يغلب واحد جماعة ، وإنما عزّته بقومه وقبيلته ، كما قال الأعشى :
وإنّما العزّة للكاثر
فمعنى (وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أنك لا تستطيع غلبتنا.
وقصدهم من هذا الكلام تحذيره من الاستمرار على مخالفة رهطه بأنّهم يوشك أن يخلعوه ويبيحوا لهم رجمه. وهذه معان جدّ دقيقة وإيجاز جدّ بديع.
وليس تقديم المسند إليه على المسند في قوله : (وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) بمفيد تخصيصا ولا تقويا.
(قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢))
لمّا أرادوا بالكلام الذي وجّهوه إليه تحذيره من الاستمرار على مخالفة دينهم ، أجابهم بما يفيد أنه لم يكن قط معوّلا على عزة رهطه ولكنّه متوكّل على الله الذي هو أعزّ من كل عزيز ، فالمقصود من الخبر لازمه وهو أنّه يعلم مضمون هذا الخبر وليس غافلا عنه ، أي لقد علمت ما رهطي أغلب لكم من الله فلا أحتاج إلى أن تعاملوني بأنّي غير عزيز عليكم ولا بأنّ قرابتي فئة قليلة لا تعجزكم لو شئتم رجمي.
وإعادة النداء للتّنبيه لكلامه وأنه متبصّر فيه. والاستفهام إنكاري ، أي الله أعز من رهطي ، وهو كناية عن اعتزازه بالله لا برهطه فلا يريبه عدم عزة رهطه عليهم ، وهذا تهديد لهم بأنّ الله ناصره لأنّه أرسله فعزّته بعزّة مرسله.
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ١١ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2915_altahrir-wal-tanwir-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
